يعمل سمير بكري باشا، المعروف بـ«أبو طلال»، في الخياطة منذ عام 1986، بعدما ترك المدرسة في الصف الثامن وبدأ تعلم المهنة.
ولا يزال سمير، المولود عام 1972، يمارس الخياطة في محله القريب من دخلة فرن محمد جمعة في مدينة داريا، حيث يعمل بمفرده ويساعده ابنه عند الحاجة.
وإلى جانب تفصيل الملابس، يجري أعمال التصليح ويبيع بعض القطع الجاهزة، بعدما تراجع إقبال الناس على التفصيل مقارنة بما كان عليه قبل سنوات.
يقول سمير لعنب بلدي إن حركة العمل اليوم خفيفة، وإنه يعتمد بصورة أساسية على زبائنه القدامى وكبار السن، بينما يتجه معظم الشباب إلى شراء الملابس الجاهزة، ولا سيما الجينز والكتان.
وخلال نحو أربعة عقود من العمل، عايش تغير أدوات الخياطة وأنواع الأقمشة والموديلات، إلى جانب انخفاض عدد الزبائن وتبدل طبيعة طلباتهم.
من العمل اليدوي إلى الآلات
عندما بدأ سمير تعلم المهنة، كانت مراحل عديدة من تفصيل الملابس تنجز يدويًا.
فكان الخياط يفتح عراوي الأزرار ويثبت الأزرار وينهي الحافة السفلية للبنطال بيده، قبل ظهور آلات مخصصة لهذه الأعمال.
ويقول إن تطور معدات الخياطة خفف العبء عن العاملين في المهنة، إذ أصبحت هناك آلات لفتح العراوي وتثبيت الأزرار وإنهاء أطراف البناطيل، ما اختصر الوقت والجهد اللازمين لإنجاز القطعة.
كما ظهرت طرق أخرى لإنهاء الحافة السفلية للبنطال، منها استخدام مادة لاصقة توضع على القماش وتثبت بالمكواة، إلا أن سمير لا يراها عملية مثل الخياطة التقليدية.
ويستغرق قص البنطال، بحسب تقديره، بين عشر دقائق وربع ساعة، بينما تحتاج خياطته وتجهيزه إلى ما بين 45 دقيقة وساعة، إضافة إلى نحو ربع ساعة للكي.
ويقول إن البنطال كان يحتاج إلى نحو ساعة ونصف أو ساعتين ليصبح جاهزًا، بما يشمل القص والخياطة وإنهاء الأطراف وتثبيت الأزرار وفتح العراوي.
أما تأخر التسليم في مواسم الأعياد، فلم يكن سببه الوقت اللازم لإنجاز القطعة الواحدة، بل كثرة الطلبات وتراكمها في المحال.

أقمشة وموديلات تغيرت مع الوقت
تغيرت أنواع الأقمشة المطلوبة خلال سنوات عمل سمير. ففي بداياته، كان قماش «الهوبساك» من الأنواع الرائجة، وكان يأتي بداية من اليابان، ثم من إندونيسيا، إلى جانب أقمشة الجبردين والجوخ.
واستُخدم أيضًا قماش البوليستر، الذي يتميز بسهولة غسله وعدم تجعده، لكنه لا يناسب بعض الأشخاص بسبب ارتفاع نسبة الألياف الصناعية فيه، وفق سمير.
أما حاليًا، فيستخدم أقمشة هندية يقول إن جودتها جيدة وسعرها مقبول.
وشهدت موديلات البناطيل الرجالية بدورها تغيرات متكررة، ففي التسعينيات، انتشرت البناطيل ذات الكسرات المتعددة من الأمام، إلى جانب الموديلات المزودة بكبك عند أسفل الساق.
وبعد ذلك ظهرت موديلات عرفت بين الخياطين والزبائن باسم «الفرزاتشي» و«المصري»، وكان الاختلاف بينها يظهر في شكل الجيوب وضيق البنطال عند الركبة واتساعه من الأسفل.
ويرى سمير أن بعض الموديلات القديمة بدأت تعود إلى السوق، لكن مع تعديلات تناسب الأذواق الحالية.
مواسم تبدأ قبل رمضان
كانت الأعياد والأعراس من أهم مواسم عمل الخياطين في داريا، ولا سيما خلال الفترة الممتدة من تسعينيات القرن الماضي حتى عام 2005 تقريبًا.
