كان انقطاع محمد فاروق الخطيب عن الدراسة نحو أسبوعين، في الصف الثامن، لحظة كادت أن تغير مسار حياته، فقد أثقلته مشقة التنقل اليومي من داريا إلى دمشق، وقرر التوقف عن الذهاب إلى المدرسة.
لكن شقيقه الأكبر، أنور، الذي كان يعمل حينها في مؤسسة الخطوط الجوية السورية قبل أن يسافر لاحقًا إلى ألمانيا، رفض أن تنتهي رحلة تعليم أخيه عند ذلك الحد.
اصطحبه بنفسه إلى مدرسة «دمشق الوطنية»، وأعاده إلى مقاعد الدراسة، ثم طلب من الإدارة إبلاغه بأي غياب جديد لأخيه.
عاد محمد فاروق إلى الدراسة، وأكمل مساره التعليمي، وتخرج لاحقًا في قسم اللغة العربية بجامعة دمشق، قبل أن يعمل مدرسًا ومديرًا لثانوية الغوطة الغربية، ثم موجهًا اختصاصيًا ومعاونًا لمدير تربية ريف دمشق، وموجهًا أول في وزارة التربية، قبل أن يقضي أكثر من عشرين عامًا في العمل التربوي في المملكة العربية السعودية.
في مقابلة مطولة أجرتها عنب بلدي معه، يستعيد الخطيب، المولود في داريا عام 1948، محطات من حياته الشخصية والمهنية.
لا تقف ذاكرة الأستاذ محمد فاروق الخطيب عند حدود سيرته الفردية، فمن خلال تفاصيل الكُتّاب والمدرسة والأرض والمضافة والمقهى والطريق، توثق شهادته جانبًا من التحولات التعليمية والاجتماعية والزراعية التي شهدتها داريا خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
في كُتّاب «الخُجا»
ارتبط عام ولادة محمد فاروق الخطيب في ذاكرته بنكبة فلسطين عام 1948، بينما تعود أولى ذكرياته الواضحة إلى عام 1954، حين قدمت إلى داريا عائلات فلسطينية لاجئة، من بينها عائلة «عيسى»، التي أصبح بعض أبنائها زملاءه في الدراسة لاحقًا.
وفي العام نفسه، توفي والده أبو أنور (أحمد بن الشيخ محمد الخطيب)، قبل أن يدخل المدرسة النظامية، فتولت والدته تربيته والإشراف عليه بمساعدة إخوته الكبار.
وقبل المدرسة، التحق محمد فاروق بـ«الكُتّاب» لتعلم القرآن على يد امرأة من آل مطر تدعى «أم عزت»، وكانت تعرف في البلدة بلقب «الخُجا». ولم يكن لها ولزوجها أولاد، فكان الأطفال الذين يأتون إلى الكُتّاب جزءًا ثابتًا من يومهما.
كان الكُتّاب في غرفة قرب جامع حزقيل، وإلى جوارها «صُفّة» وشجرة تين كان الأطفال يجلسون تحتها لقراءة القرآن، بينما كان منزل «الخُجا» في زقاق خلف المسجد.
ضم الكُتّاب أطفالًا من سن الخامسة، بنات وصبيانًا، في غرفة واحدة، مع الفصل بينهم داخلها.
وكانت أرض الغرفة مفروشة بالحصير، واقتصر التعليم على تلاوة القرآن وحفظه، بدءًا من قصار السور في الجزء الثلاثين، من دون تعليم الكتابة أو استخدام القلم والورقة.
ويتذكر الخطيب اختلاف أسلوب المعاملة بين «الخُجا» وزوجها. فقد كانت شديدة، وتستخدم «الفلقة» وعصًا طويلة لمعاقبة الأطفال المقصرين، بينما كان زوجها، «أبو عزت»، يتولى الإشراف عليهم عند انشغالها بأعمال البيت، وكان أكثر هدوءًا ولينًا، لذلك كان الأطفال يفرحون بحضوره.
وعندما كان الزوجان ينشغلان في الزراعة، كان ناجي مطر، شقيق «الخُجا»، يتابع الأطفال.
وانتقلت الأسرة لاحقًا إلى منزل في «زقاق الخابية»، وهو الطريق الذي عرف فيما بعد بطريق ثانوية الغوطة الغربية، بالقرب من دكان «أبو محمود خولاني» خلف المخفر.
كان أجر الكُتّاب يُدفع غالبًا بالمقايضة، فيقدم أهل كل طفل رغيف خبز يوميًا، إضافة إلى ما كان يعرف بـ«الخميسية»، وهي خمسة قروش تدفع أسبوعيًا يوم الخميس. وكان ذلك اليوم مخصصًا لمراجعة ما حفظه الأطفال خلال الأسبوع، ويكون الدوام فيه أقصر من بقية الأيام.
ولم يكن جميع أطفال داريا يرتادون الكتاتيب، بل اقتصر ذلك، بحسب الخطيب، على أبناء الأسر التي كانت تحرص على تعليم أطفالها القرآن قبل دخول المدرسة النظامية.
من «الخطيب» إلى مدارس دمشق
التحق محمد فاروق الخطيب بالمدرسة النظامية عام 1955، عندما كان في السابعة، وهي السن القانونية لدخول المدرسة حينها، قبل أن تُخفض لاحقًا إلى ست سنوات.
كانت المدرسة تعرف شعبيًا باسم «مدرسة الخطيب» لوقوعها في حارة الخطيب، وهي بناء تراثي قديم يضم نحو أربع غرف صفية وغرفة للإدارة.
في تلك المدرسة، تعرف الخطيب إلى زملاء استمرت صداقته ببعضهم عقودًا، منهم بركات خولاني وعزت خولاني، ومحمد سلمان خولاني.
