في مشتله بمدينة داريا، لا يتعامل محمد الشربجي، المعروف بـ”أبو عبد الرحمن”، مع النباتات بوصفها تجارة موسمية فحسب، بل كإرث عائلي يربطه بالمدينة وتاريخها الزراعي.
بين أصص الورد وأشتال الأشجار المثمرة، استعاد الرجل، في حديثه إلى عنب بلدي، مهنة ورثها عن أبيه وأجداده، ويقول إنها رافقته “منذ وعيت على الدنيا”.

يعود أبو عبد الرحمن، وهو من مواليد عام 1974، بذاكرته إلى سنوات الطفولة، حين كان يرى جده ووالده يعملان في مشاتل الأشجار المثمرة في داريا.
يومها، كانت المهنة أضيق نطاقًا مما هي عليه اليوم، لكنها كانت حاضرة بقوة في هوية المدينة الزراعية.
أما الزهور، فيقول إنها دخلت إلى عمل العائلة في مرحلة لاحقة، بعد أن كان التركيز الأساسي على الأشجار المثمرة ومعارش العنب.
بدأ الشربجي العمل فعليًا في المشتل وهو في الخامسة عشرة من عمره، حين صار يساعد والده في الزراعة والتطعيم والعناية بالأشتال.
واستمر في عمله حتى العام 2012 حين قطعت العمليات العسكرية التي رافقت الثورة هذا المسار، فغادر مع عائلته إلى محافظة السويداء، وهناك أعاد افتتاح مشتل جديد وواصل العمل فيه.
وبعد سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024، عاد إلى داريا ليؤسس عمله من جديد، مستأنفًا مهنة يعتبرها جزءًا من ذاكرة العائلة والمدينة معًا.


يقول أبو عبد الرحمن إن أول ما تعلمه في هذه الحرفة كان زراعة الأشجار المثمرة، بدءًا من البذار والأشتال الصغيرة، ثم تربيتها في الأرض قبل تطعيمها بالأصناف التي يطلبها المزارعون.
وهذه العملية، التي تبدو بسيطة في ظاهرها، تحتاج إلى وقت وصبر وخبرة متراكمة، لأن نجاح الشتلة لا يعتمد فقط على الزراعة، بل على معرفة النوع المناسب وطريقة العناية به في كل مرحلة.
وبحسب الشربجي، لم تكن داريا مجرد مكان تزاول فيه هذه المهنة، بل كانت مركزها الأبرز في دمشق وريفها.
ويضيف أن تجارًا من محافظات مختلفة كانوا يقصدون المدينة لشراء الأشتال والورود ومعارش العنب، وأن الإنتاج كان يُصدر أيضًا إلى السعودية والأردن ولبنان.
وبالنسبة إليه، فإن “أصل هذه المصلحة” من داريا، التي ارتبط اسمها طويلًا بالمشاتل والورد والأشجار المثمرة.
ولا يقتصر عمل المشتل على صنف واحد، إذ يعدد أبو عبد الرحمن أنواعًا كثيرة من الأشجار التي يعمل بها، منها الخوخ والمشمش والجانرك والدراق والتفاح والكرز والإجاص والسفرجل والتوت والتين والرمان.
وفي جانب الورود، يتحدث عن “عالم كبير” من الأصناف، من بينها الورد الجوري والروبيانا و”مرسيدس” و”برج إيفل” والورد السلطاني، الذي تشتهر به داريا ويستخدم في مربى الورد وشرابه، إلى جانب الورد الربيعي والأقحوان وغيرها.
ولكل نوع، كما يقول، طريقته الخاصة في الزراعة والعناية. فالأشجار المثمرة تمر بمراحل تربية وتطعيم قبل أن تصبح جاهزة للبيع، بينما تحتاج الورود إلى خبرة مختلفة، سواء زُرعت بالبذار أو بالعُقل.
لذلك لا يرى الشربجي أن العمل في المشتل يشبه أي وظيفة روتينية، بل يعده مهنة تتطلب معرفة دقيقة وصبرًا يوميًا، لا سيما أنها محكومة بظروف الطقس وتقلباته.
ويقول أبو عبد الرحمن إن يوم العمل في المشتل لا يسير وفق جدول ثابت، لأن النباتات نفسها هي التي تفرض الإيقاع.
ففي الأيام الحارة تحتاج بعض الأشتال إلى السقاية صباحًا ومساءً، بينما تتحمل أنواع أخرى العطش أكثر. لذلك، “الشتلة هي التي تتحكم بي، ولست أنا من يتحكم بها”، بحسب تعبيره.
وربما تختصر هذه العبارة نظرته إلى المهنة كلها، فهو لا يتحدث عن النباتات كمنتج فقط، بل ككائن يحتاج إلى رعاية دائمة.
ويقول إن أصعب ما في العمل هو هذا الجهد المستمر، خصوصًا حين تشتد قلة المياه أو ترتفع كلفة المواد الأولية. وقد عانى مشتله بالفعل خلال العام الماضي كثيرًا من شح المياه، حتى إنه كان، بحسب قوله، يسقي بعض النباتات “بسطل ماء” كي لا تموت.
إلى جانب تحديات المياه، يواجه أصحاب المشاتل مشكلات أخرى، منها ارتفاع أسعار المبيدات والأسمدة وكلفة اليد العاملة.
كما يشير الشربجي إلى أن إغلاق باب التصدير هذا العام أثر سلبًا في تصريف الإنتاج، معتبرًا أن فتحه لا يفيد أصحاب المشاتل وحدهم، بل ينعكس أيضًا على حركة التجارة ودخول العملة إلى البلد.

ورغم ذلك، يظل أبو عبد الرحمن متعلقًا بعمله، وما يبقيه في المهنة، كما يقول، ليس الربح فقط، بل حبه لها وإحساسه بالمسؤولية تجاهها.
ويصف عمله بأنه “هواية” بقدر ما هو مصدر رزق، ويقول إن الراحة النفسية التي يمنحها التعامل مع الورد لا يفهمها إلا من عاش هذه التجربة، لذلك فهو يتمسك بالمهنة بوصفها تراثًا عائليًا، ويأمل أن تبقى لأولاده كما بقيت له عن آبائه وأجداده.
وبحسب الشربجي، بدأ هذا الأمل يتخذ شكلًا عمليًا بالفعل، إذ يعمل ابنه الوحيد معه اليوم في المشتل، ويتعلم تفاصيل المهنة تدريجيًا.
ويقول أبو عبد الرحمن إن ابنه بات يعرف “ثلاثة أرباع المصلحة”، ويتمنى أن يكمل الطريق من بعده، وأن يعلم أبناءه أيضًا، حفاظًا على مهنة يرى فيها أكثر من عمل، يرى فيها هوية داريا نفسها، حين كانت المدينة تعرف بما يخرج من مشاتلها بقدر ما تعرف بتاريخها.

