أعاد قرار منع الضرب في المدارس، والجدل المستمر حول تطبيقه، فتح نقاش تربوي بين أهالي داريا ومعلميها، بين من يرى أن العقوبة الجسدية مرفوضة تحت أي ظرف، ومن يعتبر أن المشكلة لا تتصل بالضرب وحده، بل بتراجع دور الأسرة، وتبدل سلوك بعض الطلاب، وغياب أدوات تربوية فعالة داخل بعض المدارس.
ولا ينحصر الجدل في الموقف من الضرب بحد ذاته، بقدر ما يكشف قلقًا أوسع من واقع تربوي مضطرب، تتداخل فيه عوامل عدة، منها ضعف المتابعة الأسرية، وتأثير الهواتف المحمولة، وتغير البيئات الاجتماعية التي جاء منها بعض الطلاب، إلى جانب شكاوى من تراجع مستوى بعض المدارس ونقص الكوادر التعليمية.
رفض واسع ودعوات إلى بدائل تربوية
أبدى عدد من الأهالي والمعلمات في داريا، التقت بهم عنب بلدي، رفضًا واضحًا للضرب داخل المدارس، معتبرين أنه لا يعالج المشكلات السلوكية، بل قد يترك أثرًا نفسيًا وجسديًا على الطالب، ويولد مزيدًا من العنف.
وقالت بيان الشعبي، وهي والدة أطفال في مدارس ابتدائية، إنها ترفض الضرب بشكل كامل، لأنه قد يؤذي الطفل بشدة، مضيفة أن هناك بدائل أخرى حتى في الحالات التي يرهق فيها الطلاب المعلمين، تبدأ باستدعاء ولي الأمر ومناقشة المشكلة معه بدل اللجوء إلى العقوبة الجسدية.
هذا الموقف كرره ولي الأمر رياض كعدان، الذي اعتبر أن ضرب الطالب “خطأ كبير ومرفوض تمامًا”، وأن وظيفة المدرس الأساسية هي التعليم لا العقاب البدني، مشيرًا إلى أن التعامل مع الطالب المسيء يجب أن يتم عبر استدعاء ولي أمره، وإنذاره، وترك المتابعة للأسرة.
وفي الاتجاه نفسه، شددت آلاء عوض، وهي أم لأطفال في مدارس داريا، على ضرورة منع جميع أشكال الضرب، معتبرة أن الضرب يزيد الضغط على الطالب، وقد يدفعه إلى العنف داخل المدرسة أو المنزل. ورأت أن أساليب المرح واللعب والترغيب أكثر فاعلية في علاج المشكلات السلوكية، مضيفة أن الطلاب يستجيبون أكثر عندما يعاملون بطريقة تربوية مناسبة.
كما أشارت معلمات من مدارس في داريا إلى أن الضرب ممنوع أصلًا، وأن الأنظمة المعمول بها تفرض بدائل واضحة، مثل الحوار والتنبيه الخطي، وقد تصل في بعض الحالات إلى الفصل، لكن من دون أي اعتداء جسدي.
ولخصت إحدى المدرسات في الثانوية الشرعية بداريا موقفها بالقول إن “الضرب ليس للبشر”، مؤكدة أن المشكلات يجب أن تعالج بأساليب تربوية لا بعقوبة بدنية.
وترى آيات جمال، وهي مدرسة رياض أطفال منذ 13 عامًا، أن الضرب لا يجلب نتيجة، لأن الطفل قد يتعرض له من دون أن يفهم أصلًا سبب العقوبة.
وأضافت أن شخصية المعلمة وأسلوبها وطريقتها في إيصال الرسالة قد تحقق أثرًا أكبر من الضرب، معتبرة أن جزءًا من المشكلة يبدأ من البيت، وأن الأهالي أنفسهم بحاجة إلى تأهيل قبل الحديث عن تأهيل الأطفال.
بين رفض الضرب والدعوة إلى الحزم
في مقابل هذا الرفض، برزت آراء لا تدافع صراحة عن الضرب، بقدر ما تعترض على ما تصفه بـ”الرخاوة” في التعامل مع الطلاب، وترى أن الحزم تراجع داخل المدرسة والمنزل معًا.
وقالت نبال شحادة، وهي معلمة لصفوف رياض الأطفال والأول والثاني، إنها ضد الضرب، لكنها لفتت إلى أن الجيل الحالي “مشاغب جدًا” نتيجة البيئات المختلفة التي خرج منها بعض الطلاب، وأن بعض الأطفال باتوا يستخدمون ألفاظًا وسلوكيات لا تناسب أعمارهم.
وربطت ذلك بضعف رقابة الأسرة، وخصوصًا مع انتشار الهواتف المحمولة بين الأطفال، معتبرة أن الحل لا يكون بالترهيب، بل بتنسيق حقيقي بين الأهل والمدرسة، مع قدر من الشدة والتأديب المنضبط.
