يشكل مستشفى “داريا الوطني” واحدًا من أبرز المرافق الصحية التي ارتبطت بذاكرة مدينة داريا وسكانها، بعدما كان يخدم المدينة وبلدات الغوطة الغربية، قبل أن يخرج من الخدمة خلال سنوات الحرب، ويغدو اليوم مبنى متضررًا تحيط به الأنقاض.
وفي ظل غياب مستشفى بديل داخل المدينة، تتجدد مطالب الأهالي بإعادة تأهيله لتخفيف أعباء التنقل والعلاج خارجها، خاصة في الحالات الإسعافية.
ووفق عدد من سكان المنطقة، كان المستشفى قبل خروجه من الخدمة يضم أقسامًا متعددة شملت الجراحة، والعيون، والأطفال، والعناية المشددة، والنسائية والتوليد، والكلية، إلى جانب الإسعاف، والتصوير الشعاعي، والتحاليل المخبرية، والعيادات الخارجية بمختلف الاختصاصات.
ويأتي ملف مستشفى “داريا الوطني” ضمن واقع صحي يعد من أكثر القطاعات تضررًا في داريا خلال سنوات الحرب، بعد خروج أربعة مستشفيات من الخدمة.
وكان المستشفى، الذي افتتح عام 2008 بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 200 سرير، من أبرز المؤسسات الطبية في المنطقة، إذ صمم لخدمة أكثر من مليون شخص من بلدات الغوطة الغربية.
وبحسب موقع “مدينة داريا”، بلغت تكلفة إنشاء المستشفى وتجهيزه نحو مليار ليرة سورية، وعمل فيه عند افتتاحه عشرات الأطباء والممرضين والفنيين والموظفين، قبل أن يخرج من الخدمة صيف 2016، ويتحول إلى مبنى متضرر ومجرد من معظم مكوناته وتجهيزاته، ما عمق الفجوة الصحية في المدينة حتى اليوم.
حاجة صحية ملحة
منير الناموس، وهو من سكان المنطقة القريبة من المستشفى، قال لعنب بلدي إن المشفى كان في السابق “متكاملًا ويضم اختصاصات متعددة”، مضيفًا أن غيابه اليوم يترك فراغًا كبيرًا في المدينة، خاصة مع غياب بديل قادر على استيعاب الحالات الإسعافية أو تقديم خدمات تخصصية متنوعة.
وأضاف الناموس أن المستشفى كان يستقبل مختلف أنواع المرضى، وأنه سبق أن راجع فيه مع والدته، معتبرًا أن ذلك يعكس مكانته السابقة كمرفق صحي أساسي لسكان المدينة ومحيطها.
وأكد أن عدم وجود مستشفى بديل في داريا يضطر الأهالي في الحالات الإسعافية إلى التوجه نحو دمشق، أو الاكتفاء بالمراكز الطبية والإسعافية للحالات البسيطة، معتبرًا أن تسريع إعادة تأهيل المستشفى بات ضرورة “لمساعدة الناس بالدرجة الأولى، وتخديم سكان المنطقة وما حولها”.
ومن جهته، قال مازن القن، من سكان المنطقة قرب جامع السمح، إن بعض الأعمال اقتصرت خلال الفترة الماضية على تنظيف أجزاء خارجية من المستشفى وإزالة قسم من الركام، “لكن المبنى ما زال متروكًا ولا يعمل”.
وأضاف أن المستشفى كان في الماضي يخدم الناس ويختصر عليهم الوقت والمسافة، فضلًا عن كونه يضم مختلف الاختصاصات في مكان واحد، بينما يضطر المرضى اليوم إلى مراجعة المستوصف للعلاج، رغم الضغط الكبير الواقع على الكوادر الطبية العاملة فيه، أو التوجه إلى دمشق عند الضرورة.
واعتبر أن المستشفى “أوسع وأشمل من المراكز والمستوصفات الطبية”، لافتًا إلى أن قرب الخدمة الصحية من الناس يخفف المخاطر، خاصة أن التأخر في الوصول إلى العلاج قد يكون حاسمًا في بعض الحالات الإسعافية.
وقال محمد الساعاتي، هو من سكان داريا، إن أعمال تنظيف طالت جزءًا من المستشفى قبل نحو ثلاثة أشهر، مع إزالة بعض الردم والأنقاض، إلا أن محيط مدرسة التمريض المجاورة ما زال يثير مخاوف لدى السكان، بسبب احتمال وجود مخلفات حرب أو أجسام خطرة، ما يجعل الاقتراب من بعض الأجزاء غير آمن.