ويقول سمير إن الاستعداد لعيد الفطر كان يبدأ منذ شهر شعبان، وكانت بعض المحال تتوقف عن استقبال طلبات جديدة قبل دخول رمضان بسبب كثرة القطع الموجودة لديها.
ويتذكر أن المحل الذي تعلم فيه المهنة كان يشغّل أربعة عمال نهارًا وأربعة آخرين ليلًا خلال فترات الضغط، لتجهيز الملابس قبل موعد العيد.
وكان المحل ينجز في الأيام العادية ما بين عشر و12 قطعة يوميًا، بينما كان العدد يرتفع في مواسم الأعياد إلى نحو 30 قطعة في اليوم.
وإلى جانب الأعياد، كان فصل الصيف يشهد حركة أكبر بسبب كثرة الأعراس والمناسبات، إذ كان الرجال يقصدون الخياط لاختيار القماش والموديل وتفصيل الملابس بحسب قياساتهم.
ويقدّر سمير أن الإقبال على التفصيل في تلك الفترة كان يزيد على مستواه الحالي بنحو عشرة أضعاف أو أكثر.
الجاهز يقلل الطلب على التفصيل
يربط سمير تراجع العمل في محال الخياطة بانتشار الألبسة الجاهزة وتعدد خياراتها في الأسواق.
ففي السابق، لم تكن محال الملابس الجاهزة منتشرة كما هي اليوم، وكان معظم الرجال يتوجهون إلى الخياط لتفصيل قميص وبنطال أو بدلة «سفاري»، بعد اختيار القماش والموديل.
أما اليوم، فيفضل معظم الشباب شراء الجينز والكتان الجاهزين، بينما بقي التفصيل مطلوبًا لدى بعض كبار السن والزبائن الذين اعتادوا التعامل مع الخياط، إلى جانب من يحتاجون إلى ملابس بمقاسات محددة.
ولا تزال بدلات «السفاري» مطلوبة، بحسب سمير، لدى بعض الرجال في الخمسينيات والستينيات من العمر، بينما نادرًا ما يختارها الجيل الأصغر.
ويقول إن محل الخياطة كان ينجز في السابق عشر قطع أو أكثر خلال اليوم العادي، في حين قد لا يصل عدد القطع الجديدة اليوم إلى عشر خلال أسبوع كامل.
ويتوزع عمله حاليًا بين تفصيل الملابس وتصليحها، مثل تقصير البناطيل وتعديل مقاساتها، إلى جانب خياطة بعض الملابس النسائية.

التفصيل والجاهز في محل واحد
مع تراجع عدد الزبائن، لم يعد سمير يعتمد على التفصيل وحده، بل أضاف الألبسة الجاهزة إلى محله للمساعدة في تغطية نفقات المحل والأسرة.
ويمكن للزبون شراء قطعة جاهزة، أو اختيار قماش موجود في المحل وتحديد الموديل الذي يريده، ليأخذ سمير قياسه ويفصل القطعة له.
أما تفصيل بناطيل الجينز المشابهة للقطع المعروضة في الأسواق، فيحتاج إلى مراحل إضافية خارج محل الخياط.
ويوضح سمير أن قماش الجينز يقص ويخاط أولًا، ثم يرسل إلى مكان متخصص لمعالجته وإعطائه اللون والمظهر النهائيين.
وتجعل هذه المراحل تكلفة تفصيل الجينز قريبة من سعر شرائه جاهزًا، ما يدفع كثيرًا من الزبائن إلى اختيار القطع المتوفرة في الأسواق.
الكهرباء والغبار من مشكلات العمل
لا يواجه سمير مشكلة في الحصول على القماش، إذ يقول إن الأنواع اللازمة للعمل متوفرة في الأسواق.
لكن ضعف الخدمات في داريا يؤثر في عمله، ولا سيما الكهرباء التي تحتاج إليها آلات الخياطة والكي.
كما يشكل الغبار المتصاعد من الطرقات مشكلة للمحل والأقمشة الموجودة داخله.
ورغم أن الآلات الحديثة جعلت تنفيذ كثير من مراحل الخياطة أسهل، فإن انخفاض عدد الزبائن جعل حركة العمل أخف من السابق.
ويواصل سمير العمل في محله بمساعدة ابنه عند الحاجة، معتمدًا على زبائنه القدامى وكبار السن، وعلى الجمع بين التفصيل والتصليح وبيع الألبسة الجاهزة.
