تخرجت ليان هذا العام في اختصاص التصوير الطبي (الأشعة) بتقدير ممتاز، لكنها لم تتمكن من العثور على وظيفة مناسبة، وانتهى بها البحث إلى العمل في محل للألبسة بمدينة داريا، بعيدًا عن المجال الذي أمضت سنوات في دراسته.
وتتشابه تجربتها مع تجارب شباب وشابات من المدينة يواجهون صعوبات في العثور على وظائف تناسب اختصاصاتهم الجامعية، سواء بسبب قلة الفرص التي يعرفونها داخل داريا، أو ضعف الأجور المعروضة، أو ارتفاع تكاليف التنقل إلى أماكن العمل خارجها.
وفي لقاءات مع عنب بلدي، تحدث خريجون وطلاب جامعيون عن اضطرار بعضهم إلى قبول أعمال خارج اختصاصاتهم، أو البحث عن وظائف في دمشق، بينما يتجه آخرون إلى العمل الحر عن بعد لتجنب المواصلات وتكاليفها.
وتختلف العقبات باختلاف الاختصاصات؛ ففي حين يرتبط عمل بعض الخريجين بوجود مشافٍ ومراكز طبية، يواجه آخرون صعوبة في معرفة الشركات التي يمكنهم العمل لديها، أو الحصول على وظيفة تشترط خبرة لا يملكونها بعد التخرج.
شهادة جامعية ووظيفة في محل ألبسة
تقيم ليان في منطقة شواقة بداريا، وتقول إنها بحثت طويلًا عن عمل في مجال التصوير الطبي بعد تخرجها، لكنها وجدت أن بعض الفرص المتاحة بعيدة عن مكان سكنها.
وعثرت على فرص مرتبطة باختصاصها داخل المدينة، في عيادات الشفاء ومخبر الأسد، إلا أن الرواتب المعروضة كانت منخفضة، ولا تكفي، بحسب تقديرها، سوى لتغطية تكاليف المواصلات من منزلها إلى مكان العمل.
وبعد محاولات البحث، بدأت العمل في محل للألبسة، رغم عدم ارتباطه باختصاصها الجامعي.
وتقول ليان لعنب بلدي إن العمل خارج مجال دراستها يزعجها، خصوصًا بعد السنوات التي أمضتها في الدراسة والجهد الذي بذلته للحصول على تقدير ممتاز.
ولا تزال تأمل بالعودة إلى اختصاصها، وتنتظر افتتاح المشفى الوطني في داريا للبحث عن فرصة عمل فيه.
وتختلف تجربة إيمان سمرة، المتخصصة في التخدير والمقيمة أيضًا في شواقة، إذ تمكنت من العمل في مجال دراستها، لكن خارج المدينة، ما جعل المواصلات جزءًا أساسيًا من حساباتها اليومية.
ربع الراتب للمواصلات
تعمل إيمان حاليًا في المشفى الطبي الأمريكي، الذي تعتبره أقرب المشافي المناسبة لعملها إلى داريا، لكنها تقول إن الوصول إليه من منطقة شواقة يتطلب وقتًا طويلًا وتكاليف مرتفعة.
وتوضح لعنب بلدي أنها تنفق نحو ربع راتبها شهريًا على المواصلات، وتضطر إلى الاستيقاظ عند الساعة السادسة صباحًا لتتمكن من الوصول إلى دوامها في الوقت المحدد.
وتضيف أن الوقت الذي تقضيه في الذهاب إلى العمل والعودة منه يزيد ساعات انشغالها اليومية، إلى جانب طبيعة العمل داخل المشفى.
ولم تكن المواصلات عقبتها الوحيدة، إذ تقول إن اختصاص التخدير يتطلب العمل في المشافي وغرف العمليات، وإن عدم توفر فرص مناسبة داخل داريا دفعها إلى البحث خارج المدينة.
وبعد تخرجها، اضطرت إلى تأجيل فترة تدريبها عامًا كاملًا، بسبب عدم تمكنها من العثور على مشفى تتدرب فيه، إلى جانب صعوبات التنقل.
وحصلت لاحقًا على فرصة عمل في مشفى الشامي، لكنها رفضتها بسبب بعد المسافة، وعملت في مشفى الفيحاء قبل انتقالها إلى مكان عملها الحالي.
وكانت إيمان قد عملت أيضًا سكرتيرة في عيادات الشفاء بداريا، وهي وظيفة لا ترتبط باختصاصها، لكنها أتاحت لها العمل بالقرب من منزلها.