وفي الصف الرابع، نحو عام 1958، شهدت المدرسة حدثًا غير مألوف في داريا آنذاك، تمثل في قدوم معلمات من خارج البلدة للتدريس في المرحلة الابتدائية، في بيئة اجتماعية محافظة لم تعتد وجود معلمات غير محجبات.
وبعد نحو ثلاثة أشهر، نُقل الطلاب الأكبر سنًا، ومن بينهم الخطيب، إلى المدرسة الواقعة بجانب البلدية، والمعروفة باسم «مدرسة داريا الأولى للبنين»، حيث أكمل المرحلة الابتدائية حتى عام 1962.
لم تكن في داريا، مطلع الستينيات، مدرسة إعدادية أو ثانوية، ولذلك كان الطلاب الراغبون في متابعة تعليمهم يتوجهون يوميًا إلى دمشق.
التحق الخطيب بمدرسة «دمشق الوطنية» في شارع خالد بن الوليد، بينما التحق زميله محمد سلمان خولاني وآخرون بمدرسة «الحكمة» في منطقة القنوات، وتقدموا لاحقًا لامتحان شهادة «الكفاءة»، التي كانت تعادل مرحلة التعليم الأساسي.
ثم انتقل الخطيب إلى ثانوية «جول جمال» الحكومية، المقابلة لمستشفى الطلياني.
ويتذكر أن المنطقة شهدت خلال تلك الفترة حريقًا كبيرًا أتى على عدد من البيوت، قبل أن تتحول لاحقًا إلى ما عرف بساحة عرنوس.
وكان الطلاب يقضون استراحة المدرسة، التي امتدت أحيانًا لنحو ساعة ونصف، في حديقة السبكي المجاورة، ثم يعودون إلى الصفوف، قبل أن ينتهي الدوام قرابة الساعة الرابعة عصرًا.
أما رحلة العودة، فكانت طويلة. يسير الطلاب من المدرسة إلى مركز انطلاق الحافلات قرب مركز قيادة الشرطة في شارع خالد بن الوليد، ولا يصلون إلى داريا إلا بعد حلول الظلام.
كانت مشقة هذه الرحلة سببًا في انقطاع الخطيب عن المدرسة نحو أسبوعين، قبل أن يعيده شقيقه أنور إليها.
وفي عام 1963، افتتحت مدرسة إعدادية في داريا قرب جامع المنبر، داخل منزل عربي مستأجر يعود إلى عائلة خشفة، ما خفف الحاجة إلى السفر اليومي إلى دمشق.
ويتذكر الخطيب أن عدد الطلاب الذين كانوا يتوجهون يوميًا من داريا إلى مدارس العاصمة لم يكن يتجاوز ثمانية، وكان من بينهم عبد الماجد تبلو، الذي درس في «دار المعلمين»، وهو معهد كان يقبل خريجي المرحلة الإعدادية مدة ثلاث سنوات لإعدادهم للعمل في التدريس.
كما كان عدد من أبناء داريا يقصدون ثانوية الصناعة، التي كانت قرب سوق الهال القديم، قبل انتقالها إلى منطقة قريبة من موقع فندق الميريديان لاحقًا.
وانتقل الخطيب من ثانوية جول جمال إلى ثانوية ابن العميد في ركن الدين، بسبب عدم وجود صفوف للفرع الأدبي في المدرسة الأولى.
وكان يتنقل إليها بحافلة خط «ميدان-شيخ محيي الدين»، التي كانت أجرتها «فرنكًا» واحدًا، ثم ارتفعت إلى فرنك ونصف.
من ذاكرة الخمسينيات والستينيات
يتذكر الخطيب أن النقود كانت قليلة في أيدي الناس، لكنها كانت تتمتع بقوة شرائية مرتفعة.
ففي الستينيات، كان سعر كيلوغرام اللحم يتراوح بين أربع وخمس ليرات سورية، وكان بالإمكان شراء وجبة غداء أو سندويشة بأقل من ليرة.
ومن المعالم التي بقيت في ذاكرته «زقاق الخابية»، الممتد من دكان «أبو محمود خولاني» خلف المخفر حتى «بيت مطر»، في موقع الحديقة الحالية، وأرض «النصبة».
كانت أشجار الجوز الكثيفة تحف الزقاق، وتتداخل أغصانها إلى درجة تحجب ضوء القمر، فيصبح الطريق مظلمًا ومخيفًا ليلًا.
وارتبط المكان في ذاكرة الأهالي بحكايات شعبية، منها روايات عن امرأة قُتلت على يد أخيها، وعن مسلّم خولاني، الذي شاع أنه قتل ضبعًا قبل أن يتوفى شابًا.
ويذكر الخطيب مقهى «حمّادي معتوق»، الذي كان يقع مقابل جامع الخولاني، ويشكل ملتقى لأهالي الحارة، يتبادلون فيه الأحاديث عن الزراعة والعمل وشؤون البلدة.
وافتُتح لاحقًا مقهى «أبو أحمد خشروم» على الطريق المؤدي إلى مدرسة معن بن زائدة من جهة جامع الخولاني.
لم تكن هذه الأسماء مجرد علامات جغرافية، بل مفاتيح لحياة اجتماعية كانت الحارة فيها وحدة مترابطة، وتشكل المقاهي والمضافات والمساجد والدكاكين نقاط التقاء يومية بين سكانها.
سيل اجتاح داريا
من أبرز الأحداث التي بقيت راسخة في ذاكرة الخطيب سيل اجتاح داريا في منتصف الخمسينيات، ويرجح أنه وقع عام 1956.
وبحسب روايته، نتج السيل عن أمطار غزيرة هطلت فوق جبال المعضمية، فاندفعت المياه عبر المعضمية إلى داريا، حاملة معها الرواسب وما جرفته في طريقها، رغم أن الأمطار داخل البلدة لم تكن شديدة بالقدر نفسه.
