في إحدى ليالي عام 1987، ثبت محمد كامل كاميرته على حامل داخل منزله، وأخذ يلبس ابنته البكر عُلا ملابس مختلفة، تارة فستانًا وتارة «أفرول» أطفال، ثم يصورها ويعيد مشاهدة التسجيل.
لم يكن كامل مصور أعراس حينها، بل كان يعمل في نجارة الموبيليا ويملك محلًا في «حارة الحمام»، لكن ابنته أصبحت حقل تجاربه الأول لتعلم التصوير.
كان يسجل المشهد، ويراجعه على الشاشة، ويدرس الزوايا والإضاءة، ثم يعيد المحاولة.
بعد نحو عام، انتقل إلى المهنة التي رافقته عقودًا، وصور خلالها مئات الأعراس والفعاليات في داريا.
ومنذ دخول كاميرا الفيديو إلى أعراس داريا في ثمانينيات القرن الماضي، لم تعد التسجيلات تحفظ لحظة الزواج وحدها، فقد بقي في خلفية العروسين شيء من شكل المدينة نفسها، من الحارات والمنصات والأزياء، إلى طرق الضيافة والإنشاد والتجمع، ثم الشاشات والصالات والتجهيزات التي دخلت الأفراح في العقود التالية.
وتستعيد عنب بلدي في هذا التقرير جانبًا من تاريخ الأعراس وتصويرها في داريا والتحولات التقنية والاجتماعية التي رافقتها، استنادًا إلى مقابلة توثيقية أجرتها مع محمد كامل «أبو عبدو»، وإلى ما يحتفظ به من صور وتسجيلات وذكريات تمتد على عقود من العمل في المدينة.

محمد كامل مع مصور الأعراس رضوان مناوي عام 1986 (عنب بلدي – أرشيف محمد كامل)
قبل أن يصبح «أبو عبدو» مصورًا
يرجع محمد كامل بدايات تصوير المناسبات الاجتماعية بالفيديو في داريا إلى ثمانينيات القرن الماضي، ويضع المصور رضوان مناوي «أبو أدهم» في مقدمة العاملين في هذا المجال.
وبحسب ما يتذكره، كان مناوي المصور الأبرز والوجهة الأساسية لعائلات كثيرة ترغب في توثيق أعراسها بالفيديو، في وقت كان فيه عدد العاملين في المهنة محدودًا جدًا.
وكان مناوي نفسه من صور زفاف محمد كامل عام 1986، قبل أن يدخل الأخير عالم التصوير.
ويتذكر كامل أن من المعدات المبكرة المستخدمة آنذاك جهاز فيديو كان يعرف لديهم باسم «T7»، ويشير إليه ضمن منظومة التصوير والتسجيل الأولى.
وبالنسبة إلى المصورين والعائلات، مثلت معدات الفيديو بداية مرحلة جديدة، فالعرس الذي كان يبقى في ذاكرة المشاركين وبعض الصور الفوتوغرافية أصبح من الممكن تسجيل حركته وأصواته والعودة إليه بعد سنوات.
دخل محمد كامل المهنة عام 1988، وبدأ بكاميرا من «سوني» يتذكر طرازها باسم «Sony 200».
لكن علاقته بالكاميرا بدأت قبل ذلك بعام تقريبًا، داخل منزله ومع ابنته عُلا.
كان يضع الكاميرا على الحامل ليلًا، ويغير ملابس طفلته، ثم يصورها من زوايا مختلفة، وبعد انتهاء التسجيل، يجلس أمام الشاشة ليراجع اللقطات ويلاحظ تأثير الإضاءة والزاوية والحركة.
ومن هذه التجارب، كما يقول، بدأ شغفه بالمهنة.

من عرس محمد كامل «أبو عبدو» في داريا عام 1986، ويظهر من اليمين: حمدي «أبو كمال»، وإبراهيم كامل «أبو حسين»، ويحيى مراد «أبو مروان»، وتيسير سيد سليمان «أبو زهير»، ومحمد كامل «أبو عبدو»، وحسين كامل «أبو إبراهيم» (عنب بلدي – أرشيف محمد كامل)
كاميرات تأتي من الكويت ودبي ولبنان
لم يكن شراء معدات التصوير وتحديثها سهلًا في الثمانينيات والتسعينيات، وفق ما يتذكره كامل.
فالكاميرات وشاشات العرض والمعدات الحديثة لم تكن متاحة دائمًا في أسواق دمشق، ولذلك كان المصورون يعتمدون على أكثر من طريق للحصول عليها.
كان المسافرون يجلبون بعض الأجهزة من الكويت ودبي، بينما تصل معدات أخرى عبر لبنان.
ويروي كامل أن بعض المصورين كانوا يتفقون مع أصحاب محلات تصوير في دمشق للحصول على أجهزة تمرر إليهم «تحت الطاولة»، وأن إدخال بعض المعدات أو تمريرها كان يرتبط أحيانًا، بحسب تجربته في تلك المرحلة، بدفع رشاوى أو إتاوات لبعض ضباط الجيش.
وكان تحديث المعدات يحتاج إلى مبالغ كبيرة قياسًا إلى قدرة العاملين في المهنة.
