أعادت دوريات البلدية لإزالة إشغالات الأرصفة في داريا فتح النقاش حول حق المشاة في استخدام الرصيف، في مدينة يقول سكانها إن كثيرًا من أرصفتها مشغول بالبضائع والبسطات والسيارات، بينما يرى أصحاب محال أن تطبيق المنع يحتاج إلى تهيئة الأرصفة والشوارع أولًا، ومنح الناس وقتًا للالتزام.
وتتقاطع شهادات سكان وأصحاب محال تحدثوا لعنب بلدي حول وجود مشكلة فعلية في إشغال الأرصفة، لكنها تختلف في تحديد المسؤولية وطريقة المعالجة، بين من يطالب بتشديد المخالفات والمتابعة اليومية، ومن يرى أن الحل يجب أن يكون تدريجيًا في ظل ضعف الخدمات وكثرة المشكلات داخل المدينة.

الرصيف للمشاة
يرى زاهر دلعين، أن الأرصفة موجودة في بعض الشوارع، لكنها غير متاحة عمليًا للمشاة، بسبب إشغالها من قبل المحال.
وقال دلعين لعنب بلدي إن نحو 70% من الأرصفة، بحسب تقديره، مشغولة بالبضائع أو الأغراض، ما يدفع الناس إلى المشي في الطريق بدلًا من الرصيف.
وأضاف أن الرصيف مخصص للمشاة، والطريق للسيارات، لكن الواقع الحالي يجعل المشاة يسيرون، أحيانًا، بين المركبات بسبب عدم توفر مساحة آمنة على الأرصفة.
ولا يفصل دلعين مشكلة الأرصفة عن واقع الطرقات داخل المدينة، إذ أشار إلى أن الشوارع ما تزال تعاني من الحفر والمطبات، ما يزيد صعوبة الحركة على السيارات والمشاة معًا.
وبرأيه، تحتاج معالجة إشغالات الأرصفة إلى تدرج، لأن الناس اعتادوا على وضع قائم خلال سنوات، ولا يمكن نقلهم مباشرة إلى وضع جديد من دون إنذارات ومتابعة ووقت كافٍ للالتزام.

مشاة بين السيارات
يرى محمد عيد أن المدينة لا تملك أرصفة “فعلية” بالمعنى العملي، لأن كثيرًا من أصحاب المحال يشغلون المساحة أمام محالهم بالبضائع.
وقال لعنب بلدي إن المشاة، وبينهم الأطفال والنساء، يضطرون إلى السير في الطريق، لأن الرصيف غير مهيأ أو غير متاح.
وسمع عيد، وفق قوله، أن البلدية تنفذ جولات وتكتب مخالفات قد تصل إلى مليونين ونصف مليون ليرة سورية، لكنه يرى أن المسؤولية لا تقع على طرف واحد.
وأوضح أن جزءًا من المسؤولية يقع على صاحب المحل الذي يشغل الرصيف، لكن على البلدية أيضًا أن تهيئ الأرصفة وتوفر مساحة صالحة للمشي قبل مطالبة الجميع بالالتزام الكامل.
ويعتقد عيد أن الحل يجب أن يرضي الطرفين ويأتي بالتدريج، مشيرًا إلى أن البلدية تواجه ملفات خدمية كثيرة، بينها القمامة والطرقات، وأن الإمكانيات الحالية لا تبدو كافية لمعالجة كل المشكلات دفعة واحدة.

حملة بلا متابعة كافية
نور معضماني، قال لعنب بلدي إن الناس تضطر إلى المشي بين السيارات، وهو ما يعرضهم للخطر، خصوصًا الأطفال.
وأشار إلى أن دوريات الأمن العام أو البلدية تخرج أحيانًا لإخلاء الأرصفة، فتختفي البسطات والطاولات مؤقتًا، لكنها تعود بعد ساعات أو في اليوم التالي.
وبرأيه، لا تكفي جولة واحدة لمعالجة المشكلة، بل تحتاج إلى متابعة مستمرة، وإلى شعور من أصحاب المحال بأن الرصيف مساحة عامة لا يحق لأحد احتكارها.
ويرى معضماني أن وضع بعض الأغراض أمام المحل ضمن مساحة صغيرة قد لا يسبب ضررًا كبيرًا، لكن إشغال الرصيف كاملًا، أو تجاوزه إلى الطريق، يحرم المشاة من حقهم ويشوّه المشهد العام.
وقال إن البداية يجب أن تكون بالتنبيه والكلام الجيد، ثم المخالفة، وبعدها التشدد بالعقوبة المالية عند تكرار المخالفة، معتبرًا أن “الكلمة الطيبة” مهمة، لكنها لا تكفي دائمًا من دون تطبيق.
أما طارق دحلة فقال إن أغلب الأرصفة مشغولة، سواء من محال الخضار أو محال الإطارات أو غيرها.
وأوضح أن بعض أصحاب المحال يرفعون بضائعهم عندما يعلمون أن البلدية ستنفذ دورية، ثم يعيدونها إلى الرصيف بعد مغادرة الدورية.
ويرى دحلة أن المشكلة لا تحل بدورية مؤقتة، بل بتعاون أصحاب المحال والأهالي والبلدية معًا، حتى تصبح الأرصفة متاحة للمشاة بشكل دائم، لا خلال فترة وجود الرقابة فقط.

