لم تعد الأبنية المدمرة في داريا مجرد أثر بصري للحرب، بل تحولت لدى بعض الأهالي إلى ملاذ اضطراري للهروب من كلفة الإيجار وارتفاع نفقات الترميم، في وقت ما تزال فيه مساحات واسعة من المدينة تحمل آثار القصف والدمار، ولا سيما في منطقة الجمعيات.
وتشير شهادات جمعتها عنب بلدي إلى أن كثيرين عادوا إلى بيوت أو أبنية متضررة، واكتفوا بترميم غرف محدودة أو إغلاق النوافذ بوسائل مؤقتة، بسبب عدم قدرتهم على استئجار منزل أو استكمال الترميم الكامل.
دمار واسع في الجمعيات
يوصف حجم الدمار في داريا، وفق شهادات الأهالي، بأنه من الأوسع مقارنة بمناطق أخرى، مع تركز واضح في منطقة الجمعيات.
وقال أحد السكان إن “نسبة الدمار لا توصف”، مضيفًا أن الدمار يبدو جليًا بمجرد الاقتراب من الجمعيات، بينما رأى آخر أن حجم الدمار في داريا، ولا سيما في هذه المنطقة، يفوق ما شاهده في مناطق أخرى.
وفي تقدير آخر، قال أحد الأهالي إن ما بين 30 و40% من داريا مدمر بشكل كامل، في وصف يعكس حجم الأضرار التي خلفتها العمليات العسكرية أثناء الثورة في النسيج العمراني للمدينة.
العودة إلى غرف صالحة فقط
لا تعني العودة إلى الأبنية المتضررة أن أصحابها رمموها بالكامل، بل إن بعضهم عاد إلى جزء محدود منها فقط.
وقال أحد السكان إن بعض العائلات تستفيد من غرفة واحدة فقط إذا كانت ما تزال صالحة للسكن، فيما تبقى بقية الغرف مكشوفة أو غير قابلة للاستخدام.
وأضاف آخر أن بعض الناس يكتفون بوضع “شوادر” أو أغطية على النوافذ والفتحات المكشوفة “حتى يستروا حالهم وولادهم”، لعدم قدرتهم على الترميم أو الاستئجار.
وفي رصد أجرته عنب بلدي، ظهرت أبنية مدمرة يسكن الناس في بعض طوابقها أو غرفها، بينما بقيت معظم الشقق فيها خالية.
ولفت أحد المتحدثين إلى وجود شخص يرمم غرفة واحدة فقط في الطابق السادس من بناء مدمر، تمهيدًا للسكن فيها.
الإيجار يدفع الناس إلى السكن بين الأنقاض
يربط السكان بين العودة إلى الأبنية المتضررة وارتفاع الإيجارات في المدينة.
وقال أحدهم إن كثيرين “مضطرون” إلى السكن في بيوت أو أبنية مدمرة، لأنهم يريدون الهروب من الإيجار والوضع المادي.
وأضاف أن إيجار البيت اليوم قد يصل إلى مليون ونصف أو مليوني ليرة أو ثلاثة ملايين، ما يدفع بعض الأهالي إلى السكن “وين ما كان”.
وتنسجم هذه الشهادات مع ما رصدته عنب بلدي سابقًا عن ارتفاع إيجارات البيوت في داريا، في ظل قلة المنازل الجاهزة للسكن وارتفاع الطلب عليها، وهو ما يجعل العودة إلى بناء مدمر، رغم مخاطره، خيارًا أقل كلفة من استئجار منزل.
تحسن محدود في الحركة
رغم هذا الواقع، تشير الشهادات إلى أن المدينة شهدت في الفترة الأخيرة عودة تدريجية لبعض السكان، وانعكس ذلك على حركة الشوارع، ولا سيما في المناطق التي بدأت فيها عمليات ترميم جزئي.
وقال أحد السكان إنه حين عاد أول مرة إلى هذه المنطقة في داريا لم يكن يرى أحدًا في الشارع حتى في ساعات المساء، بينما باتت الحركة اليوم أوضح ليلًا ونهارًا.
وأضاف أن الناس بدأت تمشي وتتحرك في أوقات متأخرة، في دلالة على عودة جزء من الحياة إلى المكان.
لكن هذا التحسن، بحسب الشهادة نفسها، تراجع خلال الشهر الأخير مع ارتفاع أسعار مواد البناء، ولا سيما الحديد والإسمنت، ما أبطأ وتيرة الترميم ودفع بعض الناس إلى التريث.
كلفة الترميم تبقي الأزمة مفتوحة
لا يواجه الأهالي مشكلة الدمار وحدها، بل أيضًا كلفة إعادة التأهيل.
وقال أحد السكان إن كثيرًا من الناس لا يستطيعون تأمين بيت جاهز للسكن، كما لا يملكون القدرة على إنفاق مبالغ كبيرة على الترميم.
وأشار آخر إلى أن بعض الأبنية قد يكون قابلًا للترميم، فيما توجد أبنية أخرى “ما بتتعمر”.
وفي شهادة عن منزل عائلته، قال ساكن آخر إن البناء “غير قابل للسكن” في وضعه الحالي ويحتاج إلى ترميم، مضيفًا أن العائلة حاولت البحث عن طريقة للعمل عليه، لكن الأمر بقي معلقًا.
سكن اضطراري لا خيار مستقر
تشير شهادات السكان الذين التقتهم عنب بلدي إلى أن السكن في الأبنية المدمرة في داريا ليس خيارًا طبيعيًا أو مستقرًا، بل حلًا اضطراريًا فرضه الجمع بين الدمار وارتفاع الإيجارات وكلفة الترميم.
ففي مدينة ما تزال تحمل آثار الحرب في أبنيتها وشوارعها، يجد بعض الأهالي أنفسهم أمام خيارين، إما استئجار بيت بكلفة تفوق قدرتهم، أو العودة إلى بناء متضرر ومحاولة الاحتماء بغرفة واحدة داخله.
