أقامت حملة «لا تخنقوا الحقيقة»، يوم الخميس 29 كانون الثاني، معرضًا توثيقيًا بعنوان «نتذكر ونقاوم» في ثانوية الذكور بمدينة معضمية الشام، لإحياء ذكرى ضحايا مجزرة الكيماوي التي تعرضت لها المدينة وغوطة دمشق فجر 21 آب 2013.
وضم المعرض صورًا ومواد توثيقية، إلى جانب لوحات فنية أنجزها فنانون سوريون عايشوا الحصار والهجوم الكيميائي، واستلهموا أعمالهم من قصص حقيقية لضحايا قضوا خلال المجزرة، في محاولة لاستعادة الذاكرة الجماعية والتأكيد على أن الجريمة ما زالت دون محاسبة.
وجاء تنظيم المعرض بالتعاون بين الحملة والإدارة المدنية والمكتب الإعلامي في المعضمية، بهدف إحياء ذاكرة الضحايا، والتمسك بالحقيقة، وتجديد المطالبة بالعدالة، عبر عرض مواد توثق واحدة من أفظع الجرائم التي ارتُكبت بحق المدنيين في سوريا.
وشهد المعرض حضور ناجين من المجزرة، وأطباء ومسعفين كانوا شهودًا على الهجوم، إضافة إلى عدد من الأهالي والمهتمين، فيما أشار أحد الأطباء المشاركين إلى أن الحضور كان محدودًا بسبب ضعف الإعلان المسبق عن الفعالية، رغم أهميتها في التعريف بالمجزرة وتداعياتها المستمرة.
وتخلل المعرض جولة تعريفية قدمها منسقو الحملة، شرحوا خلالها خلفية الصور واللوحات، وسياق المجازر الكيميائية التي طالت مناطق عدة في سوريا، وأماكن حدوثها.
«موت صامت بلا دماء»
منسق الحملة، فارس المنجد، قال لعنب بلدي إن هدف الحملة هو مناصرة قضية الكيماوي التي تعرضت لها معضمية الشام عام 2013، والتي لم تحظَ بتغطية إعلامية عادلة في حينها.
وأوضح أن نشاط الحملة بدأ بمعرض متنقل أُطلق خلال أول مؤتمر دولي يعترف بمجزرة الكيماوي في مدينة لاهاي، بمشاركة 11 فنانًا سوريًا عاشوا الحصار والهجوم الكيميائي، وعبروا عن تلك التجربة من خلال لوحات فنية مستوحاة من الواقع، تجسد ما وصفه بـ«الموت الصامت بلا دماء».
ووفقًا لتقارير منظمة “هيومن رايتس ووتش”، فإن الأدلة المتوفرة تشير بقوة إلى مسؤولية القوات النظامية السورية عن هجمات بالأسلحة الكيميائية استهدفت بلدات في ريف دمشق، بينها معضمية الشام، في 21 آب 2013، باستخدام غاز أعصاب على درجة سلاح يُرجح أنه غاز السارين.
وأكدت المنظمة أن نوع الصواريخ ومنصات الإطلاق المستخدمة تُعد من الأنظمة المعروفة والموثقة لدى القوات المسلحة السورية، ما يعزز فرضية الاستهداف المتعمد للمدنيين.
ناجون يوثقون الألم المستمر
من جهتها، قالت روعة حيدر، وهي ناجية من مجزرة زملكا ومساعدة منسق حملة «لا تخنقوا الحقيقة»، إن الهدف الأساسي للحملة هو استكمال مسار العدالة، وتوثيق الجرائم، وربط الناجين بمنظمات معنية بالتوثيق والدعم.
وأوضحت أن الحملة تنفذ أنشطة متعددة، من بينها توزيع وردة الياسمين الصفراء مرفقة بورقة تعريفية عن المجازر الكيميائية، وتنظيم جلسات توعوية حول الكيماوي والإسعاف والإنقاذ، إضافة إلى إقامة معارض متنقلة.
وأضافت أن للحملة حاليًا نقطتي وصول في الغوطة الشرقية وخان شيخون، للوصول إلى شرائح أوسع من المجتمع السوري، لافتة إلى أن «المجرم ما زال طليقًا، والعدالة لم تتحقق بعد».
وأشارت حيدر إلى أن جولات الحملة على المتضررين كشفت عن مشاكل صحية شائعة بين الناجين، مثل ضيق التنفس، والشلل، وسرطان الرئة، والعقم، وضعف الذاكرة، إضافة إلى آثار نفسية كالعزلة والانطواء.
وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أسفرت الهجمات الكيميائية التي نفذها النظام بين كانون الأول 2012 وأيار 2019 عن مقتل 1144 شخصًا اختناقًا، بينهم 99 طفلًا و194 امرأة، إضافة إلى إصابة نحو 5935 شخصًا بأعراض تنفسية وحالات اختناق.
شهادات من قلب المجزرة
المسعف سامر، أحد الناجين من ضربة الكيماوي في معضمية الشام، قال لعنب بلدي إن الهجوم استهدف منطقة قرب جامع الروضة، وإنه فقد الوعي لنحو ثلاث ساعات بعد استنشاقه الغاز أثناء إسعاف المصابين.
وأضاف أن الأعداد الكبيرة من المصابين أجبرت الفرق الطبية على نقل بعضهم إلى داريا، بسبب العجز الكامل للمشافي الميدانية في المعضمية عن الاستيعاب.
من جهته، وصف قاسم بردوي، أحد سكان المعضمية وناجي المجزرة، يوم القصف بأنه «يشبه يوم القيامة»، مشيرًا إلى تكدس الجثث قرب المساجد، وعدم إدراك الأهالي في البداية أن الصواريخ محملة بغاز سام، ما أدى إلى وفاة مسعفين أثناء محاولتهم إنقاذ المصابين.
أطباء: الجريمة لا تنسى
الدكتور عبد اللطيف، طبيب أطفال وأحد المسعفين العاملين في المشفى الميداني بالمعضمية آنذاك، قال إن المعرض يمثل «جهدًا مهمًا لإحياء ذكرى المجزرة وتسليط الضوء على الضحايا»، مؤكدًا أن آثار الهجوم ما زالت حاضرة صحيًا ونفسيًا حتى اليوم.
كما شدد الدكتور علي، أحد الشهود على المجزرة، على أهمية هذه الحملات في تعريف الأجيال الجديدة بما حدث، معتبرًا أن قضية الكيماوي «قضية عامة وليست محلية»، ولا بد من إبقائها حاضرة حتى تتحقق العدالة.
بدوره، قال أحمد سعيد، مدرس رياضيات في المعضمية وأحد الشهود، إن ضربات الكيماوي تمثل «أبشع الجرائم التي ارتُكبت بحق المدنيين»، مؤكدًا أن الجرح ما زال مفتوحًا طالما أن الجناة لم يحاسبوا.
ويرى القائمون على الحملة أن هذه الفعاليات تسعى إلى تحقيق العدالة، وجبر الضرر للناجين وذوي الضحايا، وتأمين الدعم الصحي والنفسي لهم، باعتبار مجزرة الكيماوي واحدة من أخطر انتهاكات القانون الدولي، ومخالفة صريحة لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