في عام 1990، انتقل كامل إلى كاميرا «باناسونيك» يابانية الصنع يتذكر طرازها باسم «M1000»، وكان حجمها الضخم يلفت أنظار الناس، إذ بدت شبيهة بكاميرات التلفزيون الرسمية في ذلك الوقت.
وفي عام 1993، أحضر له صديق من الكويت كاميرا «Panasonic M3000»، ثم انتقل لاحقًا إلى «Panasonic M9000».
ويقدّر كامل أن ثمن بعض الكاميرات وصل إلى نحو 1500 دولار أمريكي، وهو ما يزيد عن 75 ألف ليرة سورية آنذاك.
ويقول إن المبلغ كان كبيرًا إلى درجة أنه كان يكفي لشراء قطعة أرض صغيرة في بساتين داريا.
«انظر إلى العريس كأنه قمر»
يقول محمد كامل إن خبرته المهنية لم تأت فقط من المعدات التي امتلكها.
يتذكر نصيحة قرأها في مقال لمصور أرمني محترف في دمشق، تقوم على أن يتحلى المصور بالأدب والأخلاق، وأن يتعامل مع نفسه بوصفه «خادمًا للفرح».
أما الفكرة التي بقيت معه طوال سنوات عمله، فهي أن يحب المصور الشيء أو الشخص الذي يلتقط له الصورة.
فحين يضع عينه خلف الكاميرا لتصوير العريس، يقول إنه كان يحاول نسيان العيوب التي قد يلاحظها الشخص في ملامحه.
حتى إذا لم يكن العريس وسيمًا، أو كان أنفه كبيرًا مثلًا، كان يحاول أن ينظر إليه «كالقمر الباهر في ليلة تمامه».
بعد ذلك يأتي دور التقنية، فيختار زاوية جانبية إذا كانت أكثر ملاءمة، ويغير موضع الكاميرا، ويقرب الصورة أو يبعدها، ويبحث عن الجانب الذي يظهر الوجه بوقار ويخفف ما قد يراه صاحبه عيبًا في ملامحه.
ويشبّه كامل الأمر بتصوير وردة، فامتلاك أفضل كاميرا، بحسب تجربته، لا يكفي إذا لم ينظر المصور إلى المشهد بمحبة واهتمام.
كان الطرب يملأ الحارة
قبل أن تتقدم الموالد والفرق الإنشادية إلى واجهة الأعراس، كان الغناء الشعبي والطرب وحلقات الرقص من أبرز أشكال الاحتفال التي يتذكرها كامل في داريا.
كانت منصة خشبية بسيطة تنصب للفرقة الموسيقية، ويفرش فوقها سجاد يأتي به أهل العريس أو الجيران، بينما تمد الكراسي في الساحة أو الزقاق.
ويستعيد كامل زفافه عام 1986 نموذجًا لهذه الأعراس.
شارك في إحياء الحفل خاله هيثم عودة زخور، وسعد الدين عديلة «أبو شادي»، ومحمود الشيخ خليل «أبو مازن».
ويصفهم بأنهم كانوا يمتلكون حسًا موسيقيًا ومعرفة بالمقامات رغم بساطة الإمكانات وطبيعة عملهم غير الاحترافية.
وفي الحفل نفسه، غنى سعد الدين عديلة أغنية لملحم بركات، بطريقة أعجبت الحاضرين.
وما إن نزل من المنصة حتى صعد مغنٍ آخر ليؤدي الأغنية ذاتها وهو يقول: «هذه الأغنية لي أنا»، في مشهد بقي في ذاكرة كامل من أجواء المزاح والمنافسة بين المغنين.

هيثم عودة (أبو حسام) في إحدى المناسبات بداريا عام 2004، بعد أن اعتزل الغناء (عنب بلدي – أرشيف محمد كامل)
بدلة مستعارة مقابل أغنية
ومن المشاهد التي يتذكرها كامل أيضًا قصة خاله هيثم عودة زخور.
لم يكن يملك في إحدى المناسبات بدلة رسمية مناسبة للظهور في الحفل، فاستعار بدلة من أحد معارفه.
وعرف أحد الموجودين في الساحة بالأمر، فأمسك به مازحًا وطلب منه أغنية محددة، مهددًا بأنه إذا لم يغنها فسيخبر الحاضرين بأن البدلة التي يرتديها مستعارة.
فاستجاب المغني لطلبه تجنبًا للإحراج.
وتعكس الحادثة، في ذاكرة كامل، طبيعة العلاقات في تلك الأعراس، حين كان معظم الموجودين يعرف بعضهم بعضًا، وكانت الدعابة والتفاصيل الشخصية تدخل إلى الحفل بعفوية.
النساء فوق الأسطح
كانت النساء يتابعن كثيرًا من هذه الحفلات من البيوت والأسطح والشرفات المطلة على الساحة.
يجلس الرجال حول المنصة، بينما تصعد النساء إلى الأماكن المرتفعة التي تسمح لهن بمشاهدة الحفل من دون أن تظهر وجوههن بوضوح في عتمة الليل.
ويرجع كامل في ذاكرته إلى ما قبل دخوله التصوير بالفيديو، مستحضرًا عرس خاله عدنان زخور عام 1976.
