عاد الحاج محمد (81 عامًا) إلى مدينة داريا عام 2020، بعد سنوات من النزوح، ليجد منزله مدمرًا بالكامل، فاضطر، برفقة أفراد عائلته، إلى استئجار منزل في حي العباس، على أمل أن تكون العودة بداية استقرار بعد سنوات الغياب، إلا أن غياب الكهرباء حول هذه العودة إلى عبء يومي متواصل.
يقول الحاج محمد لعنب بلدي إنه لم يشهد وصول التيار الكهربائي إلى الحي منذ نحو ثلاثة أشهر، موضحًا أن الانقطاع المستمر لا يقتصر على غياب الإنارة، بل يطال تفاصيل الحياة اليومية كافة، من تشغيل الأجهزة الأساسية إلى حفظ الطعام والتدفئة، في ظل اعتماد كثير من العائلات العائدة على إمكانيات محدودة.
أزمة الكهرباء في داريا ليست وليدة اليوم. فخلال سنوات الحرب بين عامي 2012 و2016، تعرضت البنية التحتية الكهربائية في المدينة لأضرار واسعة نتيجة القصف، شملت محطات التحويل والأعمدة والكابلات داخل الأحياء السكنية ومحيطها، ما أدى إلى خروج أجزاء كبيرة من الشبكة عن الخدمة، بعضها دُمر بالكامل، فيما بقيت أجزاء أخرى خارج التأهيل.
ومع عودة تدريجية للأهالي خلال السنوات الأخيرة، أُعيد تشغيل بعض الخطوط بشكل جزئي، إلا أن واقع التغذية بقي متفاوتًا بين حي وآخر، في حين ما تزال أحياء كاملة وسط المدينة، مثل حي العباس وأجزاء من ساحة شريدي وشارع الوحدة، تعاني من انقطاع شبه كامل للكهرباء.
حي العباس.. انقطاع مستمر وحلول مؤقتة
يؤكد زهير بدر، صاحب محل حدادة قرب جامع العباس، لعنب بلدي أن الكهرباء مقطوعة عن الحي منذ نحو شهر، ما دفعه إلى الاعتماد الكامل على اشتراكات الأمبيرات لتسيير عمله.
ويشير إلى أن المنطقة تفتقر إلى أعمدة وكابلات كافية، معتبرًا أن مطلب الأهالي لا يتجاوز “تأمين تغذية مستقرة أسوة ببقية الأحياء”.
ويقول محمد معضماني، من سكان الحي نفسه، إن التيار كان يصل سابقًا بقدرة ضعيفة لا تسمح بالاستفادة منه، قبل أن ينقطع بشكل كامل منذ نحو شهرين.
ويوضح أن جزءًا من خط الحي مرتبط بمحولة ساحة شريدي المتضررة، مشيرًا إلى التواصل مع مكتب الطوارئ، حيث أُبلغوا بإصلاح الخط دون أن تعود التغذية حتى الآن.
بدوره، يلفت رياض، وهو من سكان الحي أيضًا، إلى أن الأعطال المتكررة وصِغر حجم المحولة مقارنة بعدد السكان يشكلان سببًا رئيسيًا لاستمرار الانقطاع، مشيرًا إلى تقديم شكاوى لجهات معنية خارج المدينة دون نتيجة، ومطالبًا بتأمين كهرباء مماثلة لما يصل إلى أحياء أخرى في داريا.
تفاوت الخدمات بين الأحياء
ولا يقتصر هذا الواقع على حي العباس. يقول محمود، صاحب منزل في ساحة شريدي، إن عائلته عادت إلى داريا منذ عام، لكنها لم تحصل على كهرباء مستقرة منذ ذلك الحين.
ويضيف أنه لا توجد أعمدة كهرباء في الحي، مشيرًا إلى مراجعته البلدية التي أبلغته بعدم توفر الإمكانيات، إضافة إلى نقص اشتراكات الأمبيرات، ما اضطره إلى شراء منظومة طاقة شمسية خاصة بكلفة مرتفعة.
وفي نهاية شارع الوحدة، توضح فاطمة أن العائلة تعتمد بشكل كامل على الطاقة الشمسية، لكنها لا تلبي الاحتياجات اليومية، خاصة خلال فصل الشتاء.
أما غدير، القادمة حديثًا من محافظة السويداء، فتقول إنها تفاجأت بانعدام الكهرباء شبه الكامل بعد انتقالها للسكن في الحي، معتبرة أن واقع الخدمات لا يواكب عودة الأهالي إلى المدينة.
تفسير رسمي وخطط تخفيف الضغط
في المقابل، يشرح واصف الخطيب، رئيس مكتب الطوارئ في داريا، لعنب بلدي أن نحو 90% من المحولات والأعمدة والخطوط الكهربائية في المدينة مدمرة.
ويشير إلى أن عدد المحولات كان يبلغ نحو 280 محولة قبل الحرب، في حين لا يعمل حاليًا سوى نحو 30 محولة فقط.
ويضيف أن الأعطال المتكررة لا تعود فقط إلى نقص المحولات، بل أيضًا إلى عدم التزام بعض الأهالي بالقواطع النظامية، إذ يستخدم بعض السكان قواطع بقدرة 16 أمبير بدل 10 أمبير، ما يؤدي إلى احتراق الكابلات وانقطاع التيار لفترات طويلة.
ولفت إلى تعميم صدر بضرورة استبدال القواطع غير المطابقة، نظرًا لعدم قدرة الشبكة الحالية على تحمل الضغط.
وبحسب الخطيب، يجري العمل حاليًا على تركيب محولة جديدة قرب جامع البشير، وتمديد كابلات ومحولة إضافية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، إضافة إلى تركيب محولة عند مركز فياض الحو، بهدف تخفيف الضغط على الشبكة، مؤكدًا أن التحسن يتم بشكل تدريجي في ظل محدودية الإمكانيات.
عدادات مفقودة وبدائل مرتفعة الكلفة
ومع عودة أعداد متزايدة من الأهالي، برزت مشكلات إضافية تتعلق بعدادات الكهرباء، إذ يواجه بعض العائدين صعوبات بسبب عدادات مفقودة أو مسروقة، وذمم مالية متراكمة تعود إلى سنوات النزوح، في ظل غياب وثائق تثبت السداد في بعض الحالات، ما يعقد إجراءات إعادة الاشتراك النظامي.
وتعد داريا من أكثر مدن ريف دمشق تضررًا على صعيد الشبكة الكهربائية، إذ تعتمد مساحات واسعة منها على تمديدات مؤقتة أنجزت بعد الدمار، دون استكمال عمليات تأهيل شاملة.
وأدى ذلك إلى تفاوت واضح في التغذية بين الأحياء، وصل في بعضها إلى انقطاع شبه تام لأشهر متواصلة، أو وصول التيار لفترات قصيرة ومتقطعة بجهد ضعيف، يتسبب بأعطال للأجهزة المنزلية ويدفع الأهالي إلى الاعتماد على بدائل مرتفعة الكلفة.