بلغ ارتفاع المياه في بعض مناطق داريا نحو متر، وتسببت بانهيار جدران طينية كانت تعرف باسم «الدك»، وغمرت الحدائق والبيوت غير المحصنة.
هدمت المياه جدار حديقة منزل عائلة الخطيب، ووصلت إلى بيت خولاني القديم في الحارة الخلفية الملاصقة للجامع، وحولت ساحة «النصبة» إلى مستنقع.
وكانت مياه الأمطار تتجمع شتاءً أيضًا في الساحة المقابلة لمدرسة معن بن زائدة، وتتجمد بفعل الصقيع، فيقصدها الأطفال لكسر الجليد بالحجارة واللعب به.
ويقول الخطيب إن المعضمية كانت الأكثر تضررًا من السيل لقربها من الجبل، بينما كان أثره يخف نسبيًا في داريا نتيجة توزع المياه بين الحارات والأراضي الزراعية.
المضافة والضيافة
يروي الخطيب أن عمه «أبو مظهر» استقبل إحدى أولى العائلات الفلسطينية التي وفدت إلى داريا بعد نكبة عام 1948، وأسكن أفرادها في مكان قرب مدرسة معن بن زائدة من دون مقابل.
وأسهم أهالي البلدة في تأمين الفرش والطعام والأغطية لهم، قبل أن يندمجوا تدريجيًا في المجتمع المحلي، وتنشأ بينهم وبين أبناء داريا علاقات جوار ومصاهرة، بينما غادر بعضهم لاحقًا إلى دول الخليج.
ومن بين العائلات التي بقيت في ذاكرته عائلة «عيسى»، التي أصبح بعض أبنائها زملاء له في المدرسة.
ويذكر الخطيب أن والده، ثم شقيقه الأكبر وحيد، شاركا في إصلاح ذات البين في داريا، وتسوية الخلافات الأسرية والعقارية قبل وصولها إلى المخفر أو القضاء.
وكانا يطلبان من أحد رجال البلدة، المعروف باسم «زعبوبة»، مناداة الخصوم للحضور إلى المضافة ومحاولة تسوية الخلاف وديًا.
كانت المضافة، وفق ما يرويه الخطيب، تقوم بدور يتجاوز الضيافة، ففيها يناقش الرجال شؤون البلدة، وتعرض الخلافات، ويتدخل وجهاء العائلات لمنع تفاقمها.
واعتمدت هذه التسويات على مكانة الوجهاء وثقة المتخاصمين بهم، وعلى العلاقات العائلية والاجتماعية داخل البلدة، قبل أن تصل الخلافات إلى المخفر أو القضاء.
«العظم إلنا واللحم إلكم»
انتشرت الأمية في داريا خلال تلك الفترة بسبب قلة المدارس، وارتباط التعليم بالوضع الاقتصادي وحاجة الأسر إلى الأيدي العاملة.
ولذلك، كان كثير من الآباء يكتفون بوصول أبنائهم إلى الصف الثالث أو الرابع الابتدائي، ثم يوجهونهم إلى رعي الماشية أو العمل في البساتين والكروم.
وكان الأهالي يرددون للمعلمين عبارة: «العظم لنا واللحم لكم»، في إشارة إلى منح المعلم صلاحية واسعة في الشدة والعقاب.
ودفعت قسوة العقوبات بعض الطلاب، ولا سيما الضعفاء في الحساب والرياضيات، إلى ترك الدراسة والاتجاه إلى العمل في الأرض بموافقة أسرهم.
أما تعليم البنات فكان أكثر محدودية. فبعض الأسر لم تكن ترسل بناتها إلى المدرسة، أو كانت تكتفي بإرسالهن إلى الكُتّاب، بينما توقف تعليم أخريات عند الصف الثالث أو الرابع.
وبدأ هذا الواقع بالتغير تدريجيًا مع توسع التعليم في أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات، حين تأسست مدارس جديدة للبنات والبنين، من بينها مدرسة داريا الثانية للبنات في الحارة القبلية، ومدرسة محمود الدباس للبنين.
بين الدراسة والتدريس
التحق محمد فاروق الخطيب بقسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة دمشق في النصف الثاني من عام 1969، وتخرج عام 1974.
كانت الجامعة تضم طلابًا من محافظات سورية مختلفة، ولا سيما حمص وحماة واللاذقية وطرطوس، في مناخ سياسي اتسم، بحسب ذاكرته، بالحذر الشديد بعد وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963.
يقول الخطيب إن الحديث العلني في السياسة داخل الجامعة كان يقتصر غالبًا على البعثيين، بينما كان المنتمون أو المتعاطفون مع التيارات الأخرى، مثل الشيوعيين والإخوان المسلمين والناصريين، يتجنبون إظهار مواقفهم خشية الملاحقة الأمنية.
وكان بعض الطلاب يطلقون على البعثيين لقب «الألماني»، في إشارة إلى الحذر من الحديث السياسي أمامهم.
أما في داريا، فلم يكن النشاط السياسي التنظيمي ظاهرًا على نطاق واسع، وإن كانت هناك ميول سياسية متعددة بين الأهالي.
وبحسب تقدير الخطيب، كانت الناصرية التيار الأكثر حضورًا شعبيًا بين شبان البلدة في الستينيات، متأثرة بشخصية الرئيس المصري جمال عبد الناصر.
ويقدر أن ما بين 50 و60% من الشباب كانوا يميلون إليها، ويذكر من مؤيديها محمود مطر وحامد شربجي.
ولم يكن كثيرون يرون تعارضًا بين هذا الميل والتدين أو الالتزام الديني.
كما يذكر وجود تعاطف مع جماعة الإخوان المسلمين لدى بعض الشبان والعائلات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود انتساب تنظيمي.