كان خاله الآخر هيثم عودة زخور يغني القدود الحلبية على طريقة صباح فخري لمدة تقارب ربع ساعة، بمرافقة فرقة موسيقية.
وكانت زوجته تتابعه من سطح أو غرفة مرتفعة مكشوفة على الساحة.
يتذكر كامل نظرتها إليه وهي تقول بإعجاب: «يقبر قلبي ما أحلاه».
وفي الساحة، كان الرقص جزءًا من المشهد، فبعض الشبان كانوا معروفين بإتقانهم له، بينما يحاول آخرون استعراض مهارات أقل إتقانًا، في محاولة للفت أنظار النساء والفتيات اللواتي يتابعن الحفل من الأعلى.
زجاجات تحت الكراسي
يستعيد كامل أيضًا وجود المشروبات الكحولية في بعض حفلات الطرب القديمة حتى الثمانينيات، لكن بعيدًا عن التقديم العلني.
وبحسب ما يتذكره، كان بعض الحاضرين يحضرون زجاجاتهم معهم ويخفونها تحت الكراسي، إلى جانب بذور دوار الشمس.
لم تكن هناك طاولات للمشروبات أو «مازة» تقدم علنًا، إذ بقيت هذه الممارسة محدودة وخفية في بيئة اجتماعية محافظة.
وتبقى هذه التفاصيل جزءًا مما عاينه كامل في بعض المناسبات، ولا يقدمها كنمط عام لجميع أعراس المدينة.
الطرب لم يكن الخيار الوحيد
حتى خلال المرحلة التي انتشرت فيها الحفلات الغنائية، لم يكن الطرب الشكل الوحيد للزفاف.
كانت بعض العائلات تستعيض عن الحفل بإقامة مأدبة غداء للضيوف، بينما تختار أخرى «المولد» والإنشاد الديني.
ويتذكر كامل فرقًا ومنشدين محليين مثل «أبو أحمد الزهر» و«أبو فهد زعيتر»، إلى جانب فرق تأتي من خارج داريا تضم «أبو زهير الرواس» و«أبو بسام الرواس».
كما عرف أهالي البلدة مطربين كانوا يحيون حفلات الطرب، ومن الأسماء التي يتذكرها سمير سمرة ودريد عواضة والمطرب الشعبي المعروف باسم «أبو رياح».
ويتذكر كامل أن «أبو رياح» انتقل لاحقًا من الغناء الطربي إلى الإنشاد الديني والموالد وقراءة المدائح النبوية القديمة.

محمد كامل خلال زفافه في داريا عام 1986، وتظهر خلفه منصة الفرقة الموسيقية والمغنون المشاركون (عنب بلدي – أرشيف محمد كامل)
بداية التسعينيات.. المولد يتقدم
يضع كامل عامي 1992 و1993 نقطة تحول واضحة في الأعراس التي كان يصورها.
تراجعت الحفلات الطربية، واتجهت شريحة واسعة من العائلات إلى الموالد الدينية.
ويصف حجم التحول بلغة تلك المرحلة قائلًا إن من كان يقيم حفلًا طربيًا صاخبًا بدأ يشعر كأنه «شاذ» أو «مقاطع» عن السياق المحافظ الذي أصبح أكثر حضورًا في البلدة.
وبدلًا من الفرقة الموسيقية وحلقات الرقص، أصبح كثير من الأعراس يبدأ بعد صلاة العشاء بمولد ديني.
يجلس الحاضرون للاستماع إلى الأناشيد والمدائح، ويلقي شيخ كلمة وعظية أو إرشادية، بينما تجمع بعض الأعراس بين المولد ومأدبة العشاء.
يتناول الضيوف الطعام والفواكه، ثم ينتقلون إلى الساحة لمتابعة فرقة الإنشاد.
فرق داريا والمنشدون القادمون إليها
يتذكر محمد كامل ظهور عدة فرق للإنشاد الديني في داريا منذ مطلع التسعينيات.
من بينها فرقة «المحبة» للمنشد نور الدين شما، وفرقة «الإخلاص» التي أسسها «أبو أحمد الزهر»، وهو منشد شاب يميز كامل بينه وبين منشد آخر بالاسم نفسه عرف في المرحلة السابقة.
كما يذكر فرقة «أبو حسين شما»، وفرقة المنشد عدنان شرف «أبو علاء».
واستمر حضور الأخوين «أبو بسام الرواس» و«أبو زهير الرواس» من خارج داريا، ثم اتسعت شهرة فرقة نور الدين خورشيد وأصبحت مطلوبة لدى شريحة من الأهالي.
ويضيف كامل إلى الأسماء التي يتذكر مشاركتها في أعراس المدينة فرقة «الرضوان» لعبد القادر المرعشلي، وفرقة للمنشد عماد رامي.
وفي بدايات الألفية الجديدة، شارك في أعراس داريا، وفق ذاكرته، منشدون وفرق أخرى، منهم عبد الرحمن المبيض، وزكي العسلي، وعبد الرحمن عبد المولى.
كما حضرت فرق في مناسبات أقل عددًا، من بينها فرق مرتبطة بأسماء منير عقلة وأحمد ويوسف المزرزع.
