كلما اضطر راتب الحافي إلى الانتقال من مكان إلى آخر خلال نزوحه عن مدينة داريا، كانت أبقاره تنتقل معه. يحمل الأنابيب والشبك وألواح الصاج، ويعيد بناء مأوى لها في المكان الجديد، ثم يفككه عند الانتقال مرة أخرى.
خرج الحافي من داريا ومعه نحو 16 بقرة، لكنه عاد إلى المدينة بأربع فقط. ورغم تقلص قطيعه، لم يترك المهنة التي تعلمها من والده منذ طفولته، ولا يزال يعمل في تربية الأبقار وحلبها، وإن كان يرى أن مردودها اليوم بالكاد يكفي للاستمرار.
ويصف الحافي حال المهنة لعنب بلدي بعبارة «بتستر صاحبها»، موضحًا أن تكاليف التربية والعلاج، إلى جانب أسعار الحليب، تجعل تحقيق ربح جيد أمرًا صعبًا.
أبقاره رافقته خلال النزوح
نشأ راتب الحافي في منزل اعتادت أسرته تربية الأبقار فيه، وتعلم رعايتها من والده، قبل أن يتولى العمل بعد وفاته.
«وعيت على الدنيا عند أهلي بهذا الطرش»، يقول الحافي، مستخدمًا التعبير المحلي الذي يشير به إلى الأبقار التي نشأ بينها.
ولم تنقطع علاقته بالمهنة حتى عندما عمل في مجال آخر، إذ ظل يعتني بأبقاره ويواصل تربيتها.
وخلال سنوات النزوح عن داريا، واجه صعوبة في تأمين مكان ثابت لإيوائها، فاشترى أنابيب وشبكًا وألواح صاج، وصنع منها مأوى مؤقتًا يمكن تفكيكه ونقله.
ويصف ذلك المأوى بأنه شبيه بالخيمة، ويقول: «وين ما نروح ننقلهم معي».
كان يعيد تركيب المأوى في كل مكان ينتقل إليه، لتبقى الأبقار معه رغم تغير ظروف إقامته.
لكن عددها تراجع خلال تلك السنوات، فمن نحو 16 بقرة خرج بها من داريا، لم يبق معه عند العودة سوى أربع.
ومع ذلك، واصل تربيتها بعد العودة إلى المدينة، مستفيدًا من بعض التغييرات التي جعلت العمل اليومي أسهل مما كان عليه في زمن والده.
من الحلب باليد إلى الآلات
يتذكر الحافي الأيام التي كان يحلب فيها الأبقار يدويًا بمساعدة أفراد أسرته، قبل أن تدخل آلات الحلب إلى عمله.
ويقول إن حلب الأبقار كان يستغرق نحو ساعتين صباحًا، بينما أصبح ينهيه باستخدام الآلات خلال نصف ساعة إلى ساعة.
ورغم الوقت والجهد اللذين توفرهما الآلات، لا يزال يفضل الحلب باليد، ويعتقد أن الحليب الناتج عنه أفضل.
ولم تقتصر التغييرات على طريقة الحلب، إذ أصبحت أرضية المكان إسمنتية بعدما كانت ترابية في أيام والده، كما بات يستخدم عربات أكبر، ما سهّل عليه نقل المواد اللازمة للعمل وتنظيف المكان.
أما بيع الحليب، فلم يتغير كثيرًا بالنسبة إليه. فما زال جامع الحليب يأتي إلى منزله لأخذ الإنتاج ونقله إلى المعمل، بينما يشتري بعض الجيران حاجتهم منه مباشرة.
ويقول الحافي إن ابن عمه يعمل في جمع الحليب، ويأتي لأخذ إنتاجه إلى جانب الحليب الذي يجمعه من مربين آخرين.

مرض بقرة قد يستهلك مردود أشهر
رغم التسهيلات التي وفرتها المعدات الحديثة، يرى الحافي أن تربية الأبقار أصبحت مكلفة، خصوصًا عندما تمرض إحداها.
وبحسب الأسعار التي يذكرها، يتراوح ثمن البقرة بين 40 و50 مليون ليرة سورية (نحو 2900 و 3600 دولار )، بينما قد تتطلب إصابتها بمرض نفقات علاج تبدأ من سبعة أو ثمانية ملايين ليرة، وتصل أحيانًا إلى 15 مليونًا.
