بدأت قصة مدرستي «داريا الغربية» في شواقة و«داريا الشرقية» في الدحاديل بدروس لأطفال نزحوا من مدينتهم خلال عام 2012، حين ظنت عائلات كثيرة أن الابتعاد عن داريا لن يستمر طويلًا.
لكن العمليات العسكرية والحواجز واستمرار النزوح جعلت العودة إلى المدارس القديمة بعيدة المنال، فتحولت المبادرات التعليمية المؤقتة، خلال عامين، إلى مدرستين حكوميتين تستقبلان مئات الطلاب من الصف الأول حتى التاسع.
حصلت المدرستان على موافقات مديرية تربية ريف دمشق، واعتمدتا المنهاج الرسمي والسجلات المدرسية والامتحانات العامة، لكن الصفة الحكومية لم توفر لهما بناءين مدرسيين مجهزين.
درس الأطفال في منزلين لم يُنشآ للتعليم، ووصل المدرسون والطلاب عبر طرق ترابية وحواجز أمنية، بينما تولى الأهالي والمعلمون جانبًا كبيرًا من تجهيز الصفوف ونقل المقاعد والكتب وتأمين السبورات والقرطاسية والمحروقات.
جاءت الحاجة إلى المدرستين في سياق موجات نزوح واسعة شهدتها داريا خلال النصف الثاني من عام 2012.
وبعد أحداث آب من ذلك العام، بدأت حملة عسكرية جديدة في 8 من تشرين الثاني استهدفت المدينة وبساتينها، وترافقت مع إغلاق الطرق واعتقالات عند المداخل، قبل أن تتسع موجة النزوح خلال الأسابيع التالية.
ووثقت عنب بلدي حينها خروج أعداد كبيرة من السكان إلى صحنايا وكوكب ودروشا ومناطق أخرى في محيط المدينة.
وعلى امتداد السنوات بين النزوح وبدء عودة الأهالي إلى داريا، لم يقتصر دور المدرستين على إبقاء الأطفال في التعليم، بل وفرتا مكانًا قريبًا من تجمعاتهم السكنية، وأعادتا إلى الصفوف أطفالًا انقطعوا عن الدراسة، وجنبتا آخرين المرور اليومي عبر الحواجز.
البداية في شواقة
كانت شواقة إحدى المناطق التي استقرت فيها عائلات نازحة من داريا. وهي منطقة زراعية غربي المدينة، بين جديدة عرطوز وصحنايا، يمتلك أهالي داريا قسمًا من أراضيها، لكنها لم تكن مهيأة لاستقبال تجمع سكاني واسع، ولم تكن المدارس قريبة من معظم العائلات التي انتقلت إليها.
كانت خديجة الشربجي، مدرسة اللغة العربية والمديرة اللاحقة لمدرسة «داريا الغربية»، من بين النازحين.
ومع خشية الأهالي من إرسال أبنائهم إلى مدارس المناطق المجاورة بسبب الحواجز الأمنية، بدأت خديجة مع شقيقتها بنان، مدرسة الرياضيات، بتدريس الأطفال، على أساس أن النزوح مؤقت وأن العودة إلى المدينة ستأتي سريعًا.
لكن الأشهر مرت، واتضح أن الحاجة إلى التعليم لن تنتهي مع بضعة دروس منزلية.
وخلال العطلة الصيفية عام 2013، أعلنت وزارة التربية دورات لتعويض الطلاب الذين لم يتمكنوا من متابعة الدراسة خلال العام السابق.