أين يظهر فرح العريس؟
يرى كامل أن انتشار الموالد غير مساحة التعبير العلني عن فرح العريس.
في حفلات الطرب كانت حلقات الرقص والغناء تمنح مساحة أكبر للحركة، بينما اتسم المولد بقدر أكبر من الوقار والتنظيم.
وبقيت «العراضة» من أبرز اللحظات التي يظهر فيها العريس وأصدقاؤه بصورة احتفالية، سواء خلال فقرة «تلبيس العريس» أو بعد توديع الحضور.
ويلاحظ كامل أن هذه المساحات بدأت في السنوات اللاحقة بالعودة بصورة أكبر، حتى إن بعض مظاهر الفرح والحركة أصبحت تظهر داخل بعض الموالد نفسها.
العرس مباشر على الشاشة
في عام 1997، دخلت إلى عمل محمد كامل تقنية جديدة غيرت علاقة الحاضرين بالكاميرا.
اقتنى جهاز إرسال لاسلكيًا صغيرًا يثبت خلف الكاميرا، وينقل الصورة مباشرة إلى أجهزة التلفاز الموجودة في مكان الحفل.
وكان أهل العريس يستعيرون أجهزة التلفاز من منازل الأقارب والجيران إذا لم يكن لديهم العدد الكافي، ويتذكر كامل أن كثيرًا منها كان من نوع يعرف محليًا باسم «سيرونيكس»، بقياس نحو 20 بوصة.
توضع الشاشات على يمين الفرقة ويسارها، وتصل إليها الصورة التي تصورها الكاميرا مباشرة.
لم تكن الإشارة مستقرة دائمًا، فكلما ابتعد المصور إلى أطراف الساحة، تضعف الصورة وقد يظهر عليها التشويش.
لكن الفكرة أثارت اهتمام الحاضرين، إذ كان الناس يترقبون ظهورهم على الشاشة وينظرون إليها بفضول عندما تمر الكاميرا عليهم.
200 ألف ليرة لتغيير شكل التصوير
نحو عام 2000، دخلت تجربة كامل مرحلة أخرى بالتعاون مع شريكه الراحل «أبو عماد الزعاويط»، الذي كان مسؤولًا عن تشغيل «الميكسر»، وتوفي عام 2020.
يقول كامل إنهما استوردا بطاقة مونتاج متطورة من الهند بكلفة بلغت نحو 150 ألف ليرة سورية، ويقدّر قيمتها حينها بنحو ثلاثة آلاف دولار.
ثم جمعا حاسوبًا بمواصفات مرتفعة آنذاك بقيمة تقارب 50 ألف ليرة أخرى.
وبذلك وصل الاستثمار في المنظومة إلى نحو 200 ألف ليرة.
أتاحت البطاقة استخدام مؤثرات بصرية وخلفيات متحركة وصورًا للطيور والبحار، وربط ثلاث أو أربع كاميرات في الوقت نفسه.
يمكن أن تتولى كاميرا تصوير فرقة الإنشاد أو مقدم الحفل، بينما تتحرك أخرى بين العريس والجمهور، ثم يختار مشغل «الميكسر» الصورة التي تظهر للحاضرين.
وقبل دخول هذه التقنية، كانت بعض الخلفيات الدينية تضاف بطريقة أبسط.
يقول كامل إنهم كانوا يضعون صورًا ثابتة للكعبة والمسجد النبوي والقدس أمام الكاميرا، بناء على اقتراح أحد التجار.
وعندما يذكر المنشد أحد هذه الأماكن، تنتقل الصورة إليه.
ومع الكمبيوتر والمونتاج تغيرت الطريقة، إذ أصبح محمد كامل وزملاؤه يسجلون مقاطع من البث التلفزيوني لمشاهد الطواف في مكة المكرمة ومشاهد من المسجد النبوي في المدينة، ويحفظونها على أشرطة فيديو.
وخلال العرس، إذا ذكر المنشد الكعبة أو المدينة المنورة، يدخل مشغل «الميكسر» المشاهد المتحركة على الشاشات إلى جانب صورة المنشد أو بدلًا منها، ثم تعود الصورة إلى الحفل.
ومع مطلع الألفية، انتشر استخدام عدة شاشات في الحفل، وبعد عام 2005، بدأت تدخل شاشات أكبر، بينها شاشات بقياس 42 بوصة.
الكاميرا تعيد ترتيب الاستقبال والوداع
لم يكن تأثير التصوير مقتصرًا على حفظ ما يحدث أمام العدسة.
يقول محمد كامل إن متطلبات الصورة دفعته أحيانًا إلى اقتراح تنظيمات لم تكن مألوفة في الأعراس التي كان يصورها، ثم أصبحت جزءًا من مناسبات أخرى.
ومن أبرز الأمثلة استقبال الضيوف ووداعهم.
قديمًا، وفق ما يتذكره، لم يكن العريس ووالده يقفان بالضرورة عند مدخل الحفل، وكان المدعوون يدخلون إلى ساحة العرس ويغادرونها من دون نظام استقبال ثابت.
ويقول كامل إنه طبق طريقة مختلفة للمرة الأولى في الأعراس التي كان يصورها خلال زفاف رياض شريدي «أبو غياث» عام 1993، قرب مسجد أسامة بن زيد.
طلب من العريس وأهله الوقوف عند المدخل للترحيب بالحاضرين.
وعند نهاية الحفل، وفي أثناء تلاوة الشيخ «دعاء الختام»، طلب منهم الوقوف مرة أخرى لوداع المدعوين فردًا فردًا قبل تفرق الجمع.
كان الهدف بالنسبة إلى المصور الحصول على لقطات واضحة للتفاعل بين العريس وأهله والضيوف.
ويقول كامل إن هذه الطريقة استمرت بعد ذلك في مناسبات أخرى وأصبحت مألوفة لدى عدد من العائلات.
عشر ثوانٍ تحفظ تاريخ العائلة
من القواعد التي اعتمدها كامل تصوير بطاقة الدعوة الورقية في بداية شريط الزفاف.
كان يخصص لها نحو عشر ثوانٍ، تظهر خلالها أسماء العائلتين وتاريخ الحفل، ثم يبدأ تسجيل المناسبة.
وكان يفعل ذلك لأنه يعرف أن البطاقة الورقية قد تضيع أو تتلف، بينما يبقى الشريط.
ويقول إن بعض العائلات عادت بعد سنوات إلى تسجيل زفافها لمعرفة التاريخ الدقيق للزواج عندما لم يعد الزوجان يتذكرانه.
وبذلك تحولت ثوانٍ قليلة في بداية التسجيل إلى سجل للأسماء والتواريخ.
العريس من بين المدعويين إلى المنصة
كان العريس يجلس قديمًا في الصف الأول بين الحاضرين، بحسب محمد كامل.
لكن وجوده بين الصفوف لم يكن مثاليًا للكاميرا، إذ قد يحجبه المارون أو الواقفون، كما يصعب على الحاضرين في الخلف رؤيته.
اقترح كامل رفع مكان جلوسه ووضع «كنبات» مريحة على المنصة بجانب فرقة الإنشاد.
يجلس العريس عليها مع والده وعدد محدود من أعمامه أو أخواله، ثلاثة أو أربعة أشخاص عادة، ليبقوا ظاهرين أمام المدعوين والكاميرا طوال الحفل.
وهكذا لم يعد العريس واحدًا من صفوف الجمهور، بل أصبح جزءًا ثابتًا من المشهد البصري للمنصة.
الكاميرا تدخل بيت العريس
امتد التصوير إلى ما قبل بدء الحفل، فكان محمد كامل يذهب في وقت الظهيرة إلى منزل العريس أو شقته لتصوير تجهيزات البيت.
تمر العدسة على غرفة النوم والموبيليا وغرفة الضيوف والفرش، ثم تصور الأواني والأطباق الزجاجية، التي يسميها الأهالي «الزبادي»، وزجاجات العطر ومستحضرات التجميل والمكياج المرتبة على «البيرو»، أي طاولة الزينة.
بعد ذلك تدمج اللقطات مع أناشيد أو أغانٍ مناسبة للفرح.
كانت الغاية في حينها إظهار منزل الزوجين وما أُعد فيه.
لكن هذه التسجيلات اكتسبت مع مرور السنوات قيمة أخرى، فهي تحفظ شكل الأثاث والأواني والملابس وأنماط تجهيز البيوت، حتى الأشياء التي كُسرت أو ضاعت لاحقًا.
القهوة والبوظة والملبّس أمام العدسة
لم يكن محمد كامل يكتفي بتصوير العريس والمنشدين.
كان يلتفت إلى كواليس الحفل أيضًا.
يصور الرجل المسن الذي يتولى غلي القهوة المرة بجوار الدلال الكبيرة، والشباب الذين يقطعون البوظة ويجهزون الأطباق، ومن يوزعون السكاكر والملبّس والماء.
وكان أقارب العريس وشبان الحارة وأصدقاؤه يتطوعون عادة للقيام بهذه الأعمال.
وبذلك حفظت الكاميرا، إلى جانب فقرات الحفل الرسمية، العمل الجماعي الذي كان يقوم عليه العرس.
الشريط لتفقُد الحضور
كان لشريط الزفاف استخدام اجتماعي آخر بعد انتهاء المناسبة.
يقول كامل إن أهل العريس كانوا يجتمعون أحيانًا لمشاهدة التسجيل، ليس فقط لاستعادة المشاهد، بل لتفقد الحضور.
يمرون على الوجوه لمعرفة من لبى الدعوة وشاركهم الفرح ومن غاب.
وفي مجتمع تقوم فيه المناسبات على شبكة واسعة من العلاقات والواجبات المتبادلة، تحول التسجيل بذلك إلى سجل بصري للحضور.
«تلبيس العريس» أمام المعازيم
كانت فقرة «تلبيس العريس» جزءًا أساسيًا من عدد كبير من الأعراس التي يتذكرها كامل.
يصعد أصدقاء العريس إليه، ويساعدونه على ارتداء طقم الزفاف أمام الحاضرين، بالتزامن مع هتافات «العراضة»، بينما تنتظر الفرقة والضيوف انتهاء الفقرة.
وأحيانًا كان «التلبيس» يشمل الملابس كاملة.
ومن موقعه خلف الكاميرا، كان كامل يحاول الحفاظ على خصوصية العريس.
