لم تعد أم محمد عبد الحي تتعامل مع منزلها كمساحة آمنة لعائلتها. منذ أيام، تبدأ يومها بإخراج مياه الصرف الصحي التي تعود من التمديدات إلى الداخل، ثم تنظف الأرض بمواد التعقيم، قبل أن يتكرر المشهد مع كل ضغط جديد على شبكة الصرف في الحي.
في أحياء بمدينة داريا، بينها محيط جامع الفارس، وحارة الزهر خلف جامع أبو سليمان، ومنازل قريبة من شارع المعضمية، حول طفح الصرف الصحي حياة عائلات داخل منازلها إلى عبء يومي، بعد أن وصلت المياه الآسنة إلى الحمامات والغرف والمداخل، وعطلت استخدام المياه، وقيدت حركة بعض السكان داخل بيوتهم وخارجها.
تنظيف يومي وروائح لا تحتمل
تقول أم محمد عبد الحي، من سكان منطقة الفارس، لعنب بلدي، إن منزلها يقع في نهاية خط التصريف، ما يجعل المياه تتجمع داخله مع كل ضغط على شبكة الصرف، وتعود عبر الحمام والمناهل المنزلية بشكل متكرر.
وتضيف أن العائلة تضطر يوميًا إلى إخراج المياه الملوثة بوسائل بدائية، ثم تنظيف الأرضيات بمواد التعقيم، في محاولة للحد من الروائح والحشرات التي انتشرت داخل المنزل.
وبحسب حديثها، أثرت الروائح والرطوبة على صحة طفلتها الصغيرة التي تعاني من حساسية، ما دفع العائلة إلى مراجعة الأطباء أكثر من مرة خلال الفترة الماضية.
ولم تعد المشكلة مقتصرة على دخول مياه الصرف إلى المنزل، وفق أم محمد، إذ تقول إن المياه النظيفة اختلطت أحيانًا بالمياه الآسنة، ما دفع العائلة إلى إغلاق مصدر المياه الرئيسي داخل المنزل، والاعتماد على مياه من الجيران يستخدمون مضخات خاصة.
كما أغلقت الأسرة الحمام العربي بالكامل، بعد أن أصبحت المياه تعود منه فور استخدامه أو عند استخدام الجيران لشبكة الصرف.
وتوضح أم محمد أن الأضرار طالت أجزاء من محتويات المنزل، في وقت تعيش فيه العائلة ظروفًا معيشية لا تسمح بإجراء إصلاحات داخلية أو تعويض ما تضرر.
وإلى جانب المعاناة داخل المنزل، تتحدث عن حفرة قرب موقع الطفح، تقع مقابل منزل رجل مسن يعاني من ضمور في الدماغ ويتحرك باستخدام “ووكر”، معربة عن خشيتها من سقوطه فيها وتعرضه لأذى جسدي.
وتقول إن ابنها قدم عدة شكاوى إلى البلدية، وجرى أخذ رقم هاتفه للتواصل لاحقًا، لكن العائلة لم تتلق أي متابعة حتى الآن، بحسب قولها.
مياه تصل إلى الغرف
في حارة الزهر خلف جامع أبو سليمان، قالت أم غدير لعنب بلدي إن طفح الصرف الصحي لم يعد يتوقف عند الطريق أو المناهل، بل صار يدخل إلى تفاصيل الحياة داخل المنزل، من الحمامات إلى الغرف.
وأضافت أن استخدام الحمام بات صعبًا في أوقات كثيرة، ما يضطرها إلى أخذ أولادها إلى منزل شقيقها في منطقة الجديدة لتحميمهم، بعيدًا عن الرائحة والمياه الملوثة داخل البيت.
وبحسب أم غدير، دخلت المياه إلى الغرف أكثر من مرة، ودفعت العائلة إلى تجنب استخدام بعض المساحات كما في السابق، بعدما أصبحت الروائح والاتساخات جزءًا من يوميات المنزل.
وتقول إن المشكلة وصلت أحيانًا إلى عدم قدرة العائلة على الصلاة في بعض الغرف بسبب دخول مياه الصرف الصحي إليها، معتبرة أن ما يحدث لم يعد إزعاجًا عابرًا، بل مساسًا بالحياة اليومية داخل البيت.
بركة تعزل سيدة عن منزلها
في منطقة قريبة من شارع المعضمية، عند الشارع المؤدي إلى الصالة الأثرية في داريا، تقول أم أسامة لعنب بلدي إن منزلها يغرق بمياه الصرف الصحي مع كل هطول للأمطار، بسبب انخفاض مدخله عن الشارع المقابل.
وتوضح أن المياه تتجمع أمام الباب على شكل بركة كبيرة، ثم تمتد إلى مدخل المنزل، ما يحرمها من الدخول أو الخروج حتى تجف المياه، أو يساعدها أحد الجيران في إفراغها.
وتقيم أم أسامة وحدها بعد مقتل ابنها الوحيد خلال الحرب، وتضطر أحيانًا إلى الصعود إلى أسطح الجيران والنزول من منازلهم، ثم الخروج من شارع آخر، لتفادي مياه الصرف التي تحاصر مدخل بيتها وتترك روائح تعطل حياتها اليومية.
البيوت المنخفضة أكثر تضررًا
في منزل آخر في منطقة الفارس، يقول أبو عبدو نمورة لعنب بلدي إن المياه الآسنة وصلت إلى داخل منزله أيضًا، ما اضطر العائلة إلى إغلاق البلوعة الرئيسية، قبل أن تبدأ المياه بالخروج من الحمام.
ويضيف أن العائلة أصبحت تتجنب فتح باب المنزل بسبب تجمع المياه الملوثة أمامه وانتشار القوارض في محيطه، خشية دخولها إلى الداخل.
وتتكرر هذه المعاناة في البيوت المنخفضة أو الواقعة في نهاية خطوط التصريف، حيث لا يتوقف الضرر عند الرائحة والتنظيف، بل يطال استخدام الحمامات والمياه، وحماية الأطفال وكبار السن من الحشرات والرطوبة والتلوث.
وبحسب رصد مراسلة عنب بلدي، تتكرر المشكلة بعد كل معالجة مؤقتة، بينما تبقى العائلات أمام عبء التنظيف اليومي وتعطل استخدام المياه والحمامات.
ويقول أبو عبدو إن أعمال الحفر والصيانة السابقة لم تمنع عودة المياه إلى المنازل، مشيرًا إلى أن بعض المناهل امتلأت بالأوساخ بعد ردم الحفر، ما ساهم، بحسب قوله، في استمرار الطفح داخل البيوت المنخفضة.