أما التيار الشيوعي، فيصف حضوره بأنه كان محدودًا، ويذكر شخصًا من عائلة الزهر كان معروفًا بقربه من خالد بكداش.
تابع الخطيب دراسته في مبنى كلية الآداب القديم في البرامكة، ثم انتقل خلال السنتين الثالثة والرابعة إلى المبنى الجديد في المزة.
ويتذكر عددًا من أساتذته الذين تركوا أثرًا في مسيرته العلمية، منهم الدكتورة عزيزة مريدن، التي كانت تشجع الطلاب على البحث والرجوع إلى المراجع، والدكتور مازن المبارك في مادة النحو، والدكتور شاكر الفحام، الذي درّس الأدب الأندلسي رغم توليه وزارة التربية في تلك الفترة.
وكان الفحام معروفًا بانضباطه الصارم داخل قاعة المحاضرات، فلا يسمح بدخول أي طالب بعد بدء الدرس، وكان يمنع جلوس الطلاب والطالبات معًا.
ولأن الدوام الجامعي لم يكن إلزاميًا بالكامل، وتضمن محاضرات مسائية، عمل الخطيب معلمًا وكيلًا لتأمين نفقاته.
درّس خلال العام الدراسي 1969-1970 في مدرسة «أبو حبل» بحي الميدان في دمشق، ثم انتقل إلى مدرسة محمود الدباس في داريا، حيث أمضى ثلاث سنوات أو أربعًا، فكان يدرّس صباحًا ويذهب إلى الجامعة بعد الظهر.
ثلاث سنوات في الخدمة العسكرية
تخرج الخطيب من الجامعة عام 1974، وبعد نحو خمسة أو ستة أشهر التحق بالخدمة الإلزامية مطلع عام 1975.
أمضى المرحلة الأولى في مدرسة المدرعات بحمص، حيث تلقى تدريبًا عسكريًا وصفه بالقاسي، ولا سيما أنه جرى في فصل الشتاء، وتضمن تدريبات وعقوبات بدنية استمرت حتى في أثناء صيام شهر رمضان.
ولأنه كان يحمل إجازة جامعية مدتها أربع سنوات من دون دبلوم تأهيل تربوي، لم يعيّن ضابطًا مجندًا، بل مُنح رتبة «مساعد»، وكُلف بتدريب الجنود وإلقاء المحاضرات العسكرية مدة سنة ونصف.
ثم نُقل إلى جبل المانع قرب الكسوة، حيث أمضى نحو سنة ونصف أخرى رئيسًا لقلم الكتيبة، وتولى المعاملات الإدارية والمراسلات الرسمية ورفعها إلى قائد الكتيبة.
وترقى قائد الكتيبة لاحقًا إلى رتبة لواء، لكنه ظل، بحسب الخطيب، يتذكره ويسأل عنه المجندين القادمين من داريا.
ويتذكر الخطيب حادثة وقعت خلال إحدى مناوباته الليلية، حين اندلعت مشاجرة بين مجندين، أحدهما من حلب، وكان يعمل لحامًا في حياته المدنية، وعرف بقوته الجسدية وفرض نفوذه على بقية الجنود، والآخر من ريف الرقة.
تجنب المجند القادم من الرقة الاشتباك مع خصمه عن قرب، ورماه بالحجارة من مسافة، فأصابه إصابات استدعت نقله إلى المستشفى العسكري، حيث أمضى نحو ثلاثة أشهر في العلاج.
كما يروي عن مجند كان مكلفًا بالحراسة في نقطة بعيدة، وكان ينوي التغيب عنها، فأخبر الخطيب أن المنطقة مليئة بالضباع والحيوانات المفترسة، محاولًا ثنيه عن إجراء جولات التفتيش الليلية.
من الرقة إلى ثانوية الغوطة الغربية
سُرّح الخطيب من الخدمة العسكرية عام 1978، ضمن دفعة من المعلمين أُعيد أفرادها إلى قطاع التعليم مع بداية العام الدراسي، بينما استمر آخرون في الخدمة الاحتياطية.
وكان قد تقدم، خلال خدمته، إلى مسابقة لتعيين المدرسين، فعُين في محافظة الرقة، حيث باشر العمل في «ثانوية الرشيد»، إحدى أكبر مدارس المدينة، برفقة زميل له من الجيش.
وبسبب سياسة وزارة التربية الرامية إلى تثبيت الكوادر التعليمية في المحافظات، لم تقبل طلبات النقل بسهولة، فبقي في الرقة نحو عامين، خلال عامي 1978 و1979.
ويتذكر خلافًا وقع مع مدير تربية الرقة بشأن رواتبه المتراكمة عن فترة الاحتياط، إذ حاول المدير، وفق روايته، الاحتفاظ بها، قبل أن يتمكن الخطيب من استردادها.
وفي نهاية عام 1979، نُقل إلى مديرية تربية ريف دمشق، وعُين مدرسًا في ثانوية الغوطة الغربية بداريا، التي كان يديرها مدرس الجغرافيا الفلسطيني إبراهيم البطل.
وبعد سفر البطل إلى السعودية، أُسندت إدارة الثانوية إلى الخطيب، الذي عمل إلى جانب عدد من المدرسين، منهم خالد شحادة وسعيد السقا، وعبد الله العبار، الذي شغل منصب معاون المدير خلال فترة إدارته.
التعليم الثانوي في داريا
يصف الخطيب الإقبال على التعليم الثانوي في داريا خلال الثمانينيات بأنه كان محدودًا مقارنة بأعداد طلاب المرحلة الإعدادية.
فعدد طلاب الصف الثالث الثانوي لم يكن، بحسب ذاكرته، يتجاوز 30 أو 40 طالبًا، رغم وجود مئات الطلاب في المرحلة الإعدادية.