تقول خديجة لعنب بلدي إن القائمين على المبادرة نسقوا مع مدرسة «زيد بدران» في أشرفية صحنايا لإلحاق الطلاب بالدورة، لكن الوصول إليها بقي صعبًا بسبب الطريق والحواجز، فكان الحل أن يتلقى الأطفال الدروس في شواقة، ويذهبوا إلى المدرسة لإجراء الامتحانات.
التحق بالدورة، وفق تقدير خديجة، نحو 300 طالب من الصف الأول حتى السادس، ما فرض توسيع الفريق التعليمي.
وإلى جانب تدريس الأطفال، تولت تدريب معلمات حديثات العهد بالتعليم، بينما يتذكر محمد حسان الغزي، الذي عمل لاحقًا في المدرستين، مشاركة معلمة تدعى منال ضمن الفريق الأول.
واستند العمل في تلك المرحلة، بحسب خديجة الشربجي، إلى تفويض من الموجهة التربوية رويدا زين، وكان يُقدم كنشاط تعليمي مدعوم من وزارة التربية، وهو ما منح القائمين عليه غطاءً رسميًا في ظروف أمنية كانت تجعل أي تجمع أو نشاط عرضة للتعطيل.
من دورة صيفية إلى مدرسة حكومية
مع انتهاء الدورة الصيفية، بقي الأطفال في شواقة، ولم تعد العودة إلى مدارس داريا ممكنة، فبدأ العمل على تحويل المبادرة إلى مدرسة دائمة.
تذكر خديجة الشربجي الدكتور عارف الحو بوصفه من أبرز الداعمين لتأسيس المدرسة، بينما يقول الغزي إن حسن عبده طه وعبد العزيز حبيب شاركا في متابعة المشروع مع أبناء من المنطقة وبلدية داريا ومديرية التربية.
بقيت مشكلة المكان قائمة حتى أتاح عبد العزيز طه، المعروف بـ«أبو خالد»، استخدام بناء سكني يملكه مقرًا للمدرسة، وفق ما يرويه عامر شماشان، الذي كان يعمل مدرسًا للغة العربية في المدرسة ويشغل اليوم رئاسة المجمع التربوي في داريا.
وفي تشرين الأول 2013، افتتحت «مدرسة داريا الغربية المحدثة» رسميًا، وتولت خديجة الشربجي إدارتها بعد أن رفض آخرون المهمة بسبب الوضع الأمني، بينما عملت هاجر شحادة أمينة للسر وبدأت تأسيس السجلات المدرسية.
بدأ الدوام من الصف الأول حتى السادس، لكنه توسع سريعًا. فبعد نحو أسبوع، طالب الأهالي بإضافة المرحلة الإعدادية لأن أبناءهم الأكبر سنًا ظلوا مضطرين للذهاب إلى مدارس صحنايا، مع ما يرافق الطريق من مضايقات على الحواجز، ولا سيما للفتيات.
وبذلك امتد التعليم حتى الصف التاسع، وتشكل كادر لمختلف المواد، ضم في مراحل مختلفة عامر شماشان ومحمد حسان الغزي في اللغة العربية والاجتماعيات، وبنان الشربجي في الرياضيات، ومحمد أنس شربجي في الفرنسية، ودانيا أمون في الإنجليزية، ومها شعيب في التربية الدينية، وغياث سمرة في الفيزياء، إلى جانب معلمين آخرين تعاقبوا على المدرسة.
ويرى عامر شماشان أن الأسر النازحة كانت في ذلك الوقت أمام خيارين قاسيين: إبقاء أطفالها خارج التعليم، أو إرسالهم إلى مدارس بعيدة عبر طرق وحواجز لم يكن الوصول من خلالها مأمونًا.

