تواجه بلدية داريا تحديات متراكمة على مستوى الخدمات والبنية التحتية، في مدينة لا تزال آثار الدمار الواسع الذي طالها خلال سنوات الحرب ماثلة في شوارعها وأحيائها، بالتزامن مع عودة تدريجية للسكان ومحاولات استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الخدمي.
في مقابلة أجرتها عنب بلدي معه في 18 من شباط الحالي، عرض رئيس بلدية داريا، رائد عبيد، أبرز التحديات التي تواجه المجلس المحلي، والخطط المطروحة لتحسين الواقع، في ظل إمكانات بشرية ومادية محدودة.
أقل من 10% من الكادر السابق
قال عبيد إن عدد موظفي البلدية قبل عام 2011 كان يتجاوز 300 موظف، بينما لا يتجاوز العدد حاليًا 30 موظفًا ضمن الملاك، أي أقل من 10% من الكادر السابق.
ويأتي هذا النقص في وقت تتطلب فيه إعادة تأهيل المدينة جهودًا مضاعفة، سواء في أعمال الصيانة أو التنظيم أو النظافة، ما يضع ضغطًا إضافيًا على الكوادر المتبقية.
وأشار رئيس البلدية إلى أن الآليات المتوفرة “شبه معدومة”، في مدينة تعرضت بنيتها التحتية لدمار واسع خلال الحملة العسكرية التي بدأت عام 2012، وأدت إلى تضرر المقاسم والطرق وشبكات الصرف، إضافة إلى سرقة أجزاء من الكابلات والمعدات خلال السنوات الماضية.
شبكة صرف قديمة ومناطق غارقة
في ملف الصرف الصحي، وصف عبيد الشبكة في داريا بأنها “معدومة تمامًا”، مشيرًا إلى أن أجزاء منها قديمة جدًا، ويعود بعضها إلى نحو 50 عامًا، إضافة إلى وجود مناطق تعتمد على قنوات قديمة، ما تسبب بغرق بعض الأحياء.
وتعاني المدينة من مشاكل متكررة في تصريف المياه، خاصة في الأحياء التي تضررت بنيتها التحتية بشكل كبير، ما ينعكس على الصحة العامة والبيئة.
أما الطرق والأرصفة، فأوضح عبيد أن الطبقة الإسفلتية “منتهية” نتيجة القصف وتقادم الزمن، وأن الأرصفة مخربة وبحاجة إلى إعادة تأهيل كاملة، في وقت يشهد فيه عدد من الشوارع حركة مرورية متزايدة مع عودة السكان وافتتاح محال وأعمال صغيرة.
خمسة عمال نظافة فقط
في ملف النظافة، قال رئيس البلدية إن الحاجة الفعلية تصل إلى نحو 150 عامل نظافة لتغطية المدينة، في حين لا يتوفر حاليًا سوى خمسة عمال فقط، ما يفسر تراكم النفايات في بعض المناطق وتأخر عمليات الجمع المنتظمة.
وأوضح أن البلدية تدرس خيار التعاقد مع متعهدين من القطاع الخاص لتأمين خدمة الكنس والتنظيف، في ظل نقص الكادر والآليات، مشيرًا إلى وجود وعود من محافظة ريف دمشق بتمويل بعض مشاريع النظافة من الموازنة المستقلة.
مشاريع مرتقبة في نيسان
على صعيد الخطط القادمة، كشف عبيد عن مشروع للصرف الصحي من المتوقع البدء بتنفيذه في شهر نيسان المقبل، ويشمل تنفيذ نحو 4500 متر من الشبكات، على أن تتبع هذه الأعمال عمليات تعبيد بالأسفلت مباشرة عند تحسن الأحوال الجوية.
وفيما يتعلق بالتنظيم العمراني، أشار إلى العمل على تنظيم “منطقة الخليج” والمناطق التي تعرضت لدمار كبير، إضافة إلى تنظيم “المنطقة الصناعية”، بهدف زيادة موارد البلدية من خلال التراخيص، وتحسين الواقع الخدمي عبر ضبط المخالفات وتنظيم الاستخدامات.
وتعد المنطقة الصناعية من المصادر المحتملة لتعزيز إيرادات البلدية، في ظل سعي عدد من الحرفيين وأصحاب الورش لإعادة تشغيل أعمالهم داخل المدينة.
استعادة الثقة والشفافية
مع عودة الأهالي تدريجيًا إلى داريا، يبرز ملف الثقة بين البلدية والسكان كأحد التحديات غير المباشرة.
وقال عبيد إن العمل جارٍ لتفعيل صفحة رسمية للبلدية وتعيين مسؤول إعلامي، بهدف استقبال الشكاوى وإطلاع المواطنين على الواقع “بكل شفافية”.
وأكد أن باب البلدية مفتوح أمام الأهالي، داعيًا المجتمع المحلي إلى التعاون، خاصة في حملات النظافة، في ظل ضعف الإمكانات مقارنة بحجم الدمار والاحتياجات.
وأضاف أنه وضع استقالته بتصرف المحافظ منذ اليوم الأول لتوليه المنصب، مؤكدًا أنه لا يمانع في ترك موقعه إذا وجد نفسه غير قادر على تقديم إضافة حقيقية أو إذا كانت البلدية تتراجع بوجوده.
تعافٍ تدريجي في مدينة مثقلة بالإرث
تشهد داريا، التي كانت من أكثر مدن ريف دمشق تضررًا خلال سنوات الحرب، عودة تدريجية للسكان وافتتاحًا محدودًا للمحال والمنشآت الخدمية، في وقت ما تزال فيه ملفات الطرق والصرف الصحي والنظافة والتنظيم العمراني مفتوحة على تحديات مالية وفنية.
ويقول رئيس البلدية إن مواجهة هذه التحديات تتطلب “جهدًا جماعيًا”، معتبرًا أن “يد واحدة لا تصفق”، في إشارة إلى الحاجة لتكاتف المجتمع المحلي مع المؤسسات الرسمية.
وفي ظل غياب موارد كافية وسرعة تنفيذ محددة لبعض المشاريع، يبقى تحسن الخدمات في داريا مرتبطًا بقدرة البلدية على تأمين التمويل وتنفيذ الخطط المعلنة، في مدينة تسعى لاستعادة الحد الأدنى من بنيتها الخدمية بعد سنوات من الدمار.
