تعتمد عيادة “بوابة التعافي” في داريا على السرية بوصفها مدخلًا لتخفيف الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالإدمان، من خلال تقديم العلاج داخل مركز صحي متكامل يضم خدمات متعددة، بما يتيح للمراجعين الوصول إلى الدعم من دون حرج.
وافتتحت العيادة في كانون الثاني 2026، بالشراكة بين وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية، لتقديم خدمات علاج الإدمان ضمن نظام العيادات الخارجية لمرضى داريا ومحيطها، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى هذا النوع من الخدمات مع تراكم الضغوط النفسية والاجتماعية بعد سنوات الحرب.
وقال رئيس مركز داريا الصحي، الدكتور مازن الخطيب، إن العيادة تمثل “ثمرة تعاون استراتيجي بين وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية”، موضحًا أنها لا تقدم بوصفها مركزًا لمعالجة الإدمان فقط، بل “بيئة طبية آمنة تعتمد المعايير العلمية العالمية في التعامل مع اضطرابات استخدام المواد المخدرة”.
وأضاف أن ما يميز العيادة هو تبني “النهج المجتمعي”، إذ لا يعزل المريض عن محيطه، بل يقدم له التدخل المبكر والعلاج النفسي والطبي ضمن بيئته، انطلاقًا من اعتبار الإدمان مرضًا يحتاج إلى علاج، لا وصمة اجتماعية تستوجب العزل أو الاكتفاء بالحلول الأمنية.
عيادة خارجية للحالات البسيطة والمتوسطة
بحسب الخطيب، تعمل “بوابة التعافي” ضمن نظام العيادات الخارجية عبر مراحل تبدأ بالتقييم الشامل والفرز.
إذ يخضع المراجع منذ جلسة الاستقبال الأولى لفحص طبي ونفسي دقيق، مع مراجعة السيرة المرضية وإجراء الفحوص الأولية، بهدف تشخيص نوع المادة المخدرة وتحديد درجة الاعتمادية، وما إذا كانت الحالة بسيطة أو متوسطة أو شديدة، قبل وضع خطة العلاج المناسبة.
وتشمل الخطة العلاجية، وفق حديثه، العلاجات الدوائية الداعمة المتوفرة في المركز للسيطرة على الأعراض الانسحابية البسيطة، إلى جانب معالجة الاكتئاب أو القلق المرافقين للتعافي، فضلًا عن جلسات علاج فردية أو جماعية.
وأوضح الخطيب أن المركز قادر على التعامل مع الحالات البسيطة والمتوسطة، بينما تحول الحالات المعقدة أو المتقدمة، التي تحتاج إلى إقامة وسحب مكثف ورعاية داخل المشفى، إلى مشفى ابن رشد.
وأشار إلى أن الخدمة لا تقتصر على الجانب الدوائي، إذ يحضر إلى المركز كل يومي الأحد والأربعاء اختصاصيون في المعالجة النفسية والسلوكية لتقديم خدمة متكاملة تشمل الدعم النفسي والإرشاد والمعالجة السلوكية.
تدريب للكادر وتواصل مع الجهات الداعمة
قال الخطيب إن وزارة الصحة، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، نظمت دورات تدريبية للأطباء والكادر التمريضي العاملين في العيادة للتعامل مع حالات الإدمان ومعالجتها، في إطار “رأب الفجوة” في هذا المجال، مضيفًا أن التواصل مع الجهات الداعمة ما يزال مستمرًا في الحالات التي تصعب معالجتها داخل المركز.
وأضاف أن عدد الكادر الحالي كاف لتغطية العمل في هذه المرحلة، في ظل محدودية أعداد المراجعين، لكنه أشار إلى وجود وعود بتعزيز الكادر مستقبلًا إذا ازداد عدد الحالات، مع استمرار الدورات التدريبية وتطوير العمل بعد مرحلة التأسيس، بما قد يفضي لاحقًا إلى زيادة عدد الاختصاصيين العاملين في هذا المجال.
