قبل دقائق من أذان المغرب في أحد منازل مدينة داريا، تضع سيرين طبقين على المائدة وتترك المفتاح قريبًا من الباب.
تقول إنها أحيانًا تتخيل أن زوجها المغترب في لبنان سيدخل فجأة، كما كان يفعل في سنوات سابقة، حين كان يصل قبيل الأذان بدقائق ويشاركها إعداد التفاصيل الأخيرة للإفطار.
هذا العام، كما في رمضان الماضي، تغيب تلك اللحظة. زوجها لم يشاركها المائدة منذ أكثر من عام، وتقول إن الإحساس بغيابه يبدو أثقل في هذا الشهر تحديدًا، حيث ترتبط أمسياته بالتجمعات العائلية ودفء اللقاءات.
خلال حديثها، بدت المائدة مرتبة بعناية، لكنها خالية من حضور اعتادت عليه.
تحاول سيرين أن تملأ يومها بالانشغال، حتى لا يطغى التفكير بغيابه على أجواء البيت، خصوصًا مع طفلتها التي لم تتجاوز عامها الأول.
تتحدث عنه أمام الصغيرة، وتخبرها بأنها ستنقل له تفاصيل يومهما، رغم إدراكها أن الطفلة لا تعي بعد معنى الغياب.
أحيانًا تشارك الأم وابنتها زوجها الإفطار عبر مكالمة فيديو، لكن ظروف العمل لا تسمح بذلك دائمًا.
تقول إن مائدة الإفطار في غيابه مختلفة. أطباق أقل وتحضير أخف، وأحيانًا تكتفي بطعام بسيط لها ولطفلتها، ومع ذلك، تميز بين هذا الغياب المؤقت والفقد الدائم.
“في أمل”، تقول السيدة، معتبرة أن انتظار عودته يجعل الغياب ممكن الاحتمال، حتى لو طال.
سيرين واحدة من عدة أشخاص تحدثوا لعنب بلدي عن قضاء رمضان هذا العام بعيدًا عن أحبائهم، في مدينة تغيرت فيها وجوه الغياب، بين اغتراب وفقد واعتقال وظروف عمل.
غائب لا يعود
في منزل آخر، تستعيد أسماء ذكرى شقيقها وليد، الذي قتل خلال المعارك عام 2023.
تقول أسماء إن حضور أخيها كان يضفي حيوية على المنزل، وإن ضحكته كانت جزءًا من مائدة الإفطار، بينما تحضر اليوم “غصة” في مكانه.
تغيرت طقوس رمضان بعد غيابه. كان يتولى تحضير المشروبات ويساعد إخوته في إعداد الطعام، أما الآن فيذكر اسمه كلما حضر طبق كان يفضله أو عادة اعتاد القيام بها.
تقرأ العائلة الفاتحة وتدعو له قبل الإفطار، وتحاول الحفاظ على ما تبقى من تفاصيل كانت تجمعهم.
ترى أسماء أن فقدان شقيقها قرب أفراد الأسرة من بعضهم، ودفعهم إلى تقدير الوقت المشترك أكثر، إلا أن رمضان يبقى الأصعب بسبب كثرة التجمعات واستعادة الذكريات.
تقول الشابة إن الإيمان بأنه “في مكان أفضل” يخفف بعضًا من وطأة الغياب، فيما يواصلون الاعتناء بالقط الذي كان يحبه، ويتمسكون بتفاصيل صغيرة تبقي حضوره في يومهم.
انتظار بلا يقين
منذ تشرين الثاني 2012، لم تجلس أم حاتم مع ابنيها محمد (30 عامًا آنذاك) وحاتم (36 عامًا) على مائدة واحدة. اعتُقلا من منزلهم الذي نزحوا إليه في صحنايا في ذلك اليوم، وكان آخر عهدها بهما.
ما تزال تتذكر التفاصيل، كما تتذكر لحظة فتح سجن صيدنايا، حين تعلق أملها باحتمال سماع خبر مختلف.
