تتزايد شكاوى تأخر الدعاوى في محكمة داريا، مع حديث محامين ومتقاضين عن مواعيد بعيدة وإجراءات تمتد لأشهر، في وقت يعزو فيه محامون هذا التأخر إلى نقص قضاة محكمة البداية المدنية والكوادر الإدارية، إلى جانب ارتفاع عدد القضايا الواردة إلى المحكمة التي تخدم داريا ومناطق مجاورة.
المحامي حسن بلشة، من فرع دمشق في منطقة داريا، قال لعنب بلدي، إن محكمة داريا تواجه ضغطًا كبيرًا بسبب نقص قضاة البداية المدنية، رغم أن نطاق عملها لا يقتصر على المدينة وحدها، بل يشمل مناطق أخرى أيضًا.
وأضاف أن عدد الدعاوى المدنية المسجلة خلال العام الماضي بلغ نحو 10 آلاف دعوى، صدر فيها نحو 7 آلاف قرار فقط، ما يعني بقاء آلاف القضايا قيد المتابعة والترحيل.
ويرى بلشة أن المشكلة لا تتعلق فقط بعدد الدعاوى المتراكمة، بل أيضًا بالضغط الجديد الذي يضاف إلى القضاة الحاليين، مشيرًا إلى أن داريا ما تزال تضم غرفتين فقط في محكمة البداية المدنية، بينما توجد محاكم أخرى بعدد غرف أكبر، مثل ببيلا (ريف دمشق) التي تضم خمس محاكم بدائية، وقطنا (ريف دمشق) التي تضم ثلاثًا.
وأضاف أن مطلب المحامين الأساسي هو استحداث غرفة ثالثة ورابعة في محكمة البداية المدنية في داريا، لتوزيع العمل وتخفيف الضغط عن القضاة، بما ينعكس على سرعة الفصل في القضايا وإنتاجية القرارات.
ملفات داريا لها خصوصية
بحسب بلشة، تختلف أوضاع داريا عن محاكم أخرى بسبب فقدان جزء كبير من سجلات الكاتب بالعدل، إلى جانب أن نسبة واسعة من الملكيات في المدينة تستند إلى وكالات وقرارات حكم، لا إلى قيود طابو مباشرة، ما يجعل التدقيق في صحة الوكالات والإجراءات المرتبطة بها أكثر تعقيدًا ويحتاج إلى وقت أطول.
وقال إن هذه الخصوصية تفرض إجراءات إضافية في تنظيم الوكالات والتحقق منها بهدف حماية حقوق الناس، لكنها في الوقت نفسه تزيد عبء العمل داخل المحكمة.
وأضاف أن نحو 50% من القضايا والملكيات في داريا ترتبط بوكالات تحتاج إلى تدقيق خاص، ما يراكم الملفات يومًا بعد يوم.
ولفت إلى أن القاضي في داريا ينظر سنويًا في نحو 5 آلاف دعوى تقريبًا، مقارنة بمحاكم أخرى في الريف يتولى فيها كل قاضٍ نحو ألف إلى 1200 دعوى فقط، معتبرًا أن هذا الفارق يوضح حجم الضغط الواقع على المحكمة.
وأشار أيضًا إلى أن بعض القضاة يتولون مهام إضافية خارج عملهم الأصلي، بينها التنفيذ المدني والتنفيذ الشرعي، ما يزيد العبء اليومي على المحكمة.
وأضاف أن المشكلة لا ينبغي تحميلها للقضاة وحدهم، بل ترتبط أيضًا بضعف الإمكانات المتاحة وقلة الكادر الإداري والمختصين القادرين على توزيع العمل وتسريع المعاملات.
نقص موظفين وقرطاسية
وإلى جانب نقص القضاة، قال بلشة إن محكمة داريا تعاني أيضًا نقصًا حادًا في الموظفين، موضحًا أن عدد العاملين بالكاد يكفي لتسيير الحد الأدنى من العمل اليومي، في ظل غياب موظفين مختصين بعدد كافٍ لتوزيع المهام أو إنجازها بسرعة أكبر.
