لا يزال ضعف خدمات الهاتف الأرضي وشبكات الجوال يشكل أحد التحديات اليومية للسكان في داريا، في وقت تشهد فيه المدينة عودة تدريجية للأهالي بعد سنوات النزوح.
ومع تزايد الاعتماد على الاتصالات في المعاملات الرسمية، والتحويلات المالية، وأعمال الإنترنت، والتواصل مع الأقارب داخل سوريا وخارجها، يصبح انقطاع الإشارة أو ضعفها أكثر من مجرد إزعاج عابر.
هذا الواقع يرتبط بإرث ثقيل من الدمار، فوفق دراسة تقديرية أجراها قسم الدراسات في المجلس المحلي لمدينة داريا عام 2013، بلغت نسبة الدمار في قطاع الاتصالات نحو 90% خلال ذروة الحملة العسكرية التي بدأت عام 2012، نتيجة القصف الذي طال المقاسم والبنية التحتية، إضافة إلى سرقة الكابلات الرئيسية وأجزاء واسعة من الشبكات.
وبعد أكثر من عقد على تلك المرحلة، ما تزال آثارها ماثلة في عدد من الأحياء.
“نفتل داريا لنحكي مكالمة”
خلال جولة ميدانية أجرتها عنب بلدي يومي 23 و24 شباط الحالي في أحياء مختلفة من المدينة، عبر عدد من السكان عن معاناتهم مع ضعف الشبكة أو غيابها الكامل.
أحمد شيخ رجب، المقيم في منطقة فشوخ قرب جامع بلال منذ عودته من لبنان، قال إن الحي يفتقر أصلًا إلى شبكة هاتف أرضي وإلى تغطية مستقرة للجوال، مضيفًا أن إجراء مكالمة يتطلب أحيانًا التنقل بين الشوارع بحثًا عن إشارة.
ووصف الخدمة في منطقته بأنها “منفية”، في إشارة إلى انعدامها شبه الكامل.
محمد الحللي، الذي عاد إلى حي العباس بعد سقوط النظام السابق مباشرة، أشار إلى أن عددًا من الأبراج تعرض للسرقة خلال السنوات الماضية، ما انعكس سلبًا على التغطية.
وقال إنه تقدم بطلب للحصول على هاتف أرضي منذ فترة، “لكن لم يصل أي رد حتى الآن”، موضحًا أنه أُبلغ بأن الأولوية تمنح للمشتركين القدامى.
أما محمود سعدية، من سكان طريق المعامل، فقال إنه لا يملك هاتفًا أرضيًا، وإن تغطية الجوال ضعيفة جدًا، مضيفًا: “نفتل داريا لنحكي مكالمة”، في وصف لحال البحث المستمر عن نقطة تتوفر فيها إشارة مقبولة.
في المقابل، أشارت أم مروان، وهي من سكان ساحة شريدي، إلى أن شبكة الهاتف الأرضي متوفرة في منطقتها، إلا أن خدمة الجوال “ضعيفة جدًا”، ما يعكس تفاوتًا واضحًا في مستوى الخدمة بين حي وآخر.
تفاوت واسع بين الأحياء
حسان الحو، رئيس قسم الاشتراكات في داريا، أوضح لعنب بلدي أن شبكات الهاتف الأرضي تعرضت لدمار واسع خلال سنوات الحرب، إلى جانب سرقة الكابلات الرئيسية من معظم مناطق المدينة قبل سقوط النظام السابق، ما أدى إلى خلل كبير في توزيع الخدمة.
وبين الحو أن المدينة تنقسم حاليًا إلى عدة فئات من حيث واقع الشبكة الأرضية، فهناك مناطق مفتوحة تعمل فيها الخدمة، مثل البلدية، والفرن الآلي، والنكاش، وتربة النصارى، وطريق صحنايا.
في المقابل، توجد أحياء مغلقة بالكامل بسبب الكثافة السكانية أو محدودية العلب الهاتفية، بينها شريدي، والشاميات، والقابوني، والصخرة، والعباس، والكورنيش.
كما توجد مناطق لا تتوفر فيها شبكة هاتف أرضي حتى الآن، منها فشوخ، والمراح، وجامع الفارس، والدحاديل، وجامع بلال.
إضافة إلى ذلك، تشهد بعض الأحياء ضعفًا في الخدمة نتيجة الضغط الكبير وغياب الصيانة الشاملة.
وأشار الحو إلى أن خطة لمد خطوط ألياف ضوئية (فايبر) إلى المناطق المحرومة رفعت إلى الجهات المعنية، لكنها ما تزال في مرحلة الطلب المرفوع، من دون جدول زمني محدد للتنفيذ.
وأوضح أن إنجاز هذه الخطة يحتاج إلى وقت وإمكانات مالية وفنية، في ظل حجم الدمار الذي طال البنية التحتية.
انتظار غير محدد
بحسب الحو، يتم التقديم على الهاتف الأرضي مجانًا عبر طلب يرفق بطوابع رسمية وصورة عن الهوية وعنوان السكن، ويمنح الدور بحسب المنطقة وتوفر العلب الهاتفية.
أما تركيب الخط في المناطق المفتوحة، فيتم خلال يوم واحد بعد الموافقة، بينما لا يوجد وقت محدد لتركيب الخطوط في الأحياء المغلقة أو التي لا تتوفر فيها شبكة أساسًا.
وتُسدد الفواتير عبر المكتبات أو تطبيق “شام كاش”، ويمنح المشتركون مهلة عشرة أيام للدفع قبل إلغاء الاشتراك في حال عدم التسديد.
حاجة يومية لا ترف تقني
لا تقتصر آثار ضعف الاتصالات على صعوبة إجراء المكالمات الشخصية، بل تمتد إلى معاملات رسمية تعتمد على التواصل الهاتفي أو الإنترنت، وتحويلات مالية إلكترونية، وأعمال تجارية صغيرة تعتمد على تطبيقات التواصل، إضافة إلى متابعة الطلاب لدروسهم والمواد التعليمية عبر الشبكة.
في مدينة تحاول استعادة خدماتها الأساسية تدريجيًا، يشكل ملف الاتصالات أحد العناصر الجوهرية للاستقرار الخدمي، غير أن إعادة تأهيل الشبكة تبدو عملية معقدة، ترتبط بإرث من الدمار وسرقات الكابلات، وبضعف الإمكانات المتاحة حاليًا.
ومع غياب جدول زمني واضح لاستكمال أعمال التطوير، تبقى عودة الخدمة بشكل مستقر رهينة بخطط إعادة التأهيل وتوفير الموارد اللازمة، فيما يواصل السكان البحث عن إشارة، ولو لتمرير مكالمة واحدة دون انقطاع.