ينصح بأن يرتدي القميص والبنطلون مسبقًا، ويقتصر المشهد أمام الجمهور على السترة وربطة العنق.
وإذا أصر العريس وأصدقاؤه على تنفيذ التقليد كاملًا، يضبط زاوية الكاميرا بحيث تصور الجزء العلوي من جسده، من منطقة السرة فما فوق، أو يستخدم التقريب «الزوم» على الوجه لتجنب التفاصيل المحرجة.
ويقول كامل إن الظاهرة بدأت تتراجع لدى بعض العائلات بعد نهاية التسعينيات، لكنها بقيت جزءًا من الزفاف لدى شريحة من الأهالي.

«تلبيس العريس» خلال زفاف محمد كامل في داريا عام 1986 (عنب بلدي – أرشيف محمد كامل)
فريق للضيافة
اعتمدت أعراس داريا في معظم مراحلها القديمة على أهل العريس وأصدقائه في خدمة الضيوف.
ويضع كامل بداية ظهور فرق الضيافة المنظمة التي يتذكرها في داريا نحو عام 2000، مع فرقة أسسها «أبو أحمد الكوشك»، صاحب المطعم المعروف قرب ساحة شريدي.
لم تنتشر الفكرة بصورة شاملة، وظل كثير من الأهالي يعتمدون على الأقارب والأصدقاء.
لكن الأعراس ذات الأعداد الكبيرة من المدعوين بدأت تستعين بهذه الفرق لتوفير عدد كافٍ من الأشخاص وتنظيم تقديم الضيافة.
الملبّس.. دليل أنك كنت في عرس
يحتل «الملبّس» مكانًا خاصًا في ذاكرة الأفراح في داريا.
كان ارتباطه بالعرس قويًا إلى درجة أن رؤية شخص يأكل الملبّس أو يخرجه من جيبه يمكن أن تدفع الآخرين إلى استنتاج أنه كان في عرس.
وكانت الحبات تغلف بورق معدني رقيق جدًا يعرف محليًا باسم «ورق الملبّس».
ويتذكر محمد كامل أن الأهالي كانوا يشترونه من محمصة داريا الرئيسة قرب «حارة الصخرة» في شارع الثورة، أو يأتون به من سوق «البزورية» في دمشق.
وقبل الملبّس أو إلى جانبه، كانت البوظة العربية من أبرز أصناف الضيافة.
تقدم سادة، أو بالفستق الحلبي والقشطة، ويجلبها أصحاب الأعراس من محال معروفة في المدينة، بينها بوظة «الكوشك» وبوظة «الكحيل» ومحل لعائلة «العتر»، بالقرب من شارع الثورة.
الحارة جزء من الفرح
ظلت الحارات والأزقة والساحات العامة المكان الغالب لإقامة الأعراس حتى مطلع الألفية، ثم بدأت الصالات تنافسها من دون أن تلغيها.
وبالنسبة إلى المصور، لم يكن العمل في الحارة سهلًا دائمًا.
تمتد كابلات الكاميرات والإضاءة لمسافات بين الحاضرين، ويحتاج المكان إلى شبكة كهرباء مؤقتة، بينما يثير تحرك الجمهور الغبار في الساحات الترابية، فيدخل إلى المعدات ويؤثر في العمل والصورة.
لكن بالنسبة إلى شريحة من العائلات، لم تكن الحارة مجرد مكان متاح لإقامة الحفل، بل جزءًا من معنى المناسبة.
حين يقام العرس بجوار منزل العائلة، تستطيع الحارة كلها المشاركة.
والأهم، وفق ما يذكره كامل، أن نساء العائلة والجارات يستطعن الوقوف على الأسطح والشرفات المطلة ومتابعة العراضة والإنشاد وتفاصيل الحفل طوال الليل بخصوصية أكبر، إذ يرين الساحة بينما تحجب العتمة وجوههن عن الموجودين في الأسفل.
الصالات تدخل أعراس داريا
مع مطلع الألفية، بدأ عدد من العائلات يختار الصالات المغلقة بدل تجهيز الحارة.
وفرت الصالة مكانًا جاهزًا وأكثر نظافة وتنظيمًا، وأعفت العائلة من جزء من أعمال تمديد الإنارة وتنظيف الساحة وإعداد المنصة.
وبحسب التسلسل الذي يتذكره كامل، افتتحت صالة «الأمراء» لفريد اللحام في حارة المسيحية قرابة عام 2000، وصالة «المجد» لياسين رجب مقابل المخفر في الفترة نفسها.
وفي عام 2005 تقريبًا، افتتحت صالة الخولاني لأبناء عمر خولاني «أبو سليمان».
وفي العام التالي، بحسب روايته، افتتحت صالة «دانا» لصاحبها سعيد الزعاويط، المطلة على الحديقة العامة قرب الثانوية الشرعية.
كما استخدمت «الصالة الأثرية» الواقعة بين داريا والمعضمية، وتميزت بمساحتها الكبيرة وقدرتها على استيعاب أعداد كبيرة من المدعوين.
وفي المقابل، كانت بعض العائلات الميسورة تختار صالات في دمشق لإقامة أفراحها.