بناء «مدرسة داريا الغربية المحدثة» في منطقة شواقة بداريا (أرشيف مدرسة داريا الغربية المحدثة حلقة أولى و ثانية – فيسبوك)

بناء «مدرسة داريا الغربية المحدثة» في منطقة شواقة بداريا (أرشيف خديجة الشربجي)

بناء «مدرسة داريا الغربية المحدثة» في منطقة شواقة بداريا (أرشيف خديجة الشربجي)
مئات الطلاب في منزل
تقول خديجة الشربجي إن «داريا الغربية» بدأت بنحو 800 طالب وطالبة، وارتفع العدد إلى قرابة 1200 مع نهاية العام الدراسي، وكان معظمهم من سكان شواقة وكوكب.
وتقدر أن أبناء داريا شكلوا نحو 95% من الطلاب في سنوات المدرسة الأولى، بعد تجمع عائلات كاملة في المنطقة، من بينها طه والسمرة ومعضماني وحمودة وقدرة يحيى والحو ونمورة ولطيفة والشربجي.
ولأن المدرسة افتتحت في العام التالي للنزوح، لم يكن الانقطاع طويلًا لدى معظم الأطفال، لكن الكادر لاحظ ضعفًا دراسيًا لدى بعضهم، فنظم دروس تقوية يومي الجمعة والسبت.
وفي عام 2015، التحق بالصف التاسع نحو 20 طالبًا كانوا قد انقطعوا عن الدراسة بعد الصف السادس، تقول خديجة إنهم تمكنوا من النجاح، وإن نسبة النجاح في شهادة التعليم الأساسي تجاوزت 80% في معظم الأعوام.
كانت المدرسة من الناحية الإدارية حكومية، لها قرار افتتاح وختم وسجلات، ويتقدم طلابها إلى الامتحانات الرسمية ويحصلون على شهاداتهم، لكن البناء ظل بعيدًا عن مواصفات المدرسة.
تقول أسماء قريطم، الموجهة في مدرسة شواقة (مدرسة داريا الغربية المحدثة)، ، إن بعض الغرف بقيت على «البلوك»، وإن الشعب كانت مكتظة، فيما كان السقف يسرب مياه الأمطار في الشتاء.
ويتذكر عامر شماشان ظهور الفئران أحيانًا داخل الصفوف، وتسرب الماء إلى الغرف، وبقاء أحذية الطلاب والمدرسين مبللة خلال ساعات الدوام.
ورغم ذلك، يربط شماشان استمرار المدرسة بوجود كادر متماسك، كان معظم أفراده يعملون بصفة وكلاء ويتلقون مردودًا ماليًا محدودًا، لكنهم، وفق قوله، تعاملوا مع التعليم بوصفه مسؤولية تجاه أطفال المدينة أكثر من كونه مجرد وظيفة.
سبورات محلية ومقاعد تعبر الحواجز
وصلت الكتب وبعض التجهيزات من مستودعات مديرية التربية، لكن الاحتياجات بقيت أكبر مما توفره المديرية. وتقول خديجة الشربجي إن الأهالي صنعوا سبورات من ألواح خشبية وطلوها باللون الأخضر، ثم وضعوها داخل الغرف.
أما المقاعد، فاحتاجت إلى رحلة منفصلة. يقول محمد حسان الغزي إن الموافقة صدرت على نقل 105 مقاعد من مدارس داخل داريا، لكنها وضعت أولًا في مدرسة «حسين زين» في صحنايا.
وعندما ذهب الفريق لاستلامها، وجد نحو 51 مقعدًا فقط، بعد توزيع البقية على مدارس تستقبل نازحين من داريا والحجر الأسود والسبينة ومناطق أخرى.
حُملت المقاعد في سيارة وعبرت حواجز تابعة للمخابرات الجوية والحرس الجمهوري، وساعدت الأوراق الرسمية وكون المقاعد ممتلكات حكومية على السماح بمرورها، وفق شهادة الغزي.
وتقول الشربجي إن بعض المنظمات التي حاولت المدرسة الحصول على دعم منها امتنعت عن المساعدة لأن البناء لا يتبع لمديرية التربية ومقام على أرض زراعية لا تسمح بوضع عقد إيجار رسمي، فسد أفراد من المنطقة جانبًا من النقص، وتذكر «أبو ياسر الأحمر» بين من قدموا الدعم.
وكان الوصول إلى المدرسة تحديًا آخر، إذ كانت معظم طرق شواقة ترابية وتتحول إلى وحل في الشتاء.
ومع ذلك، بقي وجود المدرسة داخل التجمع السكني أكثر أمانًا من إرسال الأطفال إلى صحنايا، خصوصًا أن الحواجز المحيطة بداريا ومناطق النزوح سجلت في تلك المرحلة اعتقالات متكررة لأبناء المدينة،ففي تشرين الأول 2013 مثلًا، وثقت عنب بلدي حملة اعتقالات في شواقة طالت 25 شخصًا من نازحي داريا.