ويروي أنه قبل نحو 20 يومًا من المقابلة، مرضت بقرة كان قد رباها منذ أن كانت عجلة.
ويقول إنها أصيبت بمرض وصفه بأنه الحمى القلاعية، وولدت قبل موعدها بخمسة أو ستة أيام، ثم توقفت عن الأكل وبدأ بطنها ينتفخ.
وبعد تدهور حالتها، باعها الحافي، ويذكر أن مشتريها استعان بطبيب بيطري أجرى لها عملية لعلاج مشكلة في المنفحة، لكنها ذُبحت بعد أربعة أيام.
ويعبر الحافي عن عدم رضاه عن بعض التشخيصات والعلاجات البيطرية التي واجهها، معتبرًا أن الخطأ في التعامل مع مرض البقرة قد يكلف المربي مبالغ كبيرة.
ويشكو أيضًا من تراجع جودة الأعلاف المتاحة مقارنة بما اعتاد استخدامه سابقًا، ويشتبه في خلط بعض أنواع النخالة بمواد أخرى.
كما يتحدث عن مخاطر ابتلاع الأبقار أجسامًا معدنية قد تصل إليها مع العلف أو التبن، ويقول إن اكتشاف هذه الأجسام قبل تقديم الطعام ليس سهلًا عندما تخلط الأعلاف وتجرش بكميات كبيرة.
وبالنسبة إليه، فإن مرض بقرة واحدة قد يضع المربي أمام نفقات يصعب تعويضها من بيع الحليب.
الحليب لا يحقق الربح الذي ينتظره
يبيع الحافي كيلو الحليب لجامعه بسبعة آلاف ليرة سورية، بينما يحصل على 7500 ليرة عند بيعه مباشرة للجيران (أي قرابة نصف دولار)، بحسب الأسعار التي ذكرها لعنب بلدي.
ويتذكر أن سعر كيلو الحليب قبل الحرب كان يتراوح بين 30 و35 ليرة سورية، عندما كان سعر صرف الدولار نحو 45 ليرة.
ويرى، استنادًا إلى مقارنته بين الأسعار وقيمتها بالدولار، أن الحليب أصبح أقل قيمة مما كان عليه سابقًا.
ولا يعتبر أن بيع الحليب وحده يحقق ربحًا جيدًا، خصوصًا مع تكاليف الأعلاف والعلاج والرعاية اليومية.
ويقول إن ولادة عجل أو عجلة تمثل بالنسبة إليه الربح الذي ينتظره خلال السنة، بينما يساعده دخل الحليب على مواصلة العمل وتغطية جانب من نفقاته.
ومع ذلك، لا يرى الحافي أن تربية الأبقار مهنة يصعب على الجيل الجديد تعلمها، لكنه يشدد على ضرورة توفير مكان مناسب والاهتمام بخدمة الأبقار ورعايتها.
«بتستر صاحبها»
يقول الحافي إن بيع الحليب لم يكن يقتصر على تسليمه إلى المعامل، إذ كان كثير من الزبائن يقصدون منازل المربين لشرائه، بينما يجول باعة الحليب في الأحياء، ويخصص بعضهم يومًا من الأسبوع لكل حارة.
وكانت أسرته تعد من الحليب منتجات أخرى، بينها القشطة و«الشوندور»، الذي يحضر من الحليب الأول الذي تنتجه البقرة بعد الولادة، ويسميه الحافي «الصمغة».
ويقول إن الأسرة كانت تعد «الشوندور» وتوزعه على الجيران، بينما تجمع القشطة من سطح الحليب بعد تركه حتى صباح اليوم التالي.
لكن إعداد القشطة توقف في منزله منذ ما قبل الحرب، بعدما أصبح جامع الحليب يأتي صباحًا ومساءً لأخذ الإنتاج، دون أن يبقى الحليب حتى اليوم التالي كما كان يحدث سابقًا.
واليوم، بعد سنوات النزوح والعودة إلى داريا، لا يزال الحافي يعتني بأبقاره ويحلبها ويبيع إنتاجها، مستمرًا في العمل الذي تعلمه من والده.
وعندما يتحدث عن مردود المهنة، يختصر تقييمه لها بعبارة «بتستر صاحبها»، لكنه لا يرى أنها تحقق منفعة اقتصادية جيدة في ظل تكاليف التربية وأسعار الحليب الحالية.