ورغم ما تصفه الأم بـ“المؤشرات” التي تشير إلى وفاتهما، تقول إنها لا تستطيع تقبل الفكرة بشكل نهائي.
أحيانًا تطبخ الأطباق التي كانا يفضلانها، لكنها تعجز عن تناولها، فتستعيد عادات إفطارهم واجتماعهم، وتتمسك بالصبر والدعاء. صورتهما لا تفارقها، واحتمال طرق الباب ما يزال حاضرًا في ذهنها، حتى بعد مرور 13 عامًا.
غياب تفرضه طبيعة العمل
في حالة أخرى، يفرض العمل غيابًا من نوع مختلف.
محمد، وهو شاب يعمل في الأمن العام، قد يغيب عن منزله أسبوعًا أو أكثر بحسب طبيعة مهامه. ترك زوجته وابنته الصغيرة، وكان يتمنى أن يقضي أول أيام رمضان معهما.
يقول إن وجوده مع عائلته لحظة الإفطار يمنحه “شعورًا بالاستقرار له نكهة خاصة”، إلا أن طبيعة عمله قد تفرض عليه البقاء في موقعه حتى لحظة الأذان.
يتناول محمد ما يتيسر له في مكان عمله، ولا يتمكن دائمًا من تعويض الإفطار لاحقًا مع أسرته، فيطلب منهم أن يتذكروه بالدعاء، معتبرًا أن غيابه جزء من مسؤوليات عمله.
مائدة بدون أم
أما أبو عدي، فيستقبل رمضان هذا العام من دون والدته التي توفيت إثر مرض عضال في رمضان 2024. يقول إنها حاضرة في تفاصيل يومه، حتى أنه ليس بحاجة لأن يضع صحنًا فارغًا مكانها على المائدة.
يحرص على جمع إخوته، ولو لأمر بسيط، لأنها كانت تحب اجتماع العائلة.
ويشير الشاب إلى أن مشاعر الفقد تزداد في رمضان، خصوصًا عند المرور بالأماكن التي اعتادا السير فيها، وفي أمسيات كانت تمتلئ بالأحاديث اليومية.

صور لأبو عدي مع والدته في منزله بمدينة داريا – 19 شباط 2026 (عنب بلدي – نداء كناكرية)
لماذا يتضاعف الإحساس بالفقد في رمضان؟
الاختصاصية النفسية والاجتماعية، مرح صبح، أوضحت لعنب بلدي أن الصراحة مع الأطفال ضرورية عند فقدان أحد أفراد العائلة، مع تقديم معلومات دقيقة تتناسب مع أعمارهم، من دون تحريف للواقع.
في حالات الاغتراب يمكن شرح سبب الغياب والحفاظ على التواصل، أما في حالة الوفاة فيجب توضيح مفهوم الموت بكلمات بسيطة ومباشرة.
وتشير الاختصاصية إلى أن ذوي المفقودين يعيشون ما يعرف بـ“الحداد المؤجل”، نتيجة غياب اليقين بشأن المصير، وهو وضع يبقي الشخص بين الأمل والحزن.
وتضيف أن مشاعر الفقد تتضاعف في رمضان والأعياد، لارتباط هذه الفترات بالتجمعات والذكريات والطقوس الاجتماعية.
وتوضح أن الحزن يصبح مقلقًا عندما يستمر بشدة عالية ويؤثر في جوانب الحياة اليومية، وعندها يُنصح بالاستعانة بمختص نفسي.
لحظة الأذان
عند الأذان، تجتمع العائلات إلى موائدها في داريا، لكن الغياب يحضر بأشكال مختلفة: مغترب يُنتظر عودته، شقيق يُستحضر بالدعاء، مفقود ما يزال أمله معلقًا، وأم يترك رحيلها صحنًا فارغًا على الطاولة.
تختلف الأسباب، لكن الإحساس واحد في تلك اللحظة القصيرة بين الدعاء ورفع أول لقمة.. فراغ صغير على المائدة يكشف حجم من غابوا، ويبقيهم حاضرين في الذاكرة.