طلاب وكادر «مدرسة داريا الغربية المحدثة» في منطقة شواقة بداريا (أرشيف مدرسة داريا الغربية المحدثة حلقة أولى و ثانية – فيسبوك)

طلاب وكادر «مدرسة داريا الغربية المحدثة» في منطقة شواقة بداريا (أرشيف مدرسة داريا الغربية المحدثة حلقة أولى و ثانية – فيسبوك)
مدرسة من الداخل وحواجز في الخارج
تصف خديجة الشربجي المدرسة بأنها كانت بالنسبة إلى الأطفال «وطنًا صغيرًا»، إذ وجدوا داخلها الصفوف والكتب وزملاءهم، بينما ارتبط ما وراء بابها بالحواجز والمضايقات والخوف من التوقيف.
ولم يكن المعلمون بعيدين عن ذلك، إذ يروي محمد حسان الغزي أن عناصر أمن أوقفوه مع آخرين خلال عملهم في شواقة واقتادوهم للتحقيق ساعات، رغم حيازتهم بطاقات امتحانية وأسئلة رسمية وتكليفات من مديرية التربية.
وتروي الشربجي حادثة مداهمة لقوات النظام السوري في أحد أيام الدوام، تقول إن الخوف خلالها انتشر بين الطلاب والأهالي، بينما حاولت إبقاء الأطفال هادئين وإقناع العناصر بالاكتفاء بتفتيش المعلمين.
وتضيف أن القوة اقتادت رجالًا من المنطقة وقتلت اثنين من أبناء داريا، من دون أن تحدد تاريخ الواقعة أو اسمي القتيلين، ولذلك تبقى هذه التفاصيل مستندة إلى شهادتها.
ومع السنوات تغيرت تركيبة المدرسة أيضًا. ففي عام 2015، تقدر الشربجي أن الطلاب القادمين من دير الزور شكلوا في إحدى المراحل نحو 20% من العدد الإجمالي، مع موجات النزوح الجديدة داخل سوريا.
وترى أسماء قريطم أن التعاون بين الإدارة والكادر كان من أسباب استمرار المدرسة رغم صعوبة المكان، بينما يقول عامر شماشان إن بعض طلاب «داريا الغربية» الذين انتقلوا لاحقًا إلى مدارس في صحنايا أو جديدة عرطوز حققوا نتائج جيدة، وإن مدارس استقبلتهم لاحظت مستواهم العلمي والسلوكي.
الحاجة تتكرر في الدحاديل
بعد نحو عام من افتتاح مدرسة شواقة، ظهرت الحاجة نفسها في بساتين داريا الشرقية، المعروفة بأرض «مشرّق» أو منطقة الدحاديل، حيث عاشت عائلات كثيرة مع أطفال يصعب عليهم الوصول إلى المدارس خارج المنطقة.
كانت الدحاديل قريبة من جبهة عسكرية، وتنتشر حولها الحواجز والكمائن، خصوصًا قرب معمل «آيس مان» والطريق الدولي، فيما اعتمد السكان على الشوارع الجانبية لتجنب الطرق التي تستخدمها دوريات الحرس الجمهوري.
يقول الغزي إن عدنان جمال الدين وسعيد مطر توليا إحصاء الأطفال، وقدر عددهم بأكثر من 400، ثم تابعا مع رابطة الفلاحين ومحافظة ريف دمشق ومديرية التربية لإحداث مدرسة.
ويضيف أن الأهالي كانوا يتداولون في تلك المرحلة مخاوف من تحويل أحد الأبنية إلى مقر لـ«حزب الله»، ما دفعهم إلى الإسراع في طلب استخدامه للتعليم.
عرض حكمت العزب، رئيس رابطة الفلاحين في المنطقة حينها وفق شهادة الغزي، عليه تولي إدارة المدرسة الجديدة بعد تجربته في شواقة. ويقول الغزي إن معلمين آخرين رفضوا المهمة بسبب الوضع الأمني، قبل أن يوافق هو عليها.
واختار زهير هدلة، مدير المجمع التربوي حينها وفق شهادته، اسم «مدرسة داريا الشرقية»، التي بدأت تستقبل الأطفال من الصف الأول حتى التاسع.