ومن زاوية مشابهة، قالت هنا النجار، وهي من سكان داريا، إن الضرب كان حاضرًا في السابق، لكن الطالب اليوم بات يمتلك مساحة أكبر من الاعتراض داخل المدرسة.
وأكدت أنها ضد الضرب، لكنها تؤيد الشدة والحزم، معتبرة أن جزءًا من المشكلة قد يكون ناتجًا أيضًا عن تساهل بعض المعلمين، إلى جانب ضرورة أن يشد الأهل على أبنائهم أكثر.
واستحضرت النجار المقارنة بين الماضي والحاضر، معتبرة أن الرأي اليوم صار للطالب أكثر مما هو للمعلم، لكنها مع ذلك لا تريد العودة إلى الضرب، بل إلى الحزم، وترى أن المشكلة لا تختزل في الطالب وحده أو في المعلم وحده، بل في طريقة ضبط العلاقة بين المدرسة والأسرة.
أصوات تؤيد “التأديب”
في المقابل، لم يخف بعض الأهالي تأييدهم لفكرة التأديب الجسدي، أو على الأقل تفهمهم لها، انطلاقًا من اعتقادهم بأن الأسرة لم تعد تضبط أبناءها كما في السابق.
وقال إسماعيل المصري، من سكان داريا، إنه يفضل الضرب، لأن الأهل، بحسب رأيه، “لم يعودوا يعرفون كيف يربون أبناءهم في المنزل”، مضيفًا أن الأستاذ “أصبح يربي الطلاب”، وأن جيل اليوم يفتقد الاحترام الذي كان موجودًا في السابق، حين كانت الأسرة تسلم المدرسة جزءًا كبيرًا من مسؤولية التربية.
واستعاد فداء صالح، وهو ممرض في مركز طبي، صورة “الجيل القديم”، وقال إن الأستاذ في السابق كان يقوم مقام الأب أو الأم داخل المدرسة، وكان الضرب بالنسبة إليه وسيلة تأديب وتهذيب، معتبرًا أن تلك المرحلة “علمتنا ونفعتنا” ورسخت قيمة المعلم في نفوس الطلاب.
لكنه في الوقت نفسه ربط واقع الجيل الحالي بجملة عوامل، منها الظروف التي مرت بها البلاد، ونقص الكادر التدريسي، وتراجع وجود القدوة، إضافة إلى غياب الشدة من قبل الأهل.
وبرأيه، فإن قرارات منع الضرب تحمل جوانب إيجابية، لكنها قد تترك أيضًا أثرًا سلبيًا إذا لم تستكمل بأساليب بديلة تحفظ هيبة المعلم وتضبط سلوك الطالب.
الخلاف يكشف أزمة تربوية أوسع
تظهر شهادات الأهالي والمعلمين في داريا أن الخلاف لا يدور فقط حول قبول الضرب أو رفضه، بل حول أزمة تربوية أوسع تتعلق بمن يتحمل مسؤولية تقويم الطالب، وكيف يمكن ضبط الصف في ظل تغيرات اجتماعية وسلوكية متسارعة.
وذهب أحد هذه الآراء أبعد من ذلك، حين اشتكى رياض كعدان من تدني المستوى التعليمي في مدرسة فياض الحو بداريا، معتبرًا أن المشكلة لا تتعلق بالضرب فقط، بل أيضًا بضعف الكفاءة التعليمية وغياب المعلمين المؤهلين، وهو ما يعكس أن الحديث عن الانضباط لا يمكن فصله عن جودة العملية التعليمية نفسها.
وكانت وزارة التربية والتعليم أصدرت قرارًا يمنع جميع أنواع الضرب، بما في ذلك أشكال الاعتداء الجسدي أو اللفظي على التلاميذ، بأي مبرر، وذلك بعد يومين من تداول مقطع مصور ظهرت فيه مديرة مدرسة وهي تضرب عددًا من التلاميذ خلال الاجتماع الصباحي.
وأكدت الوزارة، وفق قرار صادر في 9 تشرين الأول 2025، حرصها على صون قدسية مهنة التعليم، وترسيخ القيم التربوية القائمة على الاحترام المتبادل بين المعلم والطالب، داعية إلى استخدام وسائل تربوية تهدف إلى تقويم السلوك وتعزيز الانضباط بروح تربوية بعيدة عن الأذى.
كما شددت على حماية المعلمين من أي مساءلة غير منصفة، وتقدير جهودهم في أداء رسالتهم، وكلفت مديري التربية في المحافظات بمتابعة تنفيذ التعميم وإبلاغ الوزارة بأي مخالفة.
