لا يزال حمل السلاح بين بعض المدنيين في مدينة داريا يثير نقاشًا بين الأهالي، وسط تباين في تقدير مدى حضوره داخل المدينة.
فبينما يرى بعضهم أن الظاهرة تراجعت خلال الأشهر الأخيرة، يعتقد آخرون أنها ما تزال قائمة، لا سيما عندما يقترن حمل السلاح بإظهاره في الأماكن العامة أو حمله خارج إطار العمل الرسمي.
وفي استطلاع ميداني أجرته عنب بلدي في المدينة في 18 من تموز الجاري، دعا المشاركون إلى قصر حمل السلاح على الجهات المخولة أو الحالات التي تستدعيه مهنيًا، محذرين من أن انتشاره بين المدنيين قد يسهم في تصعيد الخلافات اليومية ويؤثر في شعور الناس بالأمان.
ويأتي هذا الاستطلاع في سياق متابعة عنب بلدي لملف حمل السلاح في داريا، بعدما تناولت في تقارير سابقة مطالبات بتنظيم حمله بين المدنيين، إلى جانب شكاوى من إطلاق النار في بعض الأعراس والمناسبات.
انطباعات مختلفة حول انتشار السلاح
اختلف السكان الذين التقتهم عنب بلدي بشأن مدى انتشار حمل السلاح داخل المدينة.
يرى عادل دقو أن حمل السلاح تراجع بصورة واضحة، وقال إن حالة الاستقرار التي تشهدها المدينة لا تستدعي حمل المدنيين للسلاح في حياتهم اليومية، مضيفًا أن من يشاهدهم يحملونه اليوم هم، في الغالب، ممن تفرض طبيعة عملهم ذلك.
ويشارك سليم الأمير هذا الانطباع، ويقول إنه لم يعد يلاحظ وجودًا واسعًا للسلاح في الشوارع، ويرى أن الناس باتوا منشغلين بأعمالهم ومعايشهم اليومية.
في المقابل، يعتقد هلال نايلة أن الظاهرة لم تختف بعد، مشيرًا إلى أنه ما يزال يشاهد بعض الشبان يحملون السلاح بصورة ظاهرة على الخصر، معتبرًا أن ذلك يرتبط في كثير من الأحيان بالرغبة في لفت الانتباه أكثر من وجود حاجة فعلية إليه.
ولا تسمح هذه الآراء، بطبيعتها، بقياس حجم الظاهرة داخل المدينة، لكنها تعكس جانبًا من الانطباعات التي سجلتها عنب بلدي خلال جولتها الميدانية.
بين الحاجة والاستعراض
ورغم اختلاف تقدير المشاركين لمدى انتشار السلاح، فإن معظمهم اتفق على رفض حمله خارج إطار الضرورة أو العمل الرسمي.
ويرى مصطفى حمودة أن كثيرًا ممن يحملون السلاح يفعلون ذلك بدافع “البهورة وشوفة الحال”، محذرًا من أن وجوده مع بعض الشباب قد يحول أي خلاف بسيط إلى حادث إطلاق نار.
أما محمد الحلواني، فيعتقد أن بعض الأشخاص يتعمدون إظهار السلاح لإعطاء انطباع بأنهم ينتمون إلى جهة أمنية أو يمتلكون نفوذًا، معتبرًا أن هذا السلوك ينعكس سلبًا على شعور الناس بالأمان، حتى لو لم يستخدم السلاح فعليًا.
كما يرى هلال نايلة أن تعمد بعض الشبان إظهار المسدس لا يخدم الأمن ولا تبرره حاجة حقيقية، بل يحول السلاح إلى وسيلة للاستعراض.
وتتقاطع هذه الآراء مع ما وثقته عنب بلدي في تقرير سابق بعنوان “مسدسات على الخواصر في داريا.. سكان يطالبون بتنظيم حمل السلاح”، إذ اعتبر عدد من السكان أن حمل السلاح بصورة ظاهرة في الشوارع والمحال لا يمنح صاحبه احترامًا بقدر ما يثير القلق لدى المحيطين به.
حمل السلاح.. ضمن ضوابط
لم يقتصر حديث المشاركين على حمل السلاح بحد ذاته، بل امتد إلى احتمال استخدامه عند وقوع خلافات.
ويرى مصطفى حمودة أن وجود السلاح مع بعض الشبان يجعل اللجوء إليه أسرع خلال المشاجرات، بينما دعا محمد الحلواني إلى تشديد الرقابة على حمله خارج الأطر القانونية، منعًا لتحول أي خلاف عابر إلى حادث أخطر.
ورغم رفضهم حمل السلاح بين المدنيين بصورة عامة، لم يستبعد بعض المشاركين وجود حالات تستدعيه.
وقال هلال نايلة إن بعض المهن، مثل الصاغة أو الصرافين أو العاملين في الحراسة، إضافة إلى بعض العاملين في المناطق الزراعية المعزولة، قد تستدعي حمل السلاح، لكنه شدد على أن ذلك يجب أن يكون بترخيص رسمي وتحت إشراف الجهات المختصة.
ويتفق معه محمد الحلواني، معتبرًا أن تقدير الحاجة إلى حمل السلاح ينبغي أن يبقى من صلاحيات المؤسسات الرسمية، لا أن يترك لاجتهاد الأفراد.
كما يميز أسعد المصري بين حمل السلاح أثناء أداء المهمة الرسمية وحمله بعد انتهاء العمل، ويرى أن الموظف المكلف يمكنه حمله خلال مهمته، لكن لا مبرر لاستمرار وجوده معه في الحياة اليومية، داعيًا إلى حفظه داخل المنزل بعيدًا عن متناول الأطفال.
ماذا تقول الجهات الرسمية؟
حتى تاريخ إعداد هذا التقرير، لم يُنشر نظام عام جديد ينظم ترخيص حمل الأسلحة الفردية للمدنيين في سوريا.
لكن في آذار 2026، صدر المرسوم رقم (55) لعام 2026، الذي ينظم تأسيس وترخيص شركات الحماية والحراسة والتدريب الأمني الخاصة، ويضعها تحت إشراف وزارة الداخلية، محددًا ضوابط حمل السلاح للعاملين فيها أثناء أداء مهامهم، دون أن يشكل تنظيمًا عامًا لحمل السلاح بين المدنيين.
كما دعت وزارة الداخلية، في بلاغ صدر في 6 شباط 2025، إلى الامتناع عن إطلاق العيارات النارية في المناسبات، محذرة من مخاطرها على الأرواح والممتلكات، وداعية إلى الإبلاغ عن المخالفين.
وسبق أن قال مخفر داريا، في تصريح سابق لعنب بلدي، إن وزارة الداخلية هي الجهة الوحيدة المخولة بإصدار التعليمات المتعلقة بترخيص السلاح وآلية حمله.
وبينما تختلف الانطباعات بشأن مدى انتشار حمل السلاح في داريا، يلتقي المشاركون في استطلاع عنب بلدي على ضرورة قصر حمله على الجهات المخولة أو الحالات التي تستدعيه مهنيًا، ومنع تحوله إلى جزء من المشهد اليومي في الشوارع والأماكن العامة.