أصحاب محال: نلتزم لكن نحتاج خدمة
في المقابل، يرى أحد أصحاب المحال في داريا أن الطرقات والأرصفة نفسها غير مهيأة كما يجب، وأن مطالبة أصحاب المحال بعدم إشغال الأرصفة يجب أن تقترن بتحسين واقع الشوارع وتنظيم الأرصفة.
وقال لعنب بلدي إنه يؤيد عدم إشغال الرصيف، لكنه يرى أن البلدية مطالبة أولًا بتأمين رصيف صالح للمشي وشارع مخدّم، قبل فرض الالتزام الكامل على المحال.
وأضاف أن بعض أصحاب المحال يعيدون بضائعهم إلى الخارج بعد انتهاء الحملة، وهو سلوك يحتاج إلى احترام أكبر للقانون من الجميع، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة التعامل “بالعقل” ومنح الناس وقتًا للتأقلم مع الإجراءات.
وأشار إلى أن مشكلات داريا لا تقتصر على الأرصفة، بل تشمل الحفر والكهرباء والمياه والقمامة وسلوكيات بعض السكان، مثل رمي النفايات في الشارع أو قرب الحاويات لا داخلها.
ويرى صاحب المحل أن الالتزام يجب ألا يأتي فقط خوفًا من البلدية، بل من شعور الناس بأن المدينة لهم، وأن الحفاظ على الأرصفة والنظافة جزء من احترام البلد.

أرصفة ضيقة وبضائع خارج المحال
قال أحد السكان لعنب بلدي إن البلدية خرجت في حملة على المحال، فرتب أصحاب المحال أغراضهم مؤقتًا، لكن بعضهم أعادها إلى الخارج بعد ذهاب الدورية.
وبرأيه، فإن بعض أصحاب المحال يعرضون بضائعهم خارج المحل لأن “طبيعة السوق” تتطلب ذلك، خصوصًا محال الخضار والفواكه التي تحتاج إلى عرض أصناف كثيرة أمام الزبائن.
لكن هذا التبرير يصطدم، بحسب شهادات السكان، بحاجة المشاة إلى مساحة آمنة، خاصة في الشوارع التي لا تملك أرصفة واسعة أو التي تشهد حركة سيارات مستمرة.
ويقول أحد الأهالي إن المشكلة لا تتعلق بالبضائع فقط، بل أيضًا باصطفاف السيارات في أماكن يفترض أن تكون مخصصة للمشاة، معتبرًا أن معالجة إشغالات الأرصفة يجب أن تكون جزءًا من تنظيم أوسع للطرقات ومواقف السيارات.

تنظيم يحتاج إلى توازن
تظهر غالبية الشهادات التي أفاد بها السكان تأييدًا لقرار البلدية بإزالة إشغالات الأرصفة، لأنه يعيد للمشاة حقهم في مساحة آمنة، كما لا يرفض بعض أصحاب المحال مبدأ التنظيم، لكنهم يربطونه بتهيئة الأرصفة والشوارع وتطبيق تدريجي وواضح.
وكانت بلدية داريا أصدرت، في 8 من شباط 2026، إنذارًا لأصحاب المحال التجارية والبسطات، ألزمتهم فيه بإخلاء الأرصفة من جميع الإشغالات خلال مدة أقصاها 72 ساعة، في إطار تنظيم استخدام الأرصفة العامة المخصصة لعبور المشاة، ومنع التعدي عليها لأغراض تجارية أو خدمية.
وجاء الإنذار بعد شكاوى متكررة من سكان في داريا حول إشغال الأرصفة في الشوارع الحيوية والمناطق التجارية، إذ تتحول مساحات مخصصة للمشاة إلى امتداد للمحال أو أماكن لعرض البضائع، ما يضطر الأهالي إلى السير في الشارع العام وسط حركة السيارات والدراجات النارية.
وبحسب من التقتهم عنب بلدي، فإن إزالة الإشغالات وحدها غير كافية ما لم تترافق مع تهيئة أرصفة صالحة للمشي، ورقابة مستمرة، وتعاون من أصحاب المحال والسكان، بحيث لا يبقى الرصيف مساحة متنازعًا عليها بين البضائع والسيارات والمشاة.
