تضغط أسعار لحوم الدجاج المرتفعة في داريا على قدرة كثير من الأسر على الشراء، وسط شكاوى متزايدة من السكان من اتساع الفجوة بين الدخل والأسعار، في وقت يعزو فيه باعة وأصحاب محال ومطاعم هذا الارتفاع إلى توقف الاستيراد، وارتفاع كلفة التربية في المداجن، وتراجع المعروض في السوق.
وخلال جولة أجرتها عنب بلدي في اليومين الماضيين في أسواق داريا، حضرت شكاوى الأهالي من أسعار الفروج بوصفها واحدة من أكثر الملاحظات تكرارًا، ليس فقط بسبب ارتفاع السعر، بل أيضًا بسبب تراجع الكميات التي تستطيع الأسر شراءها مقارنة بالفترات السابقة.
وقال أحد السكان إن كثيرًا من العائلات لم تعد قادرة على شراء الدجاج كما في السابق، مضيفًا أن محدودي الدخل هم الأكثر تأثرًا بارتفاع الأسعار.
ورأى آخر أن الغلاء لا يقتصر على مادة واحدة، بل يشمل مختلف الاحتياجات الأساسية، من الخبز والغاز إلى المازوت، ما يجعل شراء اللحوم أكثر صعوبة بالنسبة إلى عدد كبير من الأسر.
وفي وصف يعكس أثر الغلاء على الاستهلاك اليومي، قال أحد المواطنين إن الفروج كان أرخص بكثير في وقت سابق، مشيرًا إلى أن بعض العائلات التي كانت تشتري فروجًا كاملًا أو أكثر، باتت اليوم تكتفي بأجزاء قليلة منه، فقط لإضافة نكهة إلى الطعام.
وتظهر هذه الشهادات أن التغير لا يتعلق بارتفاع السعر وحده، بل أيضًا بانكماش الكمية التي تستطيع الأسرة شراءها، وتحول الدجاج من مادة شبه اعتيادية على المائدة إلى سلعة تشترى بحذر، أو تستبعد نهائيًا لدى بعض العائلات.
وقال أحد السكان إن سعر الفروج ارتفع بنحو 50% أو أكثر، معتبرًا أن هذا المستوى من الغلاء لا يتناسب مع الدخل المتاح للمواطن.
وأضاف أنه لم يشترِ الفروج منذ بداية رمضان، رغم توفر المادة في السوق.
وفي شهادة أخرى، قال أحد المواطنين إنه لم يشترِ الفروج منذ نحو سنة كاملة، مرجعًا ذلك إلى ضعف القدرة الشرائية وقلة فرص العمل.
ولا تنفصل هذه الملاحظات عن شعور أوسع لدى السكان بأن السوق يحتاج إلى رقابة أكثر فاعلية تضبط الأسعار، إذ رأى بعض الأهالي أن المواطن يبقى الطرف الذي يتحمل في النهاية كلفة الارتفاعات التي تطرأ على مختلف حلقات البيع والتوزيع.
دعوات للمقاطعة وإغلاق مؤقت
وتتزامن هذه الشكاوى مع دعوات شعبية لمقاطعة الدجاج، في محاولة للضغط باتجاه خفض الأسعار أو الوصول إلى تسعير أكثر توازنًا يراعي القدرة الشرائية للسكان.
وبحسب ما رصدته عنب بلدي ميدانيًا، تجاوب عدد من محال بيع الفروج والدجاج، إلى جانب بعض المطاعم، مع دعوات المقاطعة، ونفذ إغلاقًا مؤقتًا احتجاجًا على ارتفاع أسعار لحوم الدجاج، في خطوة تعكس أن أثر الأزمة لم يعد محصورًا بالمستهلك فقط، بل امتد أيضًا إلى العاملين في السوق.
في المقابل، رفض عدد من أصحاب محال الفروج والدجاج والمطاعم في داريا إجراء مقابلات مع مراسل عنب بلدي حول شكاوى الأسعار، كما رفضوا تصوير محالهم أو إظهارها في التقرير، ما حدّ من إمكانية توسيع الشهادات المباشرة من داخل السوق.
السوق: الارتفاع يبدأ من المدجنة
يربط باعة الفروج الارتفاع بعوامل تتجاوز محال البيع نفسها.
وقال كمال عموري، وهو صاحب محل فروج في داريا، إن من بين الأسباب الرئيسية لارتفاع الأسعار توقف استيراد الدجاج، إلى جانب تراجع تربية الفروج في المداجن بسبب غلاء العلف، ما انعكس مباشرة على السوق المحلية.
وأضاف أن السوق تلقى وعودًا بعودة الاستيراد، وأن الأسعار بدأت تميل إلى الانخفاض بعد العيد، لكن هذا التحسن، وفق حديثه، ما يزال محدودًا ولم يبدد أثر الارتفاع السابق على القدرة الشرائية.
ومن جهته، قال أيمن شماشان، وهو صاحب محل فروج أيضًا، إن الغلاء هو المشكلة الأكبر في السوق حاليًا، موضحًا أن ارتفاع السعر لا يبدأ من البائع أو المسلخ، بل من المدجنة نفسها.
وأضاف أن حركة المبيعات تراجعت بشكل كبير، إلى درجة أن السوق بات يشهد ركودًا واضحًا مقارنة بما كان عليه سابقًا.
المطاعم أيضًا تحت الضغط
ولم يقتصر أثر ارتفاع أسعار لحوم الدجاج على الأسر وحدها، بل امتد أيضًا إلى المطاعم التي تعتمد عليها مادة أساسية في عدد من الوجبات.
وقال حسان حلبي، وهو شيف في مطعم شاورما، إن وقف الاستيراد كان أحد الأسباب الأساسية لارتفاع الأسعار، مضيفًا أن الرقابة وحدها لا تكفي إذا لم تترافق مع حلول أوسع للسوق.
واقترح حلبي إنشاء منافذ بيع رسمية تابعة للجهات الحكومية في المناطق، بحيث تباع من خلالها مادة الدجاج وتستخدم أداة للمساهمة في ضبط السوق، بدل أن يبقى التسعير محصورًا بحركة التجار وحدها.
كما دعا إلى إتاحة استيراد الدجاج، معتبرًا أن تنوع مصادر العرض يمنح المستهلك خيارات أوسع، وقد يساعد في كبح الأسعار.
ويكشف هذا الطرح أن أزمة أسعار الدجاج لم تعد مشكلة استهلاكية يومية، بل كملف يرتبط بآليات السوق نفسها، وبدرجة تدخل الجهات المعنية في تنظيم العرض وضبط الأسعار وتوسيع الخيارات أمام المشترين.
ويعد غلاء الدجاج جزءًا من ضغط اقتصادي أوسع يدفع السكان إلى تقليص مشترياتهم، وتغيير عاداتهم الغذائية، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق داخل المنزل.