ويعزو ذلك إلى تسرب كثير من الطلاب بعد الصف الأول الثانوي، واتجاههم إلى الزراعة أو المهن الحرة، التي كانت توفر دخلًا أسرع من مواصلة التعليم.
تألفت المدرسة من بنائين متجاورين، أحدهما للمرحلة الثانوية والآخر للإعدادية. وكانت أوقات الاستراحة تنظم بصورة مختلفة لتجنب اختلاط طلاب المرحلتين.
وشهدت الثمانينيات توسعًا في عدد مدارس داريا. ويذكر الخطيب من بينها ثانوية الغوطة الغربية للبنين، وثانوية داريا للبنات، ومدارس محمود الدباس، ومعن بن زائدة، وداريا المحدثة، وفياض الحو، ونبيل كشكة، إلى جانب مدرستي داريا الأولى والثانية للبنات.
وكان الكادر التدريسي يضم عددًا محدودًا من أبناء داريا إلى جانب معلمين قدموا من مناطق ومحافظات أخرى.
وخلال نحو عقدين، انتقلت داريا من بلدة لا تضم مدرسة إعدادية أو ثانوية، ويضطر طلابها إلى الذهاب يوميًا إلى دمشق، إلى مدينة تنتشر فيها مدارس المراحل المختلفة للبنين والبنات.
احترام العاملين
خلال عمله مديرًا، واجه الخطيب نماذج مختلفة من المعلمين وأساليب التدريس.
يتذكر مدرسًا للعلوم كان يصل متأخرًا إلى المدرسة ويصحح أوراق الامتحانات أمام الطلاب، فرأى أنه يفتقر إلى الكفاءة التربوية المطلوبة، وحاول نقله، لكن مدير التربية طلب الإبقاء عليه عامًا آخر لعدم إمكانية فصله مباشرة بصفته موظفًا حكوميًا.
كما يذكر مدرسًا للغة الإنجليزية كان يتأخر عن دخول الحصة، ويبرر ذلك بقوله إنه «يتأخر خمس دقائق ليكسر سم الدرس».
وفي موقف بقي حاضرًا في ذاكرته، زار عدد من الموجهين المدرسة في يوم شتوي، وكانت الطرق الترابية الموحلة تتسبب باتساخ مدخل البناء.
وبعد أن وجه أحد الموجهين توبيخًا قاسيًا إلى المستخدم، اعترض الخطيب على أسلوبه، مؤكدًا أن مساءلة الموظف من مسؤولية الإدارة، وأن ظروف الطريق كانت خارجة عن إرادته.
دار نقاش حاد بينهما قبل أن يتدخل الحاضرون لإنهائه.
ويقول الخطيب إن اعتراضه لم يكن على ضرورة النظافة، بل على إهانة العامل أمام الآخرين. وقد ظل هذا المبدأ حاضرًا في ممارسته الإدارية لاحقًا، فهو يرى أن المحاسبة ينبغي ألا تتحول إلى إذلال أو انتقاص من مكانة الموظف.
عقوبة وحيدة
في عام 1985، غادر الخطيب إدارة ثانوية الغوطة الغربية وانتقل إلى مديرية تربية ريف دمشق، بعد حصوله على دبلوم التأهيل التربوي من كلية التربية بجامعة دمشق.
وكانت وزارة التربية تشترط هذا المؤهل لتكليف المدرسين بمهام التوجيه الاختصاصي.
يصف العودة إلى الدراسة بعد أكثر من 12 عامًا على تخرجه الجامعي بأنها كانت تحديًا، ويعزو الفضل في الإقدام عليها إلى تشجيع زوجته وسام ودعمها.
واصل عمله صباحًا في إدارة المدرسة، ثم حضر المحاضرات المسائية الإلزامية في كلية التربية، حيث درس طرائق تدريس اللغة العربية والمواد التربوية الأخرى.
ويتذكر من أساتذته الدكتورة صالحة سنقر، عميدة الكلية آنذاك، والدكتور محمود السيد، الذي أصبح لاحقًا وزيرًا للتربية، ويصفه بغزارة معلوماته وسرعة إلقائه.
أنهى الخطيب الدبلوم بنسبة 87%، وعُين في العام نفسه موجهًا اختصاصيًا لمادة اللغة العربية في مديرية تربية ريف دمشق.
تضمنت مهامه زيارة المدارس، وحضور الحصص، وتقويم أداء المعلمين، ومتابعة تنفيذ الخطط الدراسية، والتأكد من سد الشواغر.
ويتذكر زيارة إلى إحدى قرى جبل الشيخ، تبين خلالها أن معلمة متأخرة ثلاثة دروس عن خطة توزيع المنهج، من دون تقديم مبرر.
وعندما طلب نسخة المدرسة من خطة التوزيع، أخبره أمين السر بأنها أُعيرت إلى أحد المعلمين ولم تُعد، وهو ما اعتبره محاولة للتغطية على التأخر.
وبعد رفع تقريره، فُرض على المعلمة حسم بنسبة 5% من راتبها مدة ثلاثة أشهر.
ويقول الخطيب إن هذه كانت العقوبة الوحيدة التي أوصى بها خلال عمله موجهًا، وإن غايته لم تكن العقاب بحد ذاته، بل ضمان التزام المعلمين بالخطة الدراسية.
في وزارة التربية
في عام 1993، كُلف الخطيب بمنصب معاون مدير التربية لشؤون التعليم الثانوي في ريف دمشق، وبقي فيه نحو عامين، قبل أن يُستدعى إلى وزارة التربية للعمل في «التوجيه الأول» لمادة اللغة العربية.
جاء انتقاله إلى الوزارة في أعقاب أزمة مرتبطة بتسريب أسئلة امتحانية وفصل عدد من العاملين فيها.
