في نهاية “درب تالت” بأرض المرجات في داريا، تمتد قطعة أرض لا تتجاوز مساحتها دونمًا واحدًا، لكنها تحمل قصة سنوات من العمل والصبر.
بين أشجار المشمش التي امتلأت أغصانها بالثمار، يتنقل الفلاح نعيم خولاني، المعروف بـ”أبو عبدو”، مع اثنين من أبنائه، يتابعان قطاف المحصول وفرزه كما يفعلان كل يوم خلال الموسم.
بالنسبة لأبي عبدو، لا تبدأ حكاية المشمش مع نضج الثمار، بل تعود إلى اليوم الذي عاد فيه إلى أرض وجدها مختلفة تمامًا عما تركها.
قبل الحرب، كانت الأرض مزروعة بأشجار زيتون معمرة غرسها أجداده، لكن سنوات القتال أنهت ذلك كله، وعندما عاد مع عائلته إلى داريا، لم يجدوا سوى أرض خالية، بعدما اختفت أشجار الزيتون التي كانت تغطيها.
جلس الرجل الستيني مع أبنائه يناقشون ما يمكن أن يفعلوه بالأرض، ولم يكن القرار مجرد اختيار محصول جديد، بل بداية جديدة لأرض فقدت أشجارها.
استبعدت العائلة زراعة الخضراوات لأنها، بحسب وصفه، “عمرها أيام أو أشهر”، بينما رأت في الأشجار استثمارًا يمتد لسنوات، ويمكن أن يخدم أكثر من غرض، سواء في الأسواق أو في صناعة المربيات والعصير.
يتذكر تلك اللحظة قائلاً: “قررنا نزرعها مشمش.. والحمد لله هيأ الله لنا أن ينجح المشروع.”
زرع أبو عبدو نحو 150 شجرة مشمش، ثم أحاط البستان بأشجار الرمان والتين، وزرع شيئًا من الخضراوات خلال السنوات الأولى قبل أن تتفرغ الأرض بالكامل للأشجار المثمرة.
ولم يحمل البستان ثماره مباشرة. مضت سنتان في العناية والانتظار، قبل أن يظهر أول محصول في السنة الثالثة، وهي اللحظة التي يؤكد أنها منحت العائلة ثقة بأن قرارها كان في مكانه.

موسم يبدأ قبل أشهر من القطاف
المشمش، كما يراه أبو عبدو، لا يبدأ مع موسم القطاف، بل مع نهاية الشتاء.
ففي شهري شباط وآذار تبدأ أعمال تسميد الأرض وحراثتها، باستخدام الأسمدة العضوية والأسمدة الزراعية المعتادة، قبل أن تدخل الأشجار مرحلة الإزهار.
أكثر ما يحرص عليه خلال هذه الفترة هو الرش الوقائي، فالأزهار الكثيرة لا تعني بالضرورة محصولًا وفيرًا، إذ قد تستقر حشرة صغيرة داخل الزهرة وتمنعها من التحول إلى ثمرة إذا لم تعالج في الوقت المناسب.
ولهذا ينفذ الرشة الأولى قبل الإزهار، ثم يعيدها بعد انتهاء الزهر عندما تصبح الثمار بحجم حبة العدس أو الحمص، قبل أن تستمر المتابعة كل نحو خمسة عشر يومًا حتى اقتراب موعد النضج.
ويختصر الرجل فلسفته في العناية بالأشجار بأن نجاح الموسم لا يصنعه الحظ، بل المتابعة المستمرة منذ بداية العام.
وفي الوقت نفسه، يحرص على ألا يستخدم ما قد يؤثر في جودة الثمار، مكتفيًا بالأسمدة الزراعية التي تحتاجها الأشجار، لأن المحصول، كما يقول، يصل أولًا إلى مائدة أسرته.
ويضيف: “أنا وأولادي وأهلي كلنا بناكل من هالمشمش، فإذا بدي حط شي يأذي، فأول ناس بتتأذى هي نحن. أول شي حرصًا على أنفسنا، وحرصًا على الآخرين، بنعطيها حقها من دون أي تجاوزات”.