وتوضح تجربتها أن الحصول على وظيفة في الاختصاص لا ينهي بالضرورة الصعوبات التي يواجهها الخريجون، إذ قد تجعل كلفة التنقل والوقت الذي يستغرقه الوصول إلى العمل الاستمرار فيه مرهقًا.
فرص غير معروفة داخل المدينة
في مجال التصميم الغرافيكي، تواجه هديل محمود مشكلة مختلفة، تبدأ من عدم معرفتها بوجود شركات محلية يمكنها العمل لديها في اختصاصها.
وتقول هديل لعنب بلدي إنها تبحث باستمرار عن فرص خارج داريا، لأنها لا تعرف شركات متخصصة في التصميم الغرافيكي داخل المدينة.
ولا تجزم بعدم وجود مثل هذه الشركات، لكنها ترى أن ضعف الإعلان عن الفرص، إن كانت متوفرة، يجعل الوصول إليها صعبًا.
وتضيف أنها لا تملك معلومات كافية عن طبيعة الوظائف التي قد تقدمها الشركات المحلية أو الرواتب المعروضة فيها.
أما العمل في دمشق أو المناطق المحيطة بداريا، فيضعها أمام مشكلة المواصلات، التي تقول إن تكلفتها قد تصل إلى نصف الراتب في بعض الفرص.
ولا تقتصر المشكلة، بحسب هديل، على الأجور، إذ يستغرق الذهاب إلى العمل والعودة منه وقتًا طويلًا، ما يجعل تقييم الوظيفة مرتبطًا بمكانها والراتب الذي تقدمه، وليس بمدى ملاءمتها لاختصاصها فقط.
ولهذه الأسباب، تفضل هديل البحث عن فرص للعمل الحر عن بعد، تتيح لها الاستمرار في التصميم الغرافيكي من دون تحمل تكاليف التنقل اليومية.
العمل عن بعد
لا يقتصر التفكير بالعمل عن بعد على الخريجين الذين واجهوا صعوبات في سوق العمل، بل يشمل طلابًا جامعيين يخططون لخياراتهم المهنية قبل التخرج.
يعمل ضياء، طالب السنة الثالثة في الهندسة المعلوماتية، في مكتبة داخل داريا، اختارها لقربها من مكان سكنه وإمكانية التوفيق بين العمل والدراسة.
ويقول لعنب بلدي إنه لا يبحث حاليًا عن وظيفة في اختصاصه داخل المدينة، لاعتقاده أن الفرص المتاحة في هذا المجال محدودة.
ويخطط بعد التخرج للبحث عن عمل حر عن بعد، لأنه يراه خيارًا أنسب من حيث الأجر، وإمكانية العمل في مجال دراسته، وتجنب تكاليف المواصلات.
وبينما تعتمد هديل على العمل عن بعد كبديل عن الوظائف التي تتطلب التنقل يوميًا، ينظر ضياء إليه باعتباره خيارًا مهنيًا يمكن أن يبدأ به بعد إنهاء دراسته الجامعية.
شرط الخبرة يمنع بداية العمل
على خلاف ليان وإيمان وهديل، لا ترتبط العقبة الأساسية التي تواجه ريم، خريجة طب الأسنان منذ ثلاث سنوات، ببعد مكان العمل وحده، بل باشتراط الخبرة السابقة وعدم توفر شواغر في العيادات التي راجعتها.
وتقول ريم لعنب بلدي إنها بحثت عن وظيفة في داريا ومنطقة الفحامة، لتجنب تكاليف المواصلات وصعوبة التنقل، لكنها لم تتمكن حتى الآن من العثور على فرصة.
وبحسب ريم، طلبت معظم المراكز والعيادات التي تقدمت إليها خبرة سابقة، فيما أبلغتها عيادات أخرى داخل داريا بوجود عدد كافٍ من الأطباء وعدم توفر شواغر جديدة.
وتضيف أن بعض العيادات وعدتها بالتواصل معها عند توفر فرصة، لكنها لم تتلق ردًا حتى الآن.
ولا تستطيع ريم افتتاح عيادة خاصة بسبب عدم توفر الإمكانات المادية اللازمة، لذلك تواصل البحث عن عمل لدى أطباء ومراكز أخرى.
ومع استمرار البحث، تقول إنها أصبحت مستعدة لقبول وظائف بشروط مختلفة، بما فيها العمل مساعدة لطبيب أسنان، رغم حصولها على الشهادة الجامعية واستعدادها للعمل في اختصاصها.
وتأمل ريم أن تتيح العيادات والمراكز الطبية فرصًا للخريجين الجدد لاكتساب الخبرة العملية، بدل اشتراط امتلاكها قبل التوظيف، حتى يتمكنوا من بدء حياتهم المهنية.