اقرأ أيضًا: من الأزقة إلى القاعات.. كيف بدأت صالات الأفراح في داريا
الثانوية الشرعية.. المكان المفضل للكاميرا
رغم ظهور الصالات، بقيت باحة الثانوية الشرعية من الأماكن التي يفضل كامل التصوير فيها.
كانت الباحة مكشوفة، ولها مدخل رئيسي واحد، ما يسهل على المصور تسجيل دخول الضيوف.
ويمكن ترتيب الكراسي فيها بصورة منظمة، بينما تشكل أشجار النخيل والخلفية الخضراء مشهدًا مناسبًا للكاميرا.
في الشتاء، ينتقل العرس إلى القاعة الكبيرة المغلقة.
وإذا أقيم الحفل داخلها صيفًا، تستخدم مراوح للتهوية.
ويتذكر كامل أن الأستاذ خالد شحادة جهز القاعة في إحدى المراحل بستائر وديكورات قماشية أنيقة باللونين الأزرق والأبيض، غطت الجدران التي كانت من دون إكساء، وهو ما انعكس على جودة التصوير.
ومع ذلك، لم تستطع الصالات إنهاء عرس الحارة، إذ ظل بعض الأهالي يفضلونه رغم الجهد الإضافي الذي يحتاج إليه.
الورود خلف العريس
في أواخر التسعينيات، بدأت تظهر في الأعراس التي يتذكرها محمد كامل أشكال جديدة من الزينة.
أصبح أهل العريس يضعون إطارًا من الورود خلف مقعده.
وفي الوقت نفسه، بدأت باقات الورد تدخل بوصفها هدايا من الأقارب والأصدقاء، وتثبت عليها بطاقات تحمل اسم المهدي وعبارات التهنئة.
كان ذلك من مظاهر انتقال الزينة تدريجيًا من إضافات بسيطة في الحارة إلى عنصر مستقل من عناصر تجهيز الحفل.
من 100 ألف إلى عشرات الملايين
يقول محمد كامل إن تكلفة العرس الكبير في التسعينيات ومطلع الألفية كانت تشمل مأدبة الغداء وطبخ الطعام وأجر فرقة الإنشاد وتجهيزات الصوت والإضاءة والحلوى والضيافة، ولا تتحاوز في كثير من الحالات نحو 100 ألف ليرة سورية (قرابة 2000 دولار)
أما في الأعراس الحديثة، فأصبحت بعض المناسبات تعتمد على منصات ومسارح كبيرة، وفرش بالسجاد الأحمر، وأبراج إنارة احترافية وكشافات ملونة، وشاشات «LED» كبيرة، وكاميرات احترافية وطائرات تصوير مسيّرة «درون».
ويقدّر كامل أن كلفة هذه التجهيزات اللوجستية والديكور وحدها في بعض الأعراس يمكن أن تتراوح بين 30 و60 مليون ليرة سورية، وهو ما يقدّره، وفق سعر الصرف الحالي، بنحو 2500 إلى 5000 دولار.
ولا تسمح مقارنة الرقمين بالليرة وحدها بقياس تغير كلفة الأعراس خلال عقود شهدت تغيرات كبيرة في قيمة العملة والدخل والأسعار.
لكن المقارنة تكشف تغير مكونات الفرح نفسه، فخدمات كان يقدمها الأقارب والجيران أو عدد محدود من الفنيين أصبحت موزعة بين اختصاصات وشركات ومقدمي خدمات مستقلين.
الصوت والإضاءة يصبحان مهنتين
في أواخر التسعينيات ومطلع الألفية، بدأت تظهر في داريا اختصاصات مرتبطة بالأعراس والفعاليات العامة.
ومنها محلات وتجهيزات متخصصة في الصوت ومكبرات الصوت.
ويتذكر محمد كامل كل من جمال شحادة «أبو بسام»، الذي جمع بين التصوير وتأجير المعدات الصوتية، ونذير فريح «أبو العز»، الذي امتلك تجهيزات فنية وصوتية لتغطية الأفراح والمناسبات.
أما الإنارة، فيرتبط في ذاكرته اسم مظهر شما.
كان شما يتولى تمديد شبكات الإنارة والكشافات في الأعراس، ويستجيب لطلبات المصور عندما يحتاج إلى تعديل الضوء.
وكان يحضر مولدته الكهربائية الخاصة لضمان استمرار الإنارة إذا انقطع التيار العام، ويعمل مع أبنائه طوال السهرة، ثم يبدأ بعد انتهاء الفرح بفك التجهيزات بهدوء.
وبحسب ما يتذكره كامل، توفي مظهر شما في المعتقل بعد انطلاق الثورة.
ونحو عام 2000، دخل إلى مجال الإنارة والمولدات رفيق نوح «أبو بسام» وإخوة من عائلة المؤذن، وقدموا خدمات تشمل المنصات والزينة وتمديد شبكات الكهرباء والإضاءة والمولدات الاحتياطية.
أبو وليد عبيد.. صوت الحفل
إلى جانب المصور والمنشد والفني، ارتبطت بعض الشخصيات بأدوار خاصة في أعراس داريا، من بينها الأستاذ «أبو وليد عبيد».