كادر «مدرسة داريا الشرقية المحدثة» في منطقة الدحاديل في داريا (أرشيف التعاونيات الإنتاجية الزراعية في سوريا – فيسبوك)

كادر «مدرسة داريا الشرقية المحدثة» في منطقة الدحاديل في داريا (أرشيف التعاونيات الإنتاجية الزراعية في سوريا – فيسبوك)

كادر «مدرسة داريا الشرقية المحدثة» في منطقة الدحاديل في داريا (أرشيف التعاونيات الإنتاجية الزراعية في سوريا – فيسبوك)
افتتاح المحدثة الشرقية
وثقت عنب بلدي، في 8 من أيلول 2014، افتتاح مدرسة ابتدائية تابعة لوزارة التربية في منطقة الدحاديل شرقي داريا.
وذكرت في خبر نشرته حينها أن محمد حسان العزي عُين مديرًا لـ«المحدثة الشرقية»، وأن 70 طالبًا سجلوا فيها خلال الأيام الأولى، مع استمرار إقبال الأهالي على التسجيل.
كما أشار الخبر إلى قرب المدرسة من الجبهة الشرقية التي كانت تشهد اشتباكات متكررة.
ويقول الغزي في شهادته الحالية إن التسجيل توسع سريعًا، فتجاوز 300 طفل خلال فترة قصيرة واقترب من 400، ثم بدأ الدوام بأكثر من 400 طالب قبل أن يرتفع العدد في السنوات اللاحقة.
ويقدر الغزي عدد الطلاب في إحدى المراحل بأكثر من 800، بينما تتذكر هاجر شحادة أن العدد بلغ في فترة ما ما لا يقل عن 1500 طفل.
موافقة التربية لم تكن كافية
حصل الغزي على تكليف من مديرية التربية بإدارة المدرسة، لكن ذلك لم يكن كافيًا لإدخال المقاعد والتجهيزات إلى المنطقة.
يروي أن مدير التربية خالد رحيمة كلفه بجلب مقاعد من داخل داريا، إلا أن الحواجز رفضت السماح بمرورها اعتمادًا على أوراق التربية وحدها، فاضطر الفريق إلى مراجعة مفرزة أمنية تابعة للفرع «215»، ثم مقر الفرع نفسه للحصول على موافقة منفصلة.
ويقول الغزي إن طلبهم قوبل بداية باتهامات وإهانات مرتبطة بكونهم من داريا، وإن المسؤولين تعاملوا مع المشروع باعتباره محاولة لإنشاء مؤسسة خاصة بأبناء المعارضة، قبل أن يتغير الموقف بعدما اتضح أن المدرسة حكومية وأن المقاعد ستنقل بأوراق رسمية.
وبعد وصول الموافقة، بدأ تجهيز بناء يملكه «أبو كمال الكوشك».
لم يكن المكان مدرسة، واحتاج إلى تنظيف الغرف وإصلاح النوافذ وتأمين المقاعد والطاولات، كما كان فيه مسبح داخلي غُطي بألواح خشبية لحماية الأطفال.
وتولت هاجر شحادة إعداد السجلات المدرسية بالتوازي مع التسجيل وتجهيز البناء، وهي مهمة تقول إنها استمرت عدة أشهر.
