لا تبدو مشكلة السكن في داريا اليوم مرتبطة بندرة المنازل بقدر ارتباطها بمن يستطيع شراءها.
فبينما تستمر حركة البيع والشراء داخل المدينة، يقول سكان إن معظم العاملين وأصحاب المهن الصغيرة باتوا خارج سوق التملك عمليًا، مع اتساع الفجوة بين أسعار العقارات والدخول المحلية، وتحول الشراء إلى خيار متاح لفئات محدودة تمتلك مدخرات أو مصادر دخل من خارج السوق المحلية.
وبحسب شهادات جمعتها عنب بلدي، لم يعد السؤال المطروح لدى كثير من العائلات “متى سنشتري منزلًا؟”، بل “كيف سنستمر في دفع الإيجار؟”.
عقارات تُباع.. لكن لمن؟
أبو محمد، وهو من سكان داريا، قال إن امتلاك منزل أصبح بالنسبة إلى كثير من الأسر هدفًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.
وأضاف لعنب بلدي أن الأولوية لدى معظم العائلات باتت تأمين المصاريف الأساسية من غذاء وتعليم وطبابة، في حين يحتاج شراء منزل إلى مبالغ تفوق قدرة أصحاب الدخل المحدود بسنوات طويلة.
وأشار إلى أن بعض المغتربين أو أصحاب المدخرات استطاعوا دخول السوق العقارية، بينما عاد كثيرون من دول اللجوء أو الاغتراب من دون القدرة على شراء منزل أو ترميم منازلهم المتضررة.
من جهته، قال إبراهيم المصري، وهو مستأجر محل لبيع المولدات في داريا، إن أسعار العقارات تجاوزت منذ سنوات قدرة العاملين والموظفين وأصحاب الأعمال الصغيرة.
وأضاف أن العامل الذي يكافح لتغطية مصروف أسرته اليومية لا يستطيع التفكير بشراء منزل، حتى لو امتلك دخلًا ثابتًا، في ظل أسعار تصل في بعض الحالات إلى عشرات آلاف الدولارات.
ويرى محمد شربجي أن سوق العقارات في داريا لم تتوقف، لكنها أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على مشترين يملكون سيولة مالية مرتفعة، مثل التجار والمغتربين أو من يملكون مدخرات بالدولار.
بين الإيجار والتملك
لا تتوقف المشكلة عند أسعار البيع، فبحسب عدد من السكان، تستهلك الإيجارات جزءًا كبيرًا من الدخل الشهري، ما يقلل فرص الادخار ويؤجل فكرة التملك أكثر.
وقال أبو زياد إن إيجار بعض الشقق في المدينة يصل إلى ثلاثة ملايين ليرة سورية شهريًا (نحو 222 دولارًا)، مع تفاوت الأسعار بين الأحياء ومواقع العقارات.
وأضاف أن الأسعار تنخفض كلما ابتعد السكن عن مركز المدينة، لكنها تبقى مرتفعة مقارنة بمستوى الأجور والدخول المتاحة.
أما إبراهيم المصري فقال إن إيجار محله التجاري يبلغ 200 دولار شهريًا، بينما تصل إيجارات بعض المحال في منطقة الشاميات إلى 500 دولار، ما يشكل عبئًا إضافيًا على أصحاب الأعمال الصغيرة.
ويرى سكان أن دفع هذه المبالغ شهريًا يجعل الادخار لشراء منزل أمرًا شبه مستحيل بالنسبة إلى كثير من الأسر.
منازل بأسعار تفوق قدرة السكان
قالت إحدى السيدات من أهالي داريا لعنب بلدي إن حركة الشراء ما تزال قائمة، لكنها تتركز غالبًا لدى أشخاص يملكون مدخرات بالدولار أو مصادر دخل من خارج سوريا.
وأضافت أن ارتفاع الطلب من هذه الفئات ساهم في رفع الأسعار، في وقت تراجعت فيه قدرة السكان المحليين على المنافسة داخل السوق.
وقال عبد الله سليمان، الذي يعمل على سيارة لبيع البوظة، إن أقل منزل صالح للسكن يحتاج إلى عشرات آلاف الدولارات، بينما تقتصر الخيارات الأرخص على منازل متضررة أو تحتاج إلى ترميم واسع.
مضيفًا أنه بالكاد يجني ما يكفي لتغطية مصاريف أسرته، لذلك يبدو شراء منزل بالنسبة له “فكرة بعيدة جدًا”.
مقارنة لا تصب في مصلحة داريا
وأبدى عدد من السكان استغرابهم من وصول أسعار بعض الشقق على الهيكل في داريا إلى ما يزيد عن 40 ألف دولار، رغم استمرار ضعف الخدمات في بعض الأحياء مقارنة بمناطق مجاورة.
وقالوا إن بعض العائلات تتجه للبحث عن السكن في صحنايا أو معضمية الشام، حيث يمكن العثور على خيارات أقل تكلفة في بعض الحالات، سواء للشراء أو الإيجار.
منزل مؤجل
أبو لؤي الحافي، وهو عامل يومي وأب لأربعة أطفال، قال إن منزله تضرر خلال الحرب، ويعيش اليوم في منزل مستأجر.
وأضاف أن دخله يذهب بالكامل تقريبًا لتأمين الطعام واللباس والطبابة ومصاريف أولاده، ما يجعل فكرة شراء منزل خارج حساباته الحالية.
أما كمال الكحيل، الموظف المتقاعد في قطاع الاتصالات، فقال إنه اضطر إلى بيع ممتلكات أخرى لترميم منزله المتضرر، معتبرًا أن من لا يملك مدخرات أو أصولًا إضافية يواجه صعوبة كبيرة في تأمين سكن مناسب.
وبحسب شهادات السكان لعنب بلدي فالمشكلة لم تعد في وجود منازل معروضة للبيع، بل في اتساع المسافة بين أسعارها وقدرة معظم أبناء المدينة على الوصول إليها.