كان مدرسًا للغة العربية وله قصائد شعرية، ويتمتع بحضور واحترام بين الأهالي.
ويقول محمد كامل إن عددًا كبيرًا من أهل المدينة لم يكن معتادًا على الوقوف أمام جمهور كبير وإلقاء الكلمات، ولذلك كان أبو وليد من الأسماء التي يفضل بعض الأهالي الاستعانة بها لتقديم الحفل والترحيب بالضيوف نيابة عن أهل العريس.
وفي مطلع الألفية، كان يلقي قصائد تتناول فلسطين والقضية الفلسطينية، وكذلك غزو العراق وسقوط بغداد.
وكان يوجه كلمات الثناء إلى العريس، ويشبهه بالقمر، ولا ينسى المصورين، فيثني على عملهم وتوثيقهم للحفل.
وبقيت بعض عباراته ونصائحه في ذاكرة كامل المهنية، ومنها نظرته إلى العريس التي أثرت في الطريقة التي كان المصور يبحث بها عن أجمل زاوية له.
«اشطف فمك»
ومن الشخصيات الطريفة التي بقيت في ذاكرة الأفراح الحاج أبو ماجد الحصان.
كان المنشد يؤدي «موالًا»، وفجأة يقف أبو ماجد من بين صفوف الجمهور ويناديه بصوته: «اشطف فمك!».
والمقصود أن يأخذ رشفة من الماء لترطيب حنجرته كي يستطيع مواصلة الإنشاد بقوة.
وبطريقة قوله العبارة وتوقيتها، كانت تتحول إلى لحظة من الضحك والبهجة بين الجيران والأصدقاء.
أبو صياح.. عرس بدعوة مفتوحة
من الأعراس التي تركت أثرًا خاصًا لدى محمد كامل عرس الدفان حسام البلاقسي (أبو صياح).
يصفه بأنه كان رجلًا شهمًا وخدومًا، لا يتردد في مساعدة الناس، حتى في دفن موتاهم ممن لا تربطه بهم معرفة شخصية.
وكان معروفًا بين أهالي داريا، وخصوصًا في مطلع الألفية.
كان زفافه مشتركًا مع شقيقه، وجلس الاثنان على المنصة المرتفعة وبجوارهما والدهما.
وقبل العرس بأيام، يروي كامل أن أبو صياح أعلن عبر مكبرات الصوت في المسجد دعوة عامة ومفتوحة لأهالي البلدة لحضور الزفاف.
ويستعيد كامل حجم الحشود التي حضرت، ويتذكر أن كميات البوظة والحلوى والملبّس المعدة للمناسبة كفت العدد الكبير من الضيوف، ويصف ذلك بالتعبير الشعبي بأن «البركة حلت فيها».
أما المشهد الأكثر رسوخًا لديه فلم يكن حجم الحضور.
كان أبو صياح ينزل عن الأريكة والمنصة ويدور بين صفوف الجمهور.
يسلم على هذا، ويرحب بذاك، ويتفاعل مع المنشد، ثم يعود إلى مكانه.
وبحسب وصف كامل، كان يتصرف بعفوية إلى درجة أنه بدا واحدًا من المدعوين أكثر مما بدا العريس الذي يفترض أن يبقى جالسًا في مكانه.

أبو صياح البلاقسي (يمين) وعبد الحميد كامل «أبو محمد» في داريا (عنب بلدي – أرشيف محمد كامل)
الأشرطة أصبحت تاريخًا للمدينة
عندما كان محمد كامل يضع بطاقة الدعوة أمام الكاميرا عشر ثوانٍ، أو يصور شابًا يقطع البوظة، أو امرأة تتابع الحفل من سطح بيت، أو فنيًا يمد كابل الإنارة، لم تكن الغاية كتابة تاريخ داريا.
كان يصور عرسًا ستأخذ العائلة شريطه إلى منزلها.
لكن هذه التسجيلات اكتسبت وظيفة أخرى مع مرور العقود.
خلف العريس تظهر حارة قبل أن تتغير أبنيتها، وعلى أطراف الصورة تظهر وجوه أشخاص رحلوا، وفي البيت توثق العدسة أثاثًا وأواني وملابس وطرائق تجهيز لم تعد كما كانت.
وتسجل الأشرطة كذلك انتقال الفرح نفسه بين مراحل مختلفة: مطرب ومنصة خشبية وحلقة رقص، ثم مولد وفرقة إنشاد، ثم كاميرات متعددة و«مكسر» وشاشات، وبعدها صالات وتجهيزات وإضاءة وديكور وخدمات متخصصة.
وحتى ما كان يبدو تفصيلًا عابرًا بقي في الصورة: ورقة الملبّس، دلة القهوة، التلفاز المستعار من بيت الجيران، «كنبات» العريس، الستائر الزرقاء والبيضاء في الثانوية الشرعية، ووجوه النساء البعيدة فوق الأسطح.
وبعد نحو أربعة عقود من ممارسة محمد كامل «أبو عبدو» لمهنة تصوير الأعراس، لم تعد قيمة ما حفظه مقتصرة على تسجيل أعراس أصحابها، بل أصبحت أشرطة المناسبات والصور التي بقيت لديه جزءًا من الذاكرة البصرية والاجتماعية لداريا.