كما طالب بتأمين احتياجات أساسية للمحكمة، بينها القرطاسية، مثل دفاتر الجلسات والسجلات والإيصالات المالية، مشيرًا إلى أن بعض المستلزمات تُستخدم بعدد محدود جدًا لتسيير العمل مؤقتًا.
وأضاف أن داريا تحتاج أيضًا إلى مقر للمحامين والمحكمة يليق بحجم المدينة ومكانتها، ويكون قريبًا من وسائل النقل والخدمات العامة، بالتعاون بين بلدية داريا ووزارة العدل.
مطالب بالرقمنة وحفظ الملفات
من جهته، قال المحامي رواد كشكة لعنب بلدي إن من بين المطالب التي يطرحها المحامون تزويد المحكمة بأجهزة كمبيوتر وراوترات لحفظ الدعاوى المفصولة وقرارات الحكم إلكترونيًا، على غرار ما جرى لدى الكاتب بالعدل خلال الأشهر الماضية.
وأضاف أن حفظ الملفات والوكالات إلكترونيًا سيساعد في حماية السجلات من التلف، ويخفف العبء عن المحكمة والمحامين والمتقاضين، خاصة أن الملفات الورقية في المحكمة تبقى عرضة للتلف أو الضياع مع مرور الوقت وكثرة التداول.
مواعيد بعيدة وإجراءات أبطأ
بدورها، قالت المحامية داليا أبو الهوا لعنب بلدي إن الضغط الكبير يظهر بوضوح في مواعيد الدعاوى، موضحة أن عدد القضايا الموجودة حاليًا في محكمة داريا يتراوح بين 5 آلاف و6 آلاف دعوى تقريبًا.
وأضافت أن المحكمة باتت تمنح مواعيد بعيدة جدًا، سواء لمعاملات الإقرار أو للكشوف، إذ قد يمنح موعد الكشف بعد شهر أو شهرين من الإقرار، في وقت لا يتناسب مع حجم الضغط القائم ولا مع احتياجات الناس.
وأشارت إلى أن عدد الكشوف المحدد حاليًا لا يكفي مقارنة بعدد العقارات والدعاوى في داريا، معتبرة أن المدينة تحتاج إلى عدد أكبر بكثير من الكشوف أسبوعيًا لتخفيف التأخير.
وقالت إن التأخر لا ينعكس على المحامين فقط، بل على المتقاضين أيضًا، خصوصًا في الدعاوى الإقرارية التي كانت تسجل سابقًا وتتحرك بسرعة أكبر، بينما باتت اليوم تستغرق نحو ثلاثة أشهر حتى تبدأ بالوصول إلى مراحل متقدمة من الفصل.
وأضافت أن نقص الموظفين يزيد المشكلة تعقيدًا، في ظل تكليف بعض العاملين بأكثر من مهمة داخل المحكمة، ما يبطئ سير العمل الإداري إلى جانب البطء القضائي.
متقاضون ينتظرون منذ أشهر
وفي واحدة من الشكاوى التي رصدتها عنب بلدي، قال أبو جهاد الرفاعي، وهو صاحب دعوى بيع وشراء، إن دعواه ما تزال متوقفة منذ نحو أربعة أشهر، من دون أن يحصل على تفسير واضح لسبب التأخير.
وأضاف أن الإجابات التي يتلقاها تدور غالبًا حول ضغط القضايا ونقص القضاة وكثرة الملفات الواردة من مناطق مختلفة، رغم أن دعواه، بحسب وصفه، ليست معقدة ولا تتطلب كل هذا الوقت.
ويرى محامون أن استمرار التأخير سيؤدي إلى تضخم أكبر في عدد القضايا خلال الفترة المقبلة، ما لم تتخذ إجراءات فعلية لتوسيع المحكمة ورفدها بقضاة وموظفين وتجهيزات إضافية.
وفضل القضاة الذين تواصلت معهم عنب بلدي عدم التعليق على هذه المعطيات، مشيرين إلى أن الحديث في هذا الملف يحتاج إلى إذن من المكتب الإعلامي في وزارة العدل.