أطفال يعودون بعد سنوات من الانقطاع
لم يكن جميع الطلاب المنتسبين إلى «داريا الشرقية» قادمين مباشرة من مدارس أخرى، فبعضهم انقطع عن التعليم منذ 2012 بسبب النزوح والظروف الأمنية، وبعضهم بدأ العمل لمساعدة أسرته، فيما فقد آخرون أوراقهم أو تعذر عليهم إثبات تسلسلهم الدراسي.
أجرت الإدارة اختبارات لتحديد المستوى، وحاولت استكمال الوثائق الناقصة وإعادة كل طفل إلى الصف المناسب.
يقول الغزي إن المدرسة نجحت في إعادة الغالبية الساحقة من الأطفال الذين استهدفتهم، ويقول إن المعلمين كانوا يزورون منازل المتغيبين ويتحدثون إلى أسرهم لحثها على إعادة أبنائها.
ويتذكر أسرة تضم جدة وكنتين وعددًا من الأطفال، فيما كان رجال الأسرة معتقلين ولم يكن في المنزل ذكر يزيد عمره على ثماني سنوات.
ويقدر الغزي أن نحو ربع الطلاب كانوا أيتامًا أو فاقدي الآباء، بينما تتذكر شحادة أن وجود أطفال قتل آباؤهم أو اعتقلوا أو غابوا عن أسرهم كان من السمات الواضحة للمدرسة.
وفي السنة الأولى، ضم الصف التاسع نحو 23 أو 24 طالبًا، كان بعضهم منقطعًا عن الدراسة عامين.
نجح ستة منهم في السنة الأولى، ثم يقول الغزي إن نسبة النجاح ارتفعت إلى 60% في العام التالي و86.84% في السنة الثالثة.
كادر من مناطق مختلفة
بدأت المدرسة بمجموعة من المعلمين الجامعيين وأبناء المنطقة، ثم انضم إليها مدرسون وموظفون وضعتهم مديرية تربية ريف دمشق تحت تصرفها.
يتذكر الغزي من العاملين في المرحلة الأولى كاملة قاسم، ونوال الحسين، وعبد الرحيم العلي في الإدارة، وياسر خناق وشقيقتيه، وشقيقته لمياء الغزي، وحنان حبيب، إلى جانب معلمات من كفرسوسة.
أما الصف التاسع فتولى تدريس مواده جامعيون، بينهم حمزة خناق وثلاث شقيقات من عائلة وهبة، ومدرسون من عائلتي سرحان وشيخ رجب.
وظلت اللغة الفرنسية من المواد التي يصعب تأمين مدرس لها، فاستعانت المدرسة بمعلمة من عائلة طه كانت تعمل في شواقة، وتحضر يومين أسبوعيًا لتدريس الصفوف السابع والثامن والتاسع.
ويقول الغزي إن الإدارة دفعت أحيانًا أجرة انتقالها من مالها عندما لم يتوفر بدل للنقل.
وفي إحدى السنوات بلغ عدد العاملين نحو 45 شخصًا، وفق الغزي، وكان أربعة منهم فقط، بينهم هو وزوجته، من داريا، فيما جاء عدد كبير من المدرسين من دير الزور بعد موجات النزوح التي شهدتها المحافظة في 2015.