أصبح واحدًا من ثلاثة موجهين أوائل لمادة اللغة العربية على مستوى سوريا، وعمل في بدايته إلى جانب فالح فلوح، الذي عرّفه بطبيعة العمل داخل الوزارة.
شملت مهامه الإشراف على الامتحانات في عدد من المحافظات، ومتابعة جاهزية المراكز الامتحانية، والمشاركة في إعداد نماذج امتحانات الشهادات العامة ومراجعتها.
لماذا أصبحت العربية «عقدة»؟
من خلال عمله مدرسًا ومديرًا وموجهًا، كوّن الخطيب رؤية نقدية لمناهج اللغة العربية وطرائق تدريسها.
ويرى أن مادة اللغة العربية تحولت لدى كثير من الطلاب السوريين إلى «عقدة» قد تؤدي إلى الرسوب، رغم أنها لغتهم الأم.
ويستشهد بأحد طلابه، الذي أصبح صيدلانيًا لاحقًا، وكان متفوقًا في الفيزياء والرياضيات، لكنه رسب في الشهادة الثانوية بسبب مادة اللغة العربية، بعد حصوله على أقل من 16 أو 17 درجة من أصل 40، واضطر إلى إعادة السنة.
يعزو الخطيب هذه المشكلة إلى ثلاثة عوامل رئيسية.
أولها تفاوت مستوى إعداد معلمي اللغة العربية، فمن خلال إشرافه على مسابقات تعيين المدرسين، لاحظ فروقًا في المستوى العلمي بين خريجي الجامعات، ووجد أن بعض المتقدمين يخطئون في قواعد أساسية، مثل أحكام العدد والمعدود.
أما العامل الثاني فهو غياب «روح اللغة» عن المناهج، فالقواعد تُقدم للطلاب أحيانًا بوصفها صيغًا جامدة، من دون ربطها بأغراضها البلاغية أو جماليات اللغة، فيتحول التعلم إلى حفظ مجرد.
ويرى أن معرفة القاعدة لا تكتمل بحفظ تعريفها، بل بالقدرة على استخدامها وفهم أثرها في المعنى.
أما العامل الثالث فهو ضعف التأسيس في المرحلة الابتدائية، إذ يرى أن معلم الصفوف الأولى هو العنصر الحاسم في تكوين علاقة الطالب باللغة؛ فإما أن يحببه فيها، وإما أن ينفره منها.
وينتقد اعتماد بعض المعلمين على التلقين والملخصات الجاهزة، التي قد تساعد الطلاب على اجتياز الامتحان، لكنها لا تبني فهمًا حقيقيًا.
ولذلك يصل بعض الطلاب إلى المرحلتين الإعدادية والثانوية من دون امتلاك الأساس الذي يمكنهم من التعامل مع الأسئلة التطبيقية.
ويؤكد الخطيب أن المعلم الكفء يستطيع ترسيخ معظم المعارف الأساسية لدى طلابه، بينما يقدر الطالب بعد ذلك على استكمال التفاصيل بنفسه من الكتاب.
كما يعتقد أن بناء المناهج يجب أن يراعي مستوى الطالب المتوسط، لأن الطالب المتفوق قادر على تجاوز صعوبتها، والطالب الضعيف يحتاج إلى دعم إضافي، بينما يمثل الطلاب المتوسطون الشريحة الأكبر التي قد تتضرر إذا صيغ المنهج فوق قدراتها.
الأرض التي لم ينقطع عنها
رغم انشغاله بالتدريس والإدارة، لم ينقطع الخطيب عن العناية بأرضه الزراعية في منطقة «مغَرّب» غربي داريا، وكانت تسمى «حقول البيت».
بلغت مساحة الأرض نحو 35 مدًا، وكانت تقع على طريق صحنايا، على مسافة تقارب 500 متر من الطريق العام، ولا يفصلها عن حدود صحنايا سوى عقار واحد.
ويصف موقعها بأنه يقع في الدخلة المؤدية إلى المنطقة الممتدة باتجاه منتجع «الفصول الأربعة».
كانت الأرض تروى من النهر الغربي، كما استفادت من «موتورات» المياه المنتشرة في المنطقة، ومنها «موتور سلامة» وموتور آخر قريب، ما وفر لها مصدرًا جيدًا للري.
وارتبطت زراعة الأراضي في المنطقة بقنوات المياه والأنهار ومحركات الضخ، وكانت أسماء «الموتورات» وأصحابها تستخدم لتحديد الأراضي والمسارات الزراعية.
زرع الخطيب القسم الفارغ من أرضه بالقمح في إحدى السنوات، بمساعدة شقيقه وحيد، الذي تولى عملية البذار لخبرته في الزراعة.
ويقول إن المحصول بلغ نحو طنين ونصف، ما أثار استغراب بعض المزارعين لنجاحه في الزراعة رغم انشغاله بالتدريس.
ويتذكر مردود كروم العنب في داريا خلال السبعينيات، ويقدر أن كرمًا مساحته 15 مدًا كان يؤجر موسمه السنوي بمبلغ يتراوح بين 1300 و1500 ليرة سورية، وهو عائد يصفه بأنه محدود قياسًا بالجهد المبذول.
لم تكن الزراعة بالنسبة إليه عملًا جانبيًا منفصلًا عن حياته، بل امتدادًا لنشأته في مدينة كانت البساتين والكروم جزءًا أساسيًا من اقتصادها.
“جوزة الخولاني”
كانت مهنة التعليم تؤمن دخلًا جيدًا في بدايات عمل محمد فاروق الخطيب.
فقد بلغ راتبه عند تعيينه بعد التخرج الجامعي 375 ليرة سورية، مقابل نحو 210 ليرات لحامل الشهادة الثانوية، وكان هذا المبلغ يوفر مستوى معيشة مناسبًا في ذلك الوقت.