وبرأي الساعاتي فإن مدينة بحجم داريا تحتاج إلى مستشفى فعال، لا سيما أن المرافق الصحية الحالية لا تكفي لتغطية الاحتياجات المتزايدة للسكان، مشيرًا إلى أن المستشفى كان من أبرز المراكز الطبية في المنطقة، وأن زوجته سبق أن وضعت مولودها فيه، في إشارة إلى حضوره السابق في حياة كثير من العائلات. ورأى أن إعادة تأهيله ضرورة خدمية أساسية، معربًا عن أمله في استكمال العمل فيه خلال الفترة المقبلة.
بدورها، قالت سلوى فارة، المقيمة بالقرب من المستشفى، إن أعمال تنظيف نفذت في جزء من المستشفى، لكن العمل لم يستكمل حتى الآن، مضيفة أن بعض الأجزاء ما زالت غير آمنة بسبب احتمال وجود مخلفات حرب، وهو ما يمنع الأهالي من الاقتراب منها، ولا سيما في محيط مدرسة التمريض.
وأضافت فارة أن المستشفى كان “مريحًا جدًا للناس”، من حيث الخدمات والنظافة ومجانية العلاج، وظل لسنوات مقصدًا للمرضى من داخل المدينة وخارجها.
ورغم إشارتها إلى تحسن بعض الجوانب الخدمية في المدينة مقارنة بسنوات سابقة، رأت أن ملف المستشفى ما زال من أكثر الملفات إلحاحًا، لارتباطه المباشر بحياة الناس وصحتهم، معتبرة أن المشكلة لا تكمن في بدء بعض الأعمال فحسب، بل في استكمالها حتى تعود الخدمة فعلًا.


مرفق غائب وحاجة متجددة
يعيد هذا الواقع طرح الحاجة إلى إعادة تأهيل مستشفى “داريا الوطني” بوصفه مرفقًا صحيًا أساسيًا لمدينة داريا ومحيطها، في ظل اعتماد السكان على مراكز محدودة لا تكفي لتغطية الاحتياجات الطبية المتزايدة، خاصة في الحالات الإسعافية والاختصاصية، بعد سنوات من خروجه عن الخدمة.
وتلتقي شهادات الأهالي مع ما سبق أن رصدته عنب بلدي في تقرير سابق عن واقع مستشفى “داريا الوطني”، الذي ما يزال خارج الخدمة وسط دمار واسع أصاب مبناه وتجهيزاته، وحوله من مرفق صحي رئيسي إلى فراغ خدمي واضح في مدينة تتزايد حاجتها إلى الخدمات الأساسية.
فالمستشفى الذي اختصر يومًا على المرضى مشقة الانتقال إلى دمشق، ووفر لداريا ومحيطها خدمات طبية متعددة في مكان واحد، لم يعد اليوم أكثر من مبنى متضرر تستعاد حوله الذكريات وتتجدد حوله المطالب.
ومع عودة قسم من السكان إلى المدينة، وازدياد الضغط على النقاط والمراكز الطبية المحدودة، تتقدم الحاجة إلى المستشفى بوصفها مسألة تتصل بالحياة اليومية للأهالي، لا بمجرد استعادة مبنى عام. فغياب مرفق قادر على استقبال الحالات الإسعافية، أو تقديم خدمات تخصصية أوسع، يفرض على كثيرين خيارات أصعب وأكثر كلفة وتأخيرًا، ويجعل الوصول إلى العلاج مرهونًا بالخروج من المدينة في كثير من الأحيان.
لهذا، لا يظهر ملف مستشفى “داريا الوطني” في نظر السكان كأحد مطالب تحسين الخدمات فقط، بل كواحد من أكثر الملفات إلحاحًا في المدينة، بالنظر إلى ما يمثله من حاجة صحية مباشرة لداريا وبلدات محيطها.
وبين ما كان عليه المستشفى سابقًا، وما آل إليه اليوم، تتواصل المطالبة بأن يعود هذا المرفق إلى الخدمة، بوصفه جزءًا أساسيًا من أي تعافٍ فعلي يمكن أن تستعيده المدينة في قطاعها الصحي.
