خلال العامين الأخيرين، عادت عشرات العائلات إلى مدينة داريا بعد سنوات من اللجوء في تركيا ومصر ودول أخرى، لتجد نفسها أمام تحد لا يقل تعقيدًا عن قرار العودة نفسه، وهو تعليم الأبناء.
شهادات الأهالي، الذين التقت بهم عنب بلدي، تشير إلى أن الانتقال إلى المدارس لم يكن سلسًا، بل رافقته فجوة واضحة بين المناهج التي درسها الطلاب في الخارج والمنهاج السوري، إلى جانب اختلاف أساليب التدريس، واكتظاظ الصفوف، ونقص الكوادر، وتعقيدات إدارية تتعلق بالمعادلات ونقل القيود.
كما شكلت كلفة المدارس الخاصة عائقًا أمام معظم الأسر العائدة.
صدمة المنهاج.. خصوصًا في البكالوريا
أبو عمر شريدي، الذي عاد إلى داريا في تموز 2025 بعد سنوات في تركيا، يتحدث عن فجوة واضحة بين ما درسه أبناؤه هناك والمنهاج السوري.
كانت ابنته في الصف الحادي عشر، وابنه في الثامن، في مدارس عربية خاصة خارج سوريا.
بعد العودة، واجهت ابنته، التي أصبحت في البكالوريا، ضغطًا كبيرًا منذ الأيام الأولى. يقول والدها إن “المنهاج السوري مكثف جدًا وصعب، خصوصًا للبكالوريا”، مشيرًا إلى كثافة الكتابة، وتعقيد المسائل، وصعوبة اللغة العربية مقارنة بما اعتادته في تركيا.
ويضيف أن الصدمة لم تكن في مادة بعينها، بل في حجم العبء العام، معتبرًا أن الطالب يحتاج تأسيسًا قويًا قبل الدخول في المنهاج السوري، وإلا سيتحول الانتقال إلى ضغط نفسي مباشر.
هيثم شريدي، العائد قبل عام، يروي تجربة مشابهة مع ابنه الذي درس الصفوف الثلاثة الأولى في إسطنبول.
احتاج الطفل إلى دعم مكثف في اللغة العربية خلال الصيف حتى يتمكن من متابعة الصف الرابع دون إعادته سنة دراسية للوراء.
“في فرق كبير بطريقة الشرح والامتحانات”، يقول، موضحًا أن الانتقال لم يكن بسيطًا حتى في المراحل الابتدائية.
اللغة والأسلوب.. فجوة تعليمية وقسوة تعامل
ندى، العائدة من إسطنبول منذ سبعة أشهر، ترى أن المشكلة الأعمق لم تكن في صعوبة المواد فقط، بل في أسلوب التعامل داخل الصف.
ابنتها الكبرى تابعت في البكالوريا دون إعادة سنة، بينما أعيدت شقيقتها من الصف السابع إلى السادس بسبب تاريخ الميلاد.
لكن ندى تقول إن بناتها واجهن صعوبة في التأقلم مع طريقة الشرح وأسلوب بعض المعلمات.
“لم نتوقع أن يكون الأسلوب بهذه القسوة”، تضيف السيدة، مشيرة إلى استخدام ألفاظ وصفتها بـ “النابية” من قبل بعض المعلمات بحق الطلاب.
راجعت ندى إحدى المعلمات بعد أن سمعت عبارات وصفتها بـ”غير المقبولة”، لتفاجأ برد مفاده أن الطلاب يتعاملون بطريقة سيئة أيضًا.
ترى ندى أن الطالب العائد ليس مسؤولًا عن هجرته، وأن المدرسة يفترض أن تراعي خصوصية من عاشوا سنوات في نظام تعليمي مختلف. “إذا المعلمة بتتعامل مع الطلاب باحترام، الطفل بيتعلم”، تقول.
هيثم شريدي يربط بين هذا الأسلوب وبين تراجع رغبة ابنه في الذهاب إلى المدرسة، مشيرًا إلى أنه وصل إلى مرحلة رفض الدوام بسبب “الكلام الكبير والسيئ”، ورغم تحسن اندماجه لاحقًا مع زملائه، بقيت تجربة البداية صعبة.
حنين وانكسار ثقة
الحنين إلى المدرسة السابقة عنصر متكرر في شهادات الأهالي.
تقول ندى إن بناتها “يشتقن جدًا لمدارسهن ورفاقهن” في تركيا، ويشعرن أنهن كن أفضل هناك من حيث الأداء والاستقرار النفسي.
وتؤكد أن الاندماج في داريا يحتاج وقتًا طويلًا، خاصة مع قلة عدد الطلاب العائدين، ما يجعلهم يشعرون بالاختلاف داخل الصف.
أبو عمر يشير إلى أن ابنته في البكالوريا أظهرت علامات ضغط واضحة في الأسابيع الأولى، فيما عبر أبناؤه عن رغبتهم في العودة إلى تركيا، ليس فقط بسبب صعوبة المنهاج، بل أيضًا بسبب الفارق في البيئة المدرسية والخدمات.
في المقابل، يقدم أحمد أبو اللبن تجربة مختلفة.
عاد أحمد من مصر قبل نحو عام، وسجل ابنه في الصف الأول مجددًا بناءً على نصيحة مديرة المدرسة، رغم أنه كان قد أنهى الصف الثاني.
يرى الرجل أن القرار ساعد الطفل على الاندماج مع رفاق جدد. “تحسن سلوكه هنا، ومعلمته متابعة بشكل ممتاز”، يقول، معتبرًا أن تجربة ابنه كانت إيجابية.
ضغط الصفوف ونقص الكوادر
إلى جانب الفجوة التعليمية، يشير الأهالي إلى ضغط عددي واضح في بعض الصفوف.
يقول أبو عمر إن إحدى المدارس تضم تسع شعب للصف التاسع، في حين تعاني المرحلة الثانوية من نقص في الكوادر.
ويذكر أن معلمة غابت نحو 12 يومًا دون وجود بديل، ما أدى إلى تراكم دروس، ثم طُلب من الطلاب الحضور قبل الدوام بساعة والبقاء بعده بساعتين لتعويض الفاقد.
كما يتحدث عن مشكلات خدمية، منها سوء الحمامات وعدم توفر التدفئة بشكل منتظم.
“ابنتي في التاسع كان لديهم تدفئة في بعض الأيام، لكن التي تدرس في البكالوريا لم يتم تركيب مدفأة في صفهم لحد اللحظة”، يقول أبو عمر.
هيثم بدوره يقارن بين بيئة المدارس في تركيا وداريا من حيث النظافة والتنظيم والدفء، معتبرًا أن البيئة المدرسية تؤثر مباشرة في نفسية الطالب.