كادر «مدرسة داريا الشرقية المحدثة» في منطقة الدحاديل في داريا (أرشيف التعاونيات الإنتاجية الزراعية في سوريا – فيسبوك)

كادر «مدرسة داريا الشرقية المحدثة» في منطقة الدحاديل في داريا (أرشيف التعاونيات الإنتاجية الزراعية في سوريا – فيسبوك)
حكومية في سجلاتها.. أهلية في كثير من احتياجاتها
تقول هاجر شحادة إن المدرسة الشرقية كانت تطبق إجراءات المدارس الحكومية المعتادة من تسجيل ونقل وتحضير ودروس نموذجية، ويزورها موجهون من مديرية التربية، بينهم عبد الكريم أبو حمزة وندى عكاري.
كانت المديرية تؤمن الكتب ورواتب الساعات والوكلاء، لكن نقل المواد والمحروقات إلى أرض مشرق ظل مهمة يومية معقدة.
ويتذكر محمد حسان الغزي أن صهاريج المازوت كانت تتوقف عند الحواجز، وأن عناصر في بعضها كانوا يطلبون جزءًا من الحمولة للسماح لها بالمرور.
كما نُظمت دورات بالتعاون مع «يونيسف»، أتاحت لبعض المعلمين الحصول على تعويض مالي مقابل العمل يومين أسبوعيًا.
وسد المجتمع المحلي جانبًا من النقص، ويذكر الغزي بلال بدر و«أبو هيثم قباني» وأصحاب مطبعة القمر و«أبو عاطف غباش» و«أبو عدنان جمال الدين» بين من قدموا القرطاسية والسجلات أو أسهموا في نقل المعلمين وتأمين مستلزمات المدرستين.
وكانت المدرسة تستعين بوسائل نقل يمولها متبرعون لإيصال مدرسين يقيمون في صحنايا والأشرفية وجديدة عرطوز والمعضمية، لأن ما يتقاضونه لم يكن يكفي أجور التنقل اليومية.
الدوام تحت القصف والتفتيش
لم يبعد افتتاح المدرسة الخطر عن الطلاب. تتذكر شحادة مدفعًا رشاشًا منصوبًا قرب البناء، ودبابات تمر في المنطقة، وشظايا وقصفًا، كما كانت تخشى توقيف طلاب في الرابعة عشرة للاشتباه بأنهم أكبر عمرًا، لذلك احتفظت الإدارة بأوراق تثبت أعمارهم وصفوفهم.
وفي إحدى المرات، سقطت قذيفة هاون في حديقة المدرسة وانقطع الاتصال بالكادر نحو نصف ساعة.
لم تسفر القذيفة عن إصابات، لكن الغزي يقول إنه لم يستطع الوصول إلى زوجته وأبنائه أو بقية العاملين والطلاب، وظن أن البناء نفسه تعرض لإصابة مباشرة.
وتروي شحادة أن جهات أمنية كانت تدخل المدرسة دوريًا بحجة البحث عن أسلحة، من دون أن تعثر على شيء.
ومع استمرار المداهمات، لجأت الإدارة إلى إظهار الالتزام بالمراسم الرسمية في محاولة لتخفيف الضغط الأمني.
وتتذكر أن طالبًا اعترض على رسم ابنة عمه علم الدولة لأن والدها وعمه كانا معتقلين، فشرحت له أن الإدارة تستخدم مثل هذه المظاهر لحماية المدرسة والطلاب.
ونظمت المدرسة لاحقًا تدريبًا على تحية العلم والنشيد، ودعت ضباطًا من الحرس الجمهوري والفرقة الأولى وفرعين أمنيين لحضور نشاط مدرسي.
وتقول شحادة إن المداهمات انخفضت بعد ذلك، لكنها لم تتوقف.
ويضيف الغزي أن الإدارة طلبت أيضًا وضع صندوق اقتراع في المدرسة خلال انتخابات مجلس الشعب، في محاولة لإظهار المدرسة والمنطقة بوصفهما جزءًا من مؤسسات الدولة وتخفيف الضغط عن السكان.
المدرسة تغير الطريق أيضًا
لم يقتصر أثر «داريا الشرقية» على الصفوف، فقبل افتتاحها، كان كثير من سكان أرض مشرق يتجنبون الطريق الرئيسي الذي تستخدمه دوريات الحرس الجمهوري ويلجؤون إلى الشوارع الجانبية عند التنقل.
يقول الغزي إن الحركة اليومية للطلاب بدأت تغير هذا الواقع تدريجيًا، إذ صار الأطفال يعبرون الطريق في ذهابهم وإيابهم ويشترون حاجاتهم، ثم بدأت النساء والرجال باستخدامه على نحو أوسع.
وترافقت الحركة مع ظهور محال صغيرة لخدمة الطلاب، ويتذكر الغزي أن حدادًا من عائلة أبو بكر افتتح محلًا للمواد الغذائية ثم وسع بضائعه مع ازدياد عدد الأطفال والأهالي المارين في المنطقة.
ويرى أن المدرسة، إلى جانب دورها التعليمي، أعادت حركة مدنية يومية إلى طريق كان السكان قد تجنبوه بسبب الحواجز والدوريات.

