رغم التحسن الذي شهدته بعض الخدمات في داريا خلال الأشهر الأخيرة في عدد من الأحياء، ما تزال الضغوط المعيشية حاضرة بقوة في حياة السكان، وتزداد مع كل ارتفاع جديد في أسعار المحروقات.
ولم يعد أثر الغلاء يقتصر على زيادة بند إضافي في المصروف الشهري، بل بدأ يغير نمط حياة كثير من الأهالي وإدارة نفقاتهم اليومية، فيما يواجه العاملون في الزراعة صعوبة أكبر، لأن الوقود بالنسبة إليهم ليس وسيلة نقل فقط، بل جزء أساسي من عملية الإنتاج.
وخلال جولة ميدانية أجرتها عنب بلدي في داريا، تحدث سكان ومزارعون وعاملون في محطات الوقود عن تغييرات طرأت على سلوكهم اليومي منذ ارتفاع الأسعار، تراوحت بين تقليص التعبئة وتأجيل بعض التنقلات، وصولًا إلى إعادة حساب كلفة الإنتاج الزراعي.
تعبئة أقل ومشاوير مؤجلة
لم يمر ارتفاع أسعار المحروقات دون أثر على محمد أبو بكر، الذي يعمل في نجارة البيتون ويعتمد على سيارته في التنقل بين مواقع العمل داخل داريا وخارجها.
وقال لعنب بلدي إن الزيادة الأخيرة جاءت ضمن سلسلة ارتفاعات طالت معظم جوانب الحياة اليومية، ما دفعه إلى إعادة ترتيب أولوياته وتقليل كمية الوقود التي يعبئها.
وأضاف: “كنت أعبئ بعشرة، أما الآن فأصبحت أعبئ بخمسة فقط”.
وبحسب أبو بكر، لم يعد الأمر متعلقًا بالتعبئة فقط، بل بات يشمل عدد المشاوير أيضًا، إذ أصبح يدمج بعض الأعمال في رحلة واحدة ويؤجل تنقلات أخرى غير ضرورية لتخفيف النفقات.
ويرى أن أصحاب المهن الذين يعتمدون على سياراتهم في العمل من أكثر الفئات تأثرًا، لأن ارتفاع أسعار الوقود ينعكس مباشرة على قدرتهم على الحركة وعلى دخلهم اليومي.
المزارعون لا يملكون هامشًا للتقشف
بالنسبة إلى أبو علي الشربجي، وهو مزارع من أبناء داريا، فإن العائلة خففت بالفعل من استخدام السيارة الخاصة، وأصبحت تحصر تنقلاتها بالمشاوير الضرورية.
وقال لعنب بلدي إن أي زيارة أو رحلة أصبحت تحتاج إلى حسابات مسبقة بسبب ارتفاع كلفة الوقود.
لكن الوضع يختلف عندما يتعلق بالزراعة، فمع عودة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية إلى الإنتاج خلال السنوات الأخيرة، بقي المازوت عنصرًا أساسيًا في تشغيل الجرارات ومضخات المياه والصهاريج والأعمال المرتبطة بالري والنقل الزراعي.
وأوضح الشربجي أنه يستخدم مركبة تعمل على المازوت في أعماله الزراعية، ويبلغ استهلاكه الشهري بين أربعة وأربعة أطنان ونصف من الوقود، إضافة إلى كميات أخرى تستخدم في مشاريع وأعمال مرتبطة بالإنتاج.
وأضاف أن المزارع لا يستطيع ببساطة خفض استهلاك الوقود كما يفعل أصحاب السيارات الخاصة، لأن ذلك يعني تقليص العمل الزراعي نفسه.
تكاليف ترتفع وأسعار لا يمكن التحكم بها
ولا تتوقف المشكلة عند الوقود وحده، فبحسب الشربجي، ترتبط نسبة كبيرة من مستلزمات الإنتاج الزراعي بأسعار الدولار، سواء في ما يتعلق بالأسمدة أو قطع التبديل أو بعض المواد الزراعية الأخرى، في حين تباع الخضار والفواكه بالليرة السورية وفق أسعار يحددها العرض والطلب في سوق الهال.
وقال: “نحن من يوم يومنا بنبيع بالليرة السورية، أما التكاليف فكثير منها مرتبط بالدولار”.
ويرى أن المحروقات أصبحت عاملًا مؤثرًا في مختلف حلقات الإنتاج الزراعي، من الحراثة والري وحتى نقل المحاصيل وتسويقها.
محطات الوقود تلخص المشهد
في محطة داريا الحديثة، يلاحظ العاملون تغيرًا تدريجيًا في سلوك الزبائن.
وقال أبو براء عبد الباقي لعنب بلدي إن توفر البنزين والمازوت أصبح أفضل مقارنة بفترات سابقة، لكن كثيرًا من الزبائن باتوا يعبئون كميات أقل من السابق.
وأوضح أن المبلغ الذي كان يكفي للحصول على كمية معينة من الوقود لم يعد يحقق النتيجة نفسها بعد الزيادات الأخيرة، ما دفع كثيرين إلى تخفيض كميات التعبئة أو توزيعها على فترات أقصر.
وأشار إلى أن الطلب على البنزين تأثر أكثر من المازوت، لأن كثيرًا من مستخدمي السيارات الخاصة يستطيعون تقليل التنقلات أو تأجيل بعضها، بينما يبقى المازوت مطلوبًا في قطاعات يصعب الاستغناء عنه فيها.
لا تظهر آثار ارتفاع المحروقات في داريا عند محطات الوقود فقط، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية.
ففي مدينة ما تزال أجزاء منها تعتمد على الأمبيرات والطاقة الشمسية، وتستعيد تدريجيًا نشاطها الزراعي والخدمي، ينعكس ارتفاع الوقود على النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات معًا.