وأوضح أيضًا أن فريق “بوابة التعافي” مستقل عن فريق الدعم النفسي، لكن المركز وفر التسهيلات لوجوده ضمن المستوصف نفسه بهدف تقديم خدمة متكاملة، مشيرًا إلى أن الجهة التي تقدم خدمات الدعم النفسي والسلوكي والإرشاد النفسي هي “منظمة دولية تعمل في هذا المجال”.
السرية لتخفيف الوصمة وتشجيع المراجعة
شدد الخطيب على أن أحد أكثر التحديات حساسية يرتبط بالنظرة المجتمعية إلى الإدمان، لا سيما في بيئة محافظة قد يخشى فيها الشخص أن ينظر إليه نظرة دونية إذا قصد مكانًا معروفًا بعلاج الإدمان.
وقال إن العيادة تجاوزت هذا التحدي عبر وجودها داخل مركز صحي متكامل يضم عيادات داخلية وأطفالًا وإسعافًا وخدمات أخرى، ما يجعل دخول المراجع إلى المكان لا يعرفه بالضرورة أمام الناس بوصفه مريض إدمان.
وأضاف أن المريض عندما يصل إلى المركز تستقبله الممرضة والطبيب، وتؤخذ بياناته “بسرية تامة”، مع منع خروج أي معلومة خارج نطاق العمل، معتبرًا أن هذا الترتيب يوفر خصوصية عملية للمراجعين ويخفف الحرج الاجتماعي الذي قد يمنعهم من طلب العلاج.
وقال إن العيادة تستهدف جميع الفئات العمرية، مع تركيز خاص على الشباب واليافعين، باعتبارهم الأكثر عرضة للخطر، لكنه أشار إلى أن أعداد المراجعين ما تزال محدودة، موضحًا أن متوسط المراجعة اليومي يقارب مريضًا واحدًا، مع تنوع في الحالات.
وبحسب إفادته، فإن بعض الحالات تصل بطلب من المريض نفسه أو من أهله بعد شعورهم بالتعب من استمرار المشكلة، وتشمل متعاطي الكبتاغون والكحول وبعض الحبوب المخدرة.
وأضاف أن جزءًا من هذه الحالات خضع سابقًا لعلاج أو إقامة في المشافي، بينما خصص المركز أساسًا للحالات البسيطة والمتوسطة، وهي، وفق وصفه، أقل عددًا من الحالات الشديدة والمتقدمة، في ظل بقاء الموضوع جديدًا نسبيًا على المجتمع.
وأضاف أن اكتشاف الحالات البسيطة والمتوسطة لا يقع على عاتق الكادر الطبي وحده، بل على المجتمع كله، معتبرًا أن بداية العلاج تكون بالتشخيص والتدخل المبكر، لا بالدواء فقط، لأن المريض في كثير من الأحيان لم يصل إلى التعاطي أو الإدمان إلا بعد مروره بظروف اجتماعية وحياتية صعبة.
ورأى أن المطلوب هو الوقوف إلى جانب المريض من خلال التدخل الطبي والمجتمعي والتوجيه والإرشاد النفسي في البدايات، قبل أن تتطور الحالة وتصبح أكثر تعقيدًا.
ولفت إلى أن أغلب الحالات التي تصل إلى العيادة هي من فئة الشباب واليافعين، وبينها حالات مشخصة سابقًا وخاضعة لجلسات علاجية وسحب سموم في مشاف، بينما تبقى الحالات الجديدة المكتشفة في إطار السموم البسيطة والمتوسطة محدودة مقارنة بالحالات المتقدمة.
وقال الخطيب إن مركز داريا وعيادة “بوابة التعافي” هما الأولى من نوعهما على مستوى المنطقة في هذا المجال، مع وجود خطة للتوسع وزيادة عدد عيادات “بوابات التعافي” مستقبلًا.
الحرب والضغوط الاجتماعية ترفع عوامل الخطورة
من جهتها، قالت حنين خضور، المسؤولة الوطنية عن الصحة النفسية في مشروع الحلول المستدامة، والعاملة في المجال الإنساني في منطقة داريا والباحثة في مرحلة الدكتوراه في الصحة النفسية، إن وجود عيادة تعاف في مدينة مثل داريا لا يخدم سكان المدينة فقط، بل يشمل أيضًا المعضمية والجديدة ودروشا ومناطق أخرى في ريف دمشق.
وأضافت أن عوامل الخطورة ترتفع في المناطق التي تأثرت خلال سنوات الحرب، بسبب الضغوط النفسية العالية، والبطالة، ونقص الفرص، وتغير الهياكل الاجتماعية، معتبرة أن هذه الظروف قد تزيد احتمالية اللجوء إلى المواد المخدرة بوصفها وسيلة للهروب.
وربطت خضور بين ما شهدته سوريا عمومًا من حرب قاسية وبين تزايد الهشاشة النفسية، مشيرة إلى أن الصدمات والاكتئاب والقلق وفقدان الأهل والمنازل وفرص العمل كلها عوامل قد تدفع بعض الأشخاص نحو التعاطي، إلى جانب توفر مواد وصفتها بأنها رخيصة نسبيًا وسهلة الوصول، مثل “الكريستال”.
وأضافت أن مناطق مثل داريا، التي عاشت سنوات من الحصار في عهد النظام السابق، تحمل إرثًا من الضغط النفسي، إلى جانب وجود فجوة في مهارات التكيف بسبب التحولات الاجتماعية وتبدل البيئات المحيطة، ما يفتح الباب أمام سلوكيات هروبية من بينها التعاطي.
الإدمان حالة صحية لا “انحراف اجتماعي”
رأت خضور أن وجود العيادة داخل مستوصف داريا يمثل “نقطة قوة”، لأنه يكمل التدخلات الطبية الموجودة أصلًا، ويسهم في تقليل الوصمة الاجتماعية المرتبطة بملف الإدمان والصحة النفسية، مؤكدة أن الإدمان يجب أن ينظر إليه بوصفه حالة صحية، لا انحرافًا اجتماعيًا.
وقالت إن الوصمة الاجتماعية تمنع أشخاصًا كثيرين من طلب المساعدة أو حتى الاعتراف بأنهم يتعاطون، بسبب الخوف من نظرة المجتمع أو من الفضيحة، ما يدفع بعض العائلات إلى إخفاء المشكلة بدل البحث عن حل.
وأضافت أن السرية ليست خيارًا في هذا النوع من التدخلات، بل شرطًا أساسيًا لبناء الثقة، وهي من أساسيات المهنة التي تعتمدها الفرق العاملة، معتبرة أن حماية الخصوصية تشجع الناس على الصراحة والصدق في الحديث عن تجربتهم، وتمنع التمييز والوصمة.
ورأت أن العلاج المبكر يصنع فارقًا واضحًا في فرص التعافي، لأنه يمنع تطور الحالة إلى مستويات أشد، ويقلل من ترسخ السلوك الإدماني، ومن المشكلات الصحية والنفسية والقانونية المترتبة على التأخر في العلاج.
رسالة إلى العائلات وخطة للتوسع
وجهت خضور رسالة إلى عائلات الأشخاص الذين يعانون من الإدمان، قائلة إن الإدمان “مرض يمكن علاجه”، وليس عيبًا أو فشلًا أخلاقيًا، مضيفة أن الشخص في كثير من الأحيان مر بلحظة ضعف وكان يحتاج إلى دعم ومساعدة ولم يجدها.
وقالت إن ابن الأسرة الذي يعاني من الإدمان “بحاجة إلى الدعم لا إلى العقاب”، معتبرة أن البيئة الأسرية الداعمة تشكل أساسًا في التعافي من الإدمان ومن مختلف الاضطرابات النفسية.
وبحسب إفادتها، هناك توجه في سوريا لتفعيل عيادات الإدمان، وتعد داريا من المواقع التي بدأت فيها هذه التجربة في ريف دمشق، مع وجود خطة للتوسع لاحقًا استجابة إلى حجم الاحتياج.

