وضعت نساء عشن الاعتقال والفقدان والتهجير ملفي المفقودين وجبر الضرر في مقدمة مطالبهن أمام ممثلين عن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والهيئة الوطنية للمفقودين، خلال جلسة أقيمت، الأربعاء 26 من آب، في المركز الثقافي في داريا، بالتزامن مع إحياء ذكرى المجزرة الكبرى.
وتوزعت المطالب بين معرفة مصير المعتقلين والمفقودين، وتقديم تسهيلات تعليمية لأبناء الشهداء، وتأهيل مصابي الحرب وتأمين الأطراف الصناعية لهم، وتعويض العائلات عن منازلها المدمرة. كما طُرحت مطالب بالبحث عن رفات الضحايا وتخصيص مقبرة لدفنها، وإقامة مزار تذكاري لمن لا تعرف عائلاتهم أماكن دفنهم.
وحضر الجلسة شيماء البوطي وصافيناز الشعيبي من إدارة المفقودين، ومحمد الدغيم من إدارة الذاكرة، وأحمد سيفو من إدارة تقصي الحقائق وكشف الحقيقة، وأحمد حزرومة من إدارة جبر الضرر، إضافة إلى عضو مجلس الشعب مؤيد حبيب.
مطالب “محقة” بلا مواعيد للتنفيذ
قال أحمد سيفو، مدير إدارة تقصي الحقائق وكشف الحقيقة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، لعنب بلدي، إن حضور ممثلي الهيئة إلى داريا هدفه الاستماع إلى أهالي الضحايا وإشراكهم في صياغة مسارات العدالة الانتقالية.
ووصف سيفو السياق السوري بأنه “معقد وصعب جدًا”، بالنظر إلى حجم الانتهاكات وآثارها، معتبرًا أن الاستماع إلى الضحايا والاستفادة من آرائهم جزء من إعداد القرارات والاستراتيجيات المتعلقة بالعدالة الانتقالية.
وقال إن المطالب التي طُرحت خلال الجلسة “محقة” و”مشروعة”، وترتبط بمسارات كشف الحقيقة ومعرفة مصير المفقودين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات.
لكنه لم يحدد موعدًا لتنفيذ المطالب، موضحًا أن مسار العدالة الانتقالية يحتاج إلى وقت، خصوصًا في الحالة السورية، وأن العمل يجري بالتوازي على المساءلة وكشف الحقيقة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي.
وأشار سيفو إلى بدء التحقيقات في مجزرتي جديدة الفضل والتضامن، وقرب انطلاق تحقيقات في الحولة ومدينة حمص، وقال إن كثرة المجازر واتساع الانتهاكات يفرضان العمل على أكثر من ملف في الوقت نفسه.
وبحسب سيفو، أعدت الهيئة مشروع قانون للعدالة الانتقالية، من المقرر إحالته قريبًا إلى مجلس الشعب لاعتماده إطارًا قانونيًا لعملها.

من الاعتقال والفقدان إلى تعليم الأبناء
حضرت سماهر عبد الحق من كفر بطنا في الغوطة الشرقية إلى الجلسة بتجربة تجمع بين فقدان الزوج والاعتقال والبحث عن مفقودين من عائلتها، وما ترتب على ذلك من أعباء معيشية وتعليمية.
وقالت لعنب بلدي إن زوجها قتل في الغوطة، بينما اعتقلت هي في فرع 215 مدة 35 يومًا. وكان أصغر أبنائها حينها في الثالثة من عمره ولم يعرف والده، بينما كانت ابنتها الكبرى في الصف السادس.
وفُصلت سماهر من وظيفتها بعد اعتقالها، واضطرت، بحسب قولها، إلى بيع أرضها لمتابعة قضيتها، التي استمرت إجراءاتها القضائية أربع سنوات ونصف.
واليوم يستعد ابنها لتقديم امتحانات الشهادة الثانوية، ولذلك تطالب بتسهيلات تعليمية لأبناء الشهداء تساعدهم على مواصلة دراستهم بعد السنوات التي تحملت فيها عائلاتهم تبعات فقدان أحد الوالدين.
ولا يقتصر ملف المفقودين بالنسبة إلى سماهر على أسرة واحدة، إذ قالت: “عيلتي كتير فيها مفقودين”، موضحة أن بينهم أبناء خالاتها وأخوالها وأعمامها، وأن محاولات العائلة لمعرفة مصيرهم لم تصل إلى نتيجة.
وتأمل سماهر أن يحصل أبناؤها وأبناء جيلهم على فرص مختلفة عن تلك التي أتاحتها سنوات الاعتقال والحرب والتهجير لجيلها.
“كنت حابة أعرف وين إخواتي”
أما نوال خولاني، فجاءت إلى الