مزارعون في داريا يبحثون عن بذارهم القديمة وسبل إكثارها

جمعت ورشة زراعية في داريا، الاثنين 31 من آب، مزارعين للحديث عن البذار البلدية التي كانت تُنتج في المدينة، وما بقي منها بعد انتشار الأصناف الهجينة، وسبل إكثارها وإعادة زراعتها.

ونظمت الورشة جمعية «بذورنا جذورنا»، وهي جمعية لبنانية تعمل في الزراعة المستدامة وحفظ وإكثار البذار البلدية والموروثة، وتنشط منذ عام 2016، وتدير مزرعة تعليمية وتقدم تدريبات في الزراعة الإيكولوجية وإدارة التربة والتسميد الطبيعي ومكافحة الآفات.

وتضمنت الورشة، التي أقيمت في نادي داريا الرياضي، عرض أفلام عن الزراعة والواقع الزراعي في بلاد الشام والشرق الأوسط، ونقاشًا حول البذار المحلية وطرق الزراعة وتقليل استخدام المواد الكيماوية والمبيدات.

وكانت داريا المحطة الأولى ضمن سلسلة عروض يعتزم القائمون على «بذورنا جذورنا» تنظيمها في مناطق سورية.

وتحدث أربعة مزارعين لعنب بلدي عن تراجع توافر بذار أصناف كانوا ينتجونها محليًا، مقابل انتشار البذار الهجينة، بينما يعمل بعضهم على إكثار ما بقي من الأصناف القديمة وإنتاج أشجار مثمرة. ويواجه هذا العمل صعوبات تتعلق بقلة المياه وارتفاع أسعار مستلزمات الزراعة.

بذار كانت تُنتج في داريا

يتذكر المزارع فايز الأزوق أصنافًا متعددة كانت بذورها تُنتج وتُزرع في داريا، منها الخس والباذنجان والفليفلة والخيار والقثاء والبندورة، إلى جانب بذور الأشجار المثمرة.

ويقول الأزوق لعنب بلدي إن البذار القديمة لم تعد متوافرة كما كانت في السابق بعد انتشار الأصناف الهجينة، لكنه يلاحظ محاولات يقودها مزارعون وشبان لإعادة بعض الأصناف البلدية وإكثارها.

ويذكر المزارع يوسف تويم أصنافًا أخرى كان مزارعو داريا يحتفظون ببذورها للمواسم التالية، منها القمح والشعير والسبانخ والسلق والكوسا واليقطين والفليفلة والباذنجان، ويقول إن المتوافر منها اليوم أصبح قليلًا.

أما العنب، فيبقى من المحاصيل المرتبطة بزراعة داريا، بحسب تويم، رغم تراجع عدد الكروم داخل المدينة. ويقول إن بعض الأهالي نقلوا زراعته إلى أراضٍ في مناطق مجاورة، منها زاكية والديرخبية، للحفاظ على استمرار إنتاجه.

ويرى تويم أن صغر المساحات الزراعية المتاحة داخل داريا لا يمنع إعادة زراعة بعض الأصناف البلدية، إذ يمكن لأصحاب الحدائق المنزلية والقطع الصغيرة زراعتها والاحتفاظ ببذورها للمواسم التالية.

بذور خرجت مع العائلة من داريا

بالنسبة إلى المزارع يوسف معضماني، لا يرتبط الاحتفاظ بالبذار البلدية بالمواسم الزراعية وحدها، إذ رافقت بعض البذور عائلته خلال سنوات النزوح من داريا.

ويقول معضماني لعنب بلدي إن والده كان يحتفظ ببذور أخذتها الأسرة معها بعد مغادرة المدينة، وبدأ أفرادها بزراعتها والاستفادة من محاصيلها في غذائهم، ثم واصلوا إكثارها.

ومن بين الأصناف التي استمرت العائلة بزراعتها، بحسب معضماني، الباذنجان والملوخية والخيار والبقدونس والسلق والكزبرة، كما زرعت القمح واستخدمته في صناعة الخبز.

ويختصر تجربتهم خلال تلك الفترة بقوله: «لولا الزراعة ما عشنا»، ويرى أن استمرار زراعة هذه البذار وإكثارها يمنع فقدان الأصناف التي احتفظت بها عائلات من داريا.

المياه أول العقبات

يتفق المزارعون الذين تحدثوا إلى عنب بلدي على أن نقص المياه يمثل إحدى أبرز الصعوبات التي تواجه زراعتهم.

ويقول معضماني إن قلة الأمطار وضعف مصادر المياه أديا إلى جفاف أشجار ويبس بعضها، بينما يشير تويم إلى انخفاض كمية المياه المتوافرة في الآبار التي يعتمد عليها المزارعون.

ويضيف تويم أن ارتفاع أسعار البذار والشتول والمبيدات يزيد كلفة الزراعة ويحد من قدرة بعض المزارعين على توسيع المساحات المزروعة.

ويتحدث فايز الأزوق أيضًا عن الأمراض التي تصيب الأشجار والخضراوات. ويرى، من خلال تجربته، أن بعض المشكلات ترتبط باستخدام المواد الكيماوية وبعض الأصناف الهجينة، كما يشير إلى أهمية ضبط كمية مياه الري وتخزين البذار بطريقة مناسبة للحفاظ على قدرتها على الإنبات.

من البذرة إلى الشجرة

يعمل المزارع عبد الحليم الأزوق على تأسيس مشتل في داريا لإنتاج أشجار مثمرة، تبدأ العملية فيه بزراعة البذور البرية ثم تطعيم الشتلات لإنتاج الأصناف المطلوبة، على أن توزع الأشجار لاحقًا على مزارعين يرغبون بزراعتها.

وتعرف الأزوق خلال نزوحه إلى لبنان على «بذورنا جذورنا»، وشارك في جمع بذار قديمة وإكثارها، إلى جانب تجربة طرق تعتمد على النباتات في التسميد ومكافحة الآفات بهدف تقليل استخدام المواد الكيماوية، بحسب قوله.

وقال الأزوق إن القائمين على العمل وزعوا خمسة آلاف شجرة خلال العام الماضي، ويعتزمون توزيع 20 ألف شجرة هذا العام، ضمن محاولة لزيادة عدد الأشجار في داريا.

ولم يحدد الأزوق موعد توزيع الكمية الجديدة أو أنواع الأشجار التي ستشملها.

تجربة بدأت قبل سنوات

قال المهندس الزراعي الفرنسي فيردي نومبو، من منظمة «بذورنا جذورنا»، لعنب بلدي إن التجربة بدأت قبل نحو عشر سنوات مع مزارعين لبنانيين وسوريين، بينهم مزارعون من أرياف إدلب وحلب ومن داريا.

وأوضح نومبو أن العمل ركز على إمكانية الإنتاج بطرق طبيعية، وما إذا كان المزارعون قادرين على الاستمرار فيها والاعتماد عليها موردًا للعيش.

وبحسب نومبو، عاد مشاركون من داريا كانوا يعملون ضمن التجربة في لبنان إلى مدينتهم وبدأوا تطبيق بعض ما عملوا عليه هناك.

ويرى المزارع يوسف تويم أن الخطوة التي يحتاج إليها مزارعو داريا حاليًا هي توفير كميات أكبر من البذار البلدية القديمة وتوزيعها على المزارعين وأصحاب الحدائق المنزلية، لزراعتها وإنتاج بذور جديدة منها في المواسم التالية.

مقالات ذات صلة

في انتظار المواليد.. خمس أفراس عشار على أطراف داريا

تزفيت طريق الفصول الأربعة في داريا.. ترحيب من الأهالي ومخاوف من السرعة

محاضرة في داريا للتوعية بسرطان الثدي.. الخوف من التشخيص يؤخر الفحص