قبل أن يصل الشاب في داريا إلى قرار الزواج، يبدأ غالبًا بحسابات طويلة.
كم ليرة ذهبية للمهر؟ كم أحتاج للخطبة؟ أين سأسكن؟ وكم سيكلفني البيت والأثاث والعرس؟
هذه الأسئلة، بحسب شباب ورجال تحدثوا إلى عنب بلدي، لم تعد تفاصيل لاحقة لقرار الزواج، بل أصبحت جزءًا من القرار نفسه.
فالرغبة بالارتباط تصطدم بكلفة الذهب، وارتفاع الإيجارات، وضعف الدخل، وتكاليف اجتماعية تبدأ من زيارة الخطبة ولا تنتهي عند تجهيز المنزل.
الذهب قبل كل شيء
نضال الحمصي يرى أن أبرز ما يواجه الشاب المقبل على الزواج هو أسعار البيوت أو إيجاراتها، والذهب، وارتفاع الأسعار عمومًا.
وقال لعنب بلدي إن الشاب يمر بمراحل عديدة قبل الزواج، تبدأ بتأمين الذهب و”ملبوس البدن”، ثم تجهيز المنزل وتأثيثه، معتبرًا أن المشكلة لم تعد في المصروف اليومي فقط، بل في تأمين أساسيات الزواج.
وأضاف أن الغلاء طال كل شيء، ما جعل خطوة الخطبة والزواج صعبة جدًا بالنسبة لأي شاب في الظروف الحالية.
خالد صريم يضع الذهب والمهر في مقدمة العوائق أيضًا، مشيرًا إلى أن كثيرًا من العائلات باتت تربط المهر بالذهب، ما يجعل الشاب يفكر طويلًا قبل الإقدام على الخطوة.
وبحسب صريم، يحتاج الشاب اليوم إلى نحو عشرة آلاف دولار إذا أراد أن يبدأ زواجًا “مرتبًا”، موضحًا أن هذا المبلغ يشمل الذهب، وملبوس البدن، وتكاليف العرس، وإيجار المنزل.
ويضيف أن إيجارات المنازل تشكل عبئًا إضافيًا، إذ تتراوح في بعض الحالات بين 200 و300 دولار شهريًا، مقابل منازل صغيرة قد لا تتجاوز غرفة وصالونًا.

شاب في محل لبيع الهدايا في داريا – 2 حزيران 2026 (عنب بلدي)
الخطبة لم تعد بسيطة
لم تعد كلفة الزواج تبدأ من العرس أو تجهيز البيت فقط، بل من الزيارة الأولى إلى أهل العروس، بحسب خالد الحسين.
وأوضح أن أقل باقة ورد قد تكلف نحو 700 ألف ليرة سورية (نحو 50 دولارًا)، بينما يتراوح سعر المحبس بين 700 و800 دولار إذا كان وزنه بين أربعة وخمسة غرامات.
ويعتبر الحسين أن هذه التكاليف لا تزال في بداية الطريق، قبل الدخول في المهر وملبوس البدن وبقية متطلبات الزواج.
السكن والعمل.. شرط لا يمكن تجاوزه
محمد مطر يرى أن السكن والعمل هما الأساس لأي مشروع زواج.
وقال لعنب بلدي إن الشاب يحتاج أولًا إلى مصدر دخل، ثم إلى سكن مناسب، وهما أمران صعبان في الظروف الحالية.
وأضاف أن الاعتماد على بيت مستأجر لا يمنح كثيرًا من الشباب شعورًا بالاستقرار، خصوصًا مع ارتفاع الإيجارات واحتمال أن يطلب صاحب المنزل إخلاء البيت في أي وقت.
وبحسب مطر، تطلب بعض العائلات مهرًا بحدود خمس ليرات ذهبية مقدمًا وخمس ليرات مؤخرًا، إضافة إلى ملبوس بدن قد يصل إلى ألفي دولار، بينما تطلب عائلات أخرى سبع أو ثماني ليرات ذهب.
ورغم أن خمس ليرات ذهبية تعد رقمًا متوسطًا برأيه، فإنها تبقى مرتفعة على كثير من الشباب، في ظل ضعف الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.
الصالات تزيد الفاتورة
حذيفة شريدي يرى أن الزواج أصبح خطوة صعبة جدًا، لأن الحياة عمومًا باتت قاسية، وكثيرًا من الشباب لا يستطيعون تغطية تكاليفها.