طلاب «مدرسة داريا الشرقية المحدثة» في منطقة الدحاديل في داريا (أرشيف التعاونيات الإنتاجية الزراعية في سوريا – فيسبوك)
انتقال الإدارات والأبنية
بقي محمد حسان الغزي مديرًا لـ«داريا الشرقية» نحو ثلاث سنوات.
وبعد عودة خديجة الشربجي إلى التدريس، تولى إدارة مدرسة شواقة مدير من دير الزور يدعى عبد الرحمن، قبل أن يُقتاد إلى الخدمة الاحتياطية خلال مروره على أحد الحواجز، وفق رواية الغزي.
بعدها انتقل الغزي إلى إدارة «داريا الغربية»، رغم بعدها عن منزله في أرض مشرق، بينما تولت هاجر شحادة إدارة «الشرقية».
كانت المدرستان تعملان على فترتين، ويقدر الغزي عدد الشعب في الشرقية بنحو 20 شعبة، مقابل ما بين 22 و24 في الغربية، ويضع عدد الطلاب في تلك المرحلة عند نحو ألفين بين المدرستين، بواقع قرابة 1200 في الغربية و800 في الشرقية.
كما تنقلت «داريا الشرقية» بين ثلاثة أبنية، فبدأت في منزل “أبو كمال الكوشك” في أرض مشرق، وبقيت فيه نحو ثلاث سنوات، ثم انتقلت بعد أن طلب المالك استعادة البناء إلى مزرعة يملكها الدكتور زهير يحيى، وهي التي أصبحت لاحقًا «روضة الفيحاء».
ومع بدء عودة السكان إلى داريا انتقلت المدرسة مرة ثالثة إلى «مدرسة داريا الثامنة».
أما «داريا الغربية»، فلم يتوقف عملها عندما استعاد مالك البناء منزله في شواقة.
تقول خديجة الشربجي إن الطلاب والكادر انتقلوا إلى بناء قرب محطة القطار، وبقي اسم المدرسة مستخدمًا مع تخصيص مراحل للبنات وأخرى للذكور.
سجلات بقيت بعد مغادرة البيوت
تقول خديجة الشربجي إن السجلات التي بدأ إعدادها عند افتتاح «داريا الغربية» عام 2013 بقيت محفوظة، ولكل طالب رقم في السجل العام، ويمكن لخريجي المدرسة مراجعة الإدارة للحصول على تسلسلهم الدراسي.
وهذا ما يمنح تجربة المدرستين قيمة تتجاوز الصور والذكريات الشخصية، فقد تحولت دروس بدأت في منطقتين زراعيتين خلال النزوح إلى مدرستين تعملان ضمن مديرية التربية، وسجل فيهما طلاب، وتقدموا إلى امتحانات عامة، وانتقل بعضهم لاحقًا إلى مدارس أخرى أو تابع دراسته حتى الجامعة.
لكن الطريق إلى هذا المسار لم يكن طبيعيًا، فوجود مدرسة في شواقة أو الدحاديل احتاج إلى بيت يقدمه صاحبه، ومقاعد تنقل عبر الحواجز، وسبورات يصنعها الأهالي، ومعلمين يصلون يوميًا من مناطق متفرقة، وأوراق رسمية لم تكن تكفي أحيانًا من دون موافقات أمنية إضافية.
وبالنسبة إلى من أسسوا المدرستين وعملوا فيهما، بقيت التجربة مرتبطة بفكرة أبسط من كل ذلك: إبقاء أطفال داريا في الصف خلال سنوات كان الوصول إلى التعليم فيها جزءًا من صعوبة الحياة اليومية.

طلاب وكادر «مدرسة داريا الغربية المحدثة» في منطقة شواقة بداريا (أرشيف خديجة الشربجي)

طلاب وكادر «مدرسة داريا الغربية المحدثة» في منطقة شواقة بداريا (أرشيف خديجة الشربجي)

طلاب وكادر «مدرسة داريا الغربية المحدثة» في منطقة شواقة بداريا (أرشيف خديجة الشربجي)

طلاب وكادر «مدرسة داريا الغربية المحدثة» في منطقة شواقة بداريا (أرشيف خديجة الشربجي)