المياه.. التحدي الأكبر
إذا كانت العناية بالأشجار تحتاج إلى خبرة، فإن تأمين المياه أصبح التحدي الأصعب بعد الحرب.
كانت هذه الأراضي تعتمد في السابق على مياه نهر بردى، لكن المياه لم تعد تصل كما كانت، واضطر كثير من أصحاب البساتين إلى الاعتماد على الآبار.
ومع ارتفاع أسعار المازوت، لم يعد تشغيل المضخات التقليدية ممكنًا بالنسبة لكثير من المزارعين، لذلك اتجه أبو عبدو إلى تشغيل بئر أرضه بالطاقة الشمسية، وهو ما مكنه من الاستمرار في ري الأشجار.
وتحتاج أشجار المشمش، بحسب خبرته، إلى الري كل عشرة أو اثني عشر يومًا خلال ذروة الصيف، بينما تطول المدة في بداية الموسم عندما تكون درجات الحرارة أقل.
لكن موعد السقاية لا تحدده الأيام وحدها.
يشبه أبو عبدو الشجرة بإنسان لا يستطيع التعبير عن حاجته، قائلاً: “الشجرة مثل الأخرس.. ما بتحسن تقولك أنا عطشانة، تعال اسقيني. أنت بدك تكون فهمانها، تنظر إلى الشجرة وتعرف بدها مي أو ما بدها مي”.
ولهذا، يمر هو وأبناؤه بين الأشجار بصورة مستمرة، يراقبون الأوراق والأغصان قبل اتخاذ قرار الري.
ورغم تمكنه من تجاوز مشكلة المياه، فإن كثيرًا من أصحاب الأراضي المجاورة لم يتمكنوا من ذلك، بعدما تراجعت مصادر المياه وارتفعت تكاليف تشغيل الآبار.
ويصف واقع المنطقة بقوله إن أهلها “شغيلة، وعندهم همة ونشاط، وبيحبوا الشجر”، لكن الظروف دفعت بعضهم إلى ترك أراضيهم، فيما بقي آخرون يحاولون الاستمرار بما توفر لديهم من إمكانات.
عشرة أصناف.. حتى لا يضيع الموسم
لم يعتمد أبو عبدو على صنف واحد من المشمش، بل وزع بستانه على ما بين عشرة وخمسة عشر صنفًا، من بينها “التدمري”، و”شكر بكر”، و”الكلابي”، إلى جانب أصناف أخرى تختلف في اللون والطعم وموعد النضج.
اختيار هذا التنوع لم يكن بدافع التنويع فقط، بل لتنظيم موسم القطاف.
فكل صنف ينضج في موعد مختلف، ما يسمح للعائلة بقطف المحصول على مراحل، بدل أن تنضج الأشجار كلها دفعة واحدة.
ويشير إلى أنه بدأ القطاف منذ مطلع حزيران، بينما ما تزال بعض الأشجار تحمل ثمارًا لم يحن موعد نضجها بعد، في حين انتهى إنتاج أشجار أخرى بالكامل.
ويرى أن هذا التدرج يمنحهم الوقت الكافي لقطف المحصول قبل أن تتسبب الحرارة أو الرياح في تساقطه.
أما أكثر الأصناف طلبًا، فهو “شكر بكر”، الذي يصفه بأنه يجمع صفات أكثر من نوع ويتميز بحلاوة لافتة، مع تأكيده أن لكل شخص ذوقه الخاص في اختيار المشمش.
ولا يقتصر البستان على المشمش وحده، إذ يضم أيضًا عدة أصناف من التين، مثل السلطاني والحلبي وكعب الغزال والأسود، إلى جانب الرمان والدراق والخوخ والتفاح.
ويرى أن لكل شجرة ميزتها، فالتين، على سبيل المثال، قليل الكلفة ولا يحتاج إلى عناية كبيرة أو رش متكرر، بينما اختار للرمان صنفًا فرنسيًا، بينها نوع قليل البذور جلبه من محافظة درعا، لما يتمتع به من إنتاج جيد وجودة عالية.

لكل ثمرة طريقها
بعد انتهاء القطاف، تبدأ مرحلة لا تقل أهمية، وهي فرز المحصول.
الثمار التي تسقط بفعل الهواء أو تبلغ مرحلة متقدمة من النضج لا تذهب إلى السوق، لأنها لا تتحمل النقل، وإنما تستخدم في العصير أو المربى، بينما تخصص الثمار الأكثر تماسكًا للبيع في الأسواق لأنها تبقى محافظة على جودتها.
ويؤكد أن حسن الفرز جزء أساسي من نجاح التسويق، لأن خلط الثمار الطرية بالثمار الصلبة يضر بالطرفين.
ويقول: “إذا واحد غشيم بيحط القاسية مع الطرية، هاد النوع مع هاد النوع، ما بيرضي لا البائع ولا الشاري”.
الأشجار تحمي بعضها
لم تتوقف تجربة أبو عبدو عند حدود أرضه.
فبعد نجاح زراعة المشمش، بدأ يشجع جيرانه وأقاربه على إعادة استثمار أراضيهم، حتى إنه قدم لبعضهم شتولًا من الأشجار التي زرعها في بستانه، وبرأيه فإن “الشجر يحمي بعضه بعضًا”.
بعض الجيران أخذ بالنصيحة وبدأ زراعة أرضه، بينما اختار آخرون بيع أراضيهم أو تركها بعدما سيطر عليهم الإحباط، بحسب وصفه.
ورغم كل ما مرت به المنطقة، ما يزال أبو عبدو يرى في الزراعة مشروعًا يستحق الاستمرار.
وبينما يتابع مع أبنائه قطاف آخر أصناف المشمش هذا الموسم، تبدو الأشجار بالنسبة إليه أكثر من محصول، فهي دليل على أن الأرض التي فقدت أشجارها يومًا، استطاعت أن تعود إلى الإنتاج مرة أخرى، عندما وجدت من يتمسك بها ويمنحها الوقت والعمل والصبر.
