تدفع أزمة الكهرباء المستمرة في مدينة داريا بريف دمشق أعدادًا متزايدة من الأهالي إلى الاعتماد على اشتراكات “الأمبيرات” لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم اليومية، في ظل ضعف أو انعدام التيار الكهربائي النظامي في عدد من أحياء المدينة، وارتفاع كلفة البدائل المتاحة، وسط تراجع القدرة الشرائية لغالبية السكان.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، تحول هذا الخيار من حل إسعافي مؤقت إلى واقع يومي مفروض، ازدادت حدته خلال العام الأخير، بالتزامن مع عودة أعداد متزايدة من الأهالي إلى المدينة بعد سنوات من التهجير، ومحاولتهم استعادة نمط حياة شبه مستقر، في ظل بنية تحتية كهربائية لم تستكمل إعادة تأهيلها بشكل كامل.
وتعد داريا من أكثر مدن ريف دمشق تضررًا على صعيد الشبكة الكهربائية منذ سنوات الحرب، إذ لا تزال أجزاء واسعة منها تعتمد على تمديدات مؤقتة أُنجزت بعد الدمار الواسع الذي لحق بالمدينة، دون أن تُرفق بعمليات تأهيل شاملة أو تحديث تقني، ما انعكس تفاوتًا واضحًا في التغذية الكهربائية بين حي وآخر، وصل في بعض المناطق إلى انقطاع شبه تام للكهرباء النظامية لأشهر متواصلة، أو وصولها لدقائق معدودة على فترات متباعدة.
ولا يقتصر هذا التفاوت على عدد ساعات التغذية، بل يشمل أيضًا جودة التيار الكهربائي، إذ يشكو سكان من ضعف الجهد الكهربائي وعدم استقراره في بعض الأحياء، الأمر الذي يؤدي إلى أعطال متكررة في الأجهزة المنزلية، ويدفع الأهالي إلى البحث عن بدائل مهما كانت كلفتها.
الأمبيرات.. من حل إسعافي إلى شبكة كهرباء موازية
مع تراجع دور الشبكة العامة، برزت اشتراكات الأمبيرات بوصفها المصدر شبه الوحيد للكهرباء في معظم أحياء داريا، لتتحول تدريجيًا إلى ما يشبه شبكة كهرباء موازية، تعمل خارج إطار تنظيمي واضح، وتدار من قبل شركات خاصة تتقاسم تغطية المدينة وفق مناطق محددة.
وخلال عام 2025، تعمق هذا الاعتماد بشكل لافت، في ظل غياب أي تحسن ملموس في واقع الكهرباء الحكومية، وتراجع الوعود بإعادة تأهيل الشبكة العامة، إلى جانب الارتفاع في كلفة أنظمة الطاقة الشمسية، التي بقيت خيارًا غير متاح لغالبية الأسر ذات الدخل المحدود، ما دفع السكان إلى القبول بخيار الأمبيرات رغم كلفته المرتفعة وعدم استقراره.
وبحسب معلومات جمعتها عنب بلدي، باتت اشتراكات الأمبيرات في داريا تشكل عبئًا ماليًا ثابتًا على ميزانية الأسر، لا يقل في بعض الحالات عن كلفة الغذاء أو الإيجار، خاصة لدى العائلات التي تعتمد على دخل تقاعدي أو أعمال يومية غير مستقرة.

تمديدات أمبيرات وكابلات كهربائية عشوائية على واجهة مبنى سكني–تجاري في مدينة داريا بريف دمشق – 1 شباط 2026 (عنب بلدي – رزان أبو رشيد)
فواتير مرتفعة مقابل خدمة محدودة
في سياق هذا التقرير، أجرت عنب بلدي، مطلع الأسبوع الماضي، استطلاعًا ميدانيًا وجمعت شهادات من سكان أحياء مختلفة في داريا، عكست صورة متقاربة لمعاناة الأهالي مع ارتفاع كلفة اشتراكات الأمبيرات مقابل خدمة محدودة وغير مستقرة.
وقالت سيدة تقطن قرب جامع العباس إن الكهرباء النظامية مقطوعة في حيها منذ نحو شهرين، وإن الجهد كان ضعيفًا حتى قبل انقطاعها، ما دفعها إلى تركيب منظومة طاقة شمسية محدودة لتأمين الإنارة وبعض الاحتياجات الأساسية، مستبعدة الاعتماد على الأمبيرات بسبب أسعارها المرتفعة مقارنة بدخلها.
من جهته، قال شاب يسكن قرب ساحة شريدي إن التيار الكهربائي “يأتي كل شهرين لنحو عشر دقائق فقط”، قبل أن ينقطع مجددًا نتيجة الأعطال المتكررة، ما دفعه للاشتراك بأمبيرات شركة “الضياء” لتأمين الإنارة وتشغيل التلفاز والبراد لمدة ساعة واحدة يوميًا.
وأضاف أن سعر الاشتراك الأولي قبل سقوط النظام السابق بلغ نحو 450 ألف ليرة سورية، في حين تصل الفاتورة الأسبوعية حاليًا إلى قرابة 162 ألف ليرة سورية، رغم أن استخدامه يقتصر على الحد الأدنى، معتبرًا أن الكلفة “غير متناسبة إطلاقًا مع حجم الخدمة”.
وتتقاطع هذه الشهادة مع ما ذكرته سيدة تقطن قرب دائرة النفوس، قالت إن الحي يفتقر إلى كهرباء الدولة بشكل كامل، “ولا توجد أعمدة ولا عدادات”، ما يضطر الأهالي للاشتراك بالأمبيرات رغم كلفتها المرتفعة.
وأوضحت أن سعر الكيلو لدى شركة “الأمان” يبلغ نحو 10 آلاف ليرة سورية، مع استهلاك يقارب 15 كيلوواط أسبوعيًا، ما يرفع الفاتورة الشتوية إلى نحو 150 ألف ليرة سورية، مع استخدام يقتصر على الإنارة وتشغيل الغسالة أحيانًا، دون براد أو سخان، مشيرة إلى أن الفاتورة تتضاعف صيفًا لتصل إلى نحو 300 ألف ليرة سورية.
وفي حي آخر قرب المركز الثقافي، قالت سيدة إن الكهرباء “تفصل بشكل متكرر، وإن عادت فلا تتجاوز عشر دقائق”، مرجعة ذلك إلى سوء حالة الأسلاك الكهربائية وقدم الشبكة، ما دفعها للاشتراك بأمبيرات شركة “الأمان” لتشغيل الراوتر والإنارة فقط، بسعر كيلو بلغ 9500 ليرة سورية، وبفاتورة شهرية تجاوزت 50 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ اعتبرته مرتفعًا قياسًا بدخلها الشهري.
كما ذكرت سيدة تبلغ من العمر 60 عامًا، تسكن قرب ساحة شريدي، أن ضعف كهرباء الدولة أجبرها على الاشتراك بأمبير شركة “الضياء” لتأمين الإنارة فقط، مع فواتير أسبوعية تراوحت بين 54 ألفًا و70 ألف ليرة سورية، مؤكدة أن هذه الكلفة تستنزف جزءًا كبيرًا من دخلها التقاعدي.
وتعكس هذه الشهادات واقعًا مشتركًا بين أحياء مختلفة في داريا، إذ لا يرتبط اللجوء إلى الأمبيرات بزيادة الاستهلاك أو مظاهر رفاه، بل بمحاولة تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، في ظل غياب بدائل حقيقية.
شركتان تهيمنان على الخدمة
تُعد شركتا “الضياء” و“الأمان” المزودين الرئيسيين لخدمة الأمبيرات في مدينة داريا، حيث تتقاسمان تغطية معظم الأحياء ضمن شبكات منفصلة، دون وجود منافسة فعلية داخل الحي الواحد، ما يحد من قدرة المشتركين على الاختيار أو التفاوض، ويحول الاشتراك إلى خيار شبه إجباري.
وبدأت شركة “الضياء” عملها في داريا أواخر عام 2023، بوصفها استثمارًا محليًا لتشغيل مولدات كهرباء خاصة، وتقدم خدماتها للمنازل والفعاليات التجارية، مع اعتماد نظام العدادات واحتساب الاستهلاك بالكيلوواط الساعي، إضافة إلى توفير خطوط ثلاثية الفاز لبعض الورش والأنشطة الصناعية.
في المقابل، توسعت شركة “الأمان” خلال عامي 2024 و2025 في داريا ومحيطها، وتعمل وفق نموذج مشابه من حيث آلية التسعير والجباية، مع شبكة تغذية أوسع تشمل أحياء كاملة، وتبرر تفاوت الأسعار بتغير تكاليف التشغيل والوقود والمسافات بين المولدات والمشتركين.

تمديدات أمبيرات وكابلات كهربائية عشوائية على واجهة مبنى سكني–تجاري في مدينة داريا بريف دمشق – 1 شباط 2026 (عنب بلدي – رزان أبو رشيد)

تمديدات أمبيرات وكابلات كهربائية عشوائية على واجهة مبنى سكني–تجاري في مدينة داريا بريف دمشق – 1 شباط 2026 (عنب بلدي – رزان أبو رشيد)
أسعار متقلبة وغياب للشفافية
تشير المعلومات التي جمعتها عنب بلدي خلال عام 2025 إلى أن تسعيرة الكيلوواط الساعي لدى شركات الأمبيرات في داريا شهدت ارتفاعًا تدريجيًا، متجاوزة في فترات عدة التسعيرات الرسمية المعلنة في ريف دمشق، وسط شكاوى متكررة من تفاوت الفواتير وعدم ثباتها حتى عند ثبات نمط الاستهلاك.
ويشتكي عدد من الأهالي من صعوبة التحقق من دقة العدادات أو آلية احتساب الاستهلاك، في ظل غياب جهة رقابية مستقلة، واقتصار العلاقة بين المشترك والشركة على الجباية الأسبوعية مقابل خدمة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها.
تأثير مباشر على القطاع التجاري
ولا يقتصر أثر أزمة الكهرباء على المنازل، بل يمتد إلى القطاع التجاري، حيث تشكل اشتراكات الأمبيرات عبئًا إضافيًا على أصحاب المحال والورش.
ففي شارع الثورة، قال صاحب محمصة إن أسعار الأمبيرات “غير منطقية قياسًا بالاستهلاك”، موضحًا أن سعر الكيلو لدى شركة “الضياء” يبلغ 9500 ليرة سورية، وأن استهلاكه يصل إلى نحو سبعة كيلوواط يوميًا، ما يرفع كلفة التشغيل ويؤثر على هامش الربح.
وأشار إلى أن قطع الخط وإعادة تشغيله خلال فترات قصيرة يؤدي إلى زيادة السحب الكهربائي نتيجة إعادة تشغيل محركات المكنات، ما يضاعف الاستهلاك.
وأكد رضوان شيخ البساتنة، وهو فني كهرباء، أن إعادة التشغيل المتكرر ترفع الاستهلاك وتزيد من احتمالات الأعطال الفنية، سواء على مستوى الأجهزة أو الشبكة الكهربائية نفسها، محذرًا من آثار طويلة الأمد على التجهيزات المنزلية والتجارية.
ردود الشركات
مدير المكتب الفني في شركة “الضياء”، نور معضماني، قال لعنب بلدي إن تشغيل المولدات يتم وفق نظام “زمن التبديل” بهدف تخفيف الأحمال، وبمعدل ثلاث مرات يوميًا، في محاولة لتوزيع الطاقة المتاحة على أكبر عدد ممكن من المشتركين.
وأضاف أن آلية التسعير المعتمدة تقوم على احتساب كل أربعة أمبيرات كيلوواط واحد، معتبرًا أن الأسعار “مدروسة” قياسًا بتكاليف التشغيل.
من جهته، أوضح المكتب الفني لشركة “الأمان” أن تسعيرة الكيلو المعتمدة تبلغ 9000 ليرة سورية، مرجعًا تفاوت الأسعار بين فترة وأخرى إلى تغير تكاليف الوقود وأجور التشغيل والتركيب، إضافة إلى أسعار الأشرطة الكهربائية والمسافة بين المولدات والمشتركين.

شركة أمبيرات الضياء في مدينة داريا بريف دمشق – 1 شباط 2026 (عنب بلدي – رزان أبو رشيد)

كابلات كهربائية أمام إحدى شركات الأمبير في مدينة داريا بريف دمشق – 1 شباط 2026 (عنب بلدي – رزان أبو رشيد)
واقع بلا تنظيم
وفي وقت تعتمد فيه غالبية أحياء داريا على الأمبيرات بوصفها حلًا شبه وحيد، لا تزال بعض المناطق محرومة من الكهرباء والأمبيرات معًا منذ نحو عام كامل.
وبين شكاوى الأهالي وتبريرات الشركات، يبقى ملف اشتراكات الأمبير في داريا دون إطار تنظيمي واضح، في ظل تحول هذه الاشتراكات إلى خدمة شبه أساسية، تفرض أعباء مالية متزايدة على السكان، دون آلية رقابة أو تسعير موحدة، ما يضع الأهالي أمام خيارين: القبول بالكلفة المرتفعة، أو العودة إلى العتمة.