وقال لعنب بلدي إن المصاريف تبدأ من الخطبة والذهب والمهر وملبوس البدن، ثم تأتي تكاليف أصبحت أكثر انتشارًا في السنوات الأخيرة، مثل إقامة الخطبة أو كتب الكتاب في صالة.
وأضاف أن حجز الصالات تحول إلى عبء إضافي، إذ قد تتجاوز كلفة الصالة عشرة ملايين ليرة سورية (نحو 740 دولارًا)، معتبرًا أن هذا المبلغ يمكن أن يستخدم في تجهيز المنزل أو شراء احتياجات أكثر أهمية للحياة الزوجية.
ومع ذلك، يشير شريدي إلى أن بعض هذه المظاهر تعد، في نظر المجتمع، من حق الفتاة أو من الواجبات الاجتماعية التي يشعر الشاب بأنه مطالب بها.
وبحسب شريدي، قد تصل المهور في بعض الحالات إلى ثماني ليرات ذهب مقدمًا وثماني ليرات مؤخرًا، وهو رقم مرهق للشباب في ظل ضعف الدخل وصعوبة جمع المال.

شباب في محل لبيع العطور في داريا – 2 حزيران 2026 (عنب بلدي)
دخل لا يواكب المتطلبات
أسامة الشيخ قال لعنب بلدي إن أبرز الصعوبات أمام المقبلين على الزواج هي الذهب، وإيجار المنزل، والمهر، وملبوس البدن.
وأوضح أن إيجارات المنازل لا تقل في بعض المناطق عن مليوني ليرة سورية شهريًا (نحو 150 دولارًا)، وتختلف بحسب الموقع والمساحة، بينما تتراوح المهور في بعض الحالات بين خمس وست وسبع ليرات ذهب، بحسب العائلة.
وأضاف أن كلفة ملبوس البدن قد تصل إلى نحو ألفي دولار، وأن مرحلة الخطبة وحدها قد تحتاج إلى نحو 20 مليون ليرة سورية بشكل مبدئي (نحو 1480 دولارًا)، وقد ترتفع بحسب ما تطلبه العائلة من ذهب أو محابس أو تجهيزات.
ويرى الشيخ أن الفجوة كبيرة بين هذه التكاليف ودخل الشباب، إذ قد لا يتجاوز دخل بعض العاملين 500 ألف ليرة أسبوعيًا (نحو 37 دولارًا)، أو نحو مليون ليرة (نحو 74 دولارًا)، بحسب طبيعة العمل.
الأخلاق لا تلغي الكلفة
براء نصار يرى أن الزواج أصبح صعبًا جدًا، ليس بسبب المال وحده، بل بسبب التغيرات الاجتماعية والثقافية التي أثرت في نظرة الجيل الحالي إلى الارتباط.
وقال لعنب بلدي إن الشاب يحتاج إلى أساس يعتمد عليه، مثل منزل أو مصدر دخل قادر على إعالة أسرة، خصوصًا أن الزواج مسؤولية قد تتوسع لاحقًا مع وجود أطفال.
وأضاف أن الشاب عندما يتقدم لخطبة فتاة يجب أن يكون قادرًا على تأمين مستوى معيشة مقبول، بما لا يقل كثيرًا عن الوضع الذي تعيشه في بيت أهلها، وفق إمكاناته وظروف البلد.
وأشار إلى أن المهور تختلف بين عائلة وأخرى، وقد تبدأ من ثلاث أو أربع ليرات ذهب، مع وجود عائلات لا تركز كثيرًا على الجانب المادي بقدر تركيزها على شخصية الشاب وأخلاقه.
لكن نصار يلفت إلى أن الحرب خلال السنوات الماضية أثرت على قدرة الشباب على امتلاك بيت أو سيارة أو عمل خاص أو رأس مال يبدأون منه، ما جعل الوصول إلى الاستقرار أكثر صعوبة.
من أين يبدأ الشاب؟
بعد كل هذه الحسابات، يصبح السؤال عند كثير من شباب داريا ليس “متى أتزوج؟” بل “من أين أبدأ؟”.
فالخطبة وحدها تحتاج إلى مبلغ كبير، والسكن يحتاج إلى دخل ثابت، والذهب يتغير سعره باستمرار، بينما تبقى المصاريف مفتوحة بعد الزواج أيضًا.