لكن القيمة الشرائية للراتب تراجعت خلال الثمانينيات والتسعينيات مع ارتفاع تكاليف المعيشة، حتى لم يعد راتب موظف الدولة يكفي احتياجات الأسرة، ما دفع كثيرين إلى الاعتماد على الزراعة أو أعمال إضافية.
وعندما غادر الخطيب إلى السعودية عام 1995، كان راتبه في سوريا يقارب ستة آلاف ليرة سورية، وهو مبلغ لم يعد، بحسب وصفه، كافيًا لإعالة الأسرة.
استمر في العمل بأرضه حتى سفره، وكانت أشجار الزيتون لا تزال في بدايات نموها.
وبعد سنوات من الجفاف، سلم الأرض إلى أحد أبناء عمه لاستثمارها، لكن الظروف الزراعية وقلة المياه حالتا دون استمرار العمل فيها.
ويستذكر من معالم داريا الشرقية شجرة «جوزة الخولاني» في منطقة «برغش»، وهي شجرة جوز معمرة كان جذعها مجوفًا إلى درجة تسمح بجلوس شخصين داخله.
كانت الأشجار الكبيرة تستخدم معالم لتحديد المواقع والطرقات والأراضي، وتتحول أسماؤها مع الزمن إلى جزء من لغة المكان.
كما يتذكر ازدياد حركة بيع الأراضي في التسعينيات لمزارعين من كفرسوسة، بعد دخول أجزاء من أراضيهم ضمن التنظيم العمراني، ما دفع بعضهم إلى شراء أراض زراعية في داريا لمواصلة عملهم.
إلى السعودية
بدأت رحلة اغتراب الخطيب إلى المملكة العربية السعودية عام 1995.
كان يشارك في وضع سلالم تصحيح امتحانات الشهادة الثانوية في مدرسة «التجهيز الأولى» بدمشق، قرب منطقتي أبو رمانة وثانوية خلدون، حين التقى زميله القديم أحمد المفتي، الخبير الفني والخطاط في البريد السوري.
عرض المفتي عليه فرصة للعمل مدرسًا في السعودية براتب يبدأ من أربعة آلاف ريال سعودي، في وقت لم يكن راتبه في سوريا يتجاوز ستة آلاف ليرة، وكان الريال الواحد يعادل آنذاك أكثر من عشر ليرات سورية.
بعد استشارة زوجته، وافق على السفر، لما وفره العرض من تحسين في الدخل، إضافة إلى قرب العمل من مكة وإمكانية أداء الحج والعمرة.
التقى بمسؤول التعاقد ثم سافر مع مجموعة من المدرسين بتذاكر وفرتها الجهة المتعاقدة.
وعند وصولهم إلى مطار جدة، كان مندوب «مدارس الفكر» في استقبالهم، وأقاموا ثلاثة أيام في أحد الفنادق حتى استكمال إجراءاتهم.
بدأ الخطيب عمله في «مدارس الفكر»، وهي من المدارس الأهلية، وتولى تدريس الصف الأول الثانوي مدة عامين.
وجد صعوبة في التأقلم مع طبيعة العمل فيها، إذ كانت الإدارة، وفق تجربته، تراعي مكانة أولياء أمور الطلاب ونفوذهم، ما كان ينعكس أحيانًا على الانضباط داخل المدرسة.
ويتذكر زيارة وزير البترول السعودي للمدرسة للسؤال عن مستوى ابنه، الذي كان يدرس في الصف السابع.
أثنى بعض المعلمين على الطالب، بينما أخبره الخطيب بأن ابنه ضعيف الالتزام بالدراسة، وأن حضوره شكلي، وكتبه غير مكتملة، ولا ينجز واجباته كما ينبغي.
شكره الوزير، بحسب الخطيب، وقال إنه جاء ليسمع الحقيقة لا المديح. وبقي الموقف حاضرًا في ذاكرته بوصفه مثالًا على أهمية الصراحة في العمل التربوي.
وبعد عامين، انتقل الخطيب إلى «مدارس الأمجاد»، حيث عمل مشرفًا تربويًا سبع سنوات أو ثمانيًا، ثم شغل منصب وكيل المدرسة، أي نائب المدير، واستمر فيها حتى تجاوزت مدة خدمته فيها عشرين عامًا.
وكانت الأنظمة تشترط أن يكون مدير المدرسة سعودي الجنسية، بينما كان الوكيل يتولى معظم الجوانب الإدارية والتربوية اليومية، ولا سيما عندما لا يكون المدير متفرغًا لمتابعة تفاصيل العمل.
وكان معظم معلمي مدارس الفكر في تلك الفترة من فلسطين وسوريا والعراق، ولم يكن بين الكادر سوى معلمين سعوديين اثنين، أحدهما لمادة التربية الإسلامية والآخر للرياضيات.
ويرى الخطيب أن المدارس في دول الخليج اعتمدت في تلك المرحلة على استقطاب الكفاءات العربية، في وقت كان راتب موظف الدولة في سوريا يفقد قيمته، ولذلك انتظر كثير من خريجي الجامعات السورية فرص العمل في الخليج لتحسين أوضاعهم المعيشية.
وعاصر الخطيب توسع سياسة «السعودة»، التي فرضت نسبًا متزايدة لتوطين الوظائف التعليمية، بدأت، بحسب ذاكرته، بنسبة 35% ثم ارتفعت إلى 40%.
وضعت هذه السياسة المدارس أمام تحدي المحافظة على مستوى الخبرات، ولا سيما أن الحد الأدنى لراتب المعلم السعودي ارتفع إلى خمسة آلاف ريال، بينما تراوحت رواتب كثير من المعلمين الوافدين بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف ريال.
وفي المقابل، يشيد الخطيب بمخرجات برامج الابتعاث السعودية، التي أرسلت المتفوقين للدراسة في بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا، وعاد كثير منهم بكفاءات علمية مرتفعة، لكن معظمهم اتجه إلى قطاعات أخرى ولم يقبل على مهنة التدريس.
ويتذكر أن الرسوم الدراسية في بعض المدارس التي عمل فيها بلغت نحو 35 ألف ريال سنويًا للطالب، إضافة إلى مبلغ تأمين يصل إلى 100 ألف ريال، كان بعض أولياء الأمور يتنازلون عنه للمدرسة بعد تخرج أبنائهم على سبيل الهبة.
وكان ارتفاع المستوى المعيشي لبعض الأسر ينعكس أحيانًا على سلوك أبنائها، إذ يشعر بعض الطلاب بأن نفوذ عائلاتهم يحد من قدرة المدرسة على محاسبتهم.
وخلال أكثر من عشرين عامًا، عاصر الخطيب اعتماد المدارس الأهلية السعودية على المعلمين العرب، ثم التوسع التدريجي في توطين الوظائف التعليمية.
ويرى أن المشكلات التعليمية تختلف في أشكالها من بلد إلى آخر، لكن أساس نجاح المدرسة يبقى مرتبطًا بكفاءة المعلم وصدقه وانضباطه، وقدرته على التعامل مع الطلاب بعيدًا عن المجاملة أو الخضوع للنفوذ الاجتماعي.
ولا يفرد محمد فاروق الخطيب لتجربة الاغتراب مكانًا منفصلًا عن مسيرته، بل يراها امتدادًا لمسار بدأ في مدارس داريا ودمشق، وانتقل عبر الرقة وريف دمشق ووزارة التربية، قبل أن يصل إلى مدارس السعودية.
دعم الزوجة
كانت زوجته، وسام الخطيب، طبيبة أسنان، ولها قبل السفر إلى السعودية عيادة خاصة في داريا خصصتها لعلاج النساء والأطفال.
افتتحت عيادتها في جزء من منزل والدته، وربطتها بجرس يصل إلى المنزل، بحيث تنتقل لاستقبال المرضى عند الحاجة.
وبعد انتقال الخطيب إلى السعودية، استقدم زوجته، فواصلت عملها في مستوصف لطب الأسنان.
ويعزو الخطيب جانبًا من تقدمه المهني إلى زوجته، ولا سيما حين شجعته على العودة إلى الدراسة والحصول على دبلوم التأهيل التربوي بعد سنوات من تخرجه الجامعي.
ما بقي من البيت والأرض
عندما عاد الخطيب إلى داريا بعد سنوات الحرب، وجد أرضه الزراعية مهملة، وقد تعرضت أجزاء منها للسرقة، بما في ذلك القوائم الحديدية التي كانت مخصصة لعريشة العنب.
ولم يبق، بحسب وصفه، أثر واضح لكثير مما بناه أو غرسه خلال سنوات طويلة.
كما تعرض منزله للسرقة والتخريب، وقدر أن كلفة ترميمه قد تفوق كلفة بنائه من جديد.
وجد حديقة المنزل مغطاة بالنفايات، بينما سُرقت الأسلاك الكهربائية والقطع الحديدية.
ومن أكثر ما أثار حزنه تحطم أوان خزفية قديمة كانت والدته قد أهدتها إليه عند زواجه.
ويرى أن كثيرًا من مقتنيات المنازل أُتلفت من دون أن يدرك من حطمها قيمتها المادية أو المعنوية.
لم تكن الأرض بالنسبة إليه مجرد عقار، ولا المنزل مجرد بناء، فقد ارتبط كلاهما بسنوات من العمل وبذاكرة الأسرة، ولذلك بدا الخراب كأنه فقدان لجزء من الحياة التي عرفها، لا مجرد خسارة في الممتلكات.
أمنية العودة
يختتم محمد فاروق الخطيب المقابلة مع عنب بلدي بأمنية العودة والاستقرار مجددًا في سوريا، وأن تستعيد داريا شيئًا من الحياة التي عرفها فيها.
ولا تبدو أمنيته مرتبطة بالسكن وحده، بل باستعادة معنى المكان، وعودة المدارس والأرض والعلاقات الاجتماعية، لا أن يقتصر الأمر على ترميم الأبنية.
فالمدينة التي يتذكرها لم تكن خالية من المشكلات. فقد عرفت الفقر والأمية وقسوة التعليم، وعانى طلابها مشقة الوصول إلى المدارس، واضطرت أسر كثيرة إلى إخراج أبنائها من التعليم للعمل.
لكنها، في الوقت نفسه، استطاعت بناء مدارسها، واستقبال القادمين إليها، والحفاظ على روابط أهلها، وبناء حياة امتزج فيها التعليم بالزراعة والعمل والعلاقات الاجتماعية المباشرة.
وبعد مسار امتد من كُتّاب «الخُجا» ومدارس دمشق إلى إدارة المدارس والعمل في وزارة التربية ثم الاغتراب، بقيت ذاكرة الخطيب محتفظة بتفاصيل الأماكن والناس والعمل والتعليم والزراعة، بوصفها أجزاء متداخلة من سيرته ومن تاريخ داريا.

صورة في مدرسة الغوطة الغربية بداريا سنة 1984 تجمع كل من مدرب الفتوة مرعي بطحة، أستاذ التاريخ خالد شحادة، مدير المدرسة فاروق الخطيب، أستاذ الرسم محمود شربجي، أمين السر صالح جعنينة، أستاذ اللغة العربية محمد زرلي، الموجه أحمد ملحم (عنب بلدي – أرشيف محمود شربجي)

صورة تجمع الأستاذ محمد فاروق الخطيب مع ابنه عصام وأحفاده في جدة بالسعودية 2026 (عنب بلدي – أرشيف عصام الخطيب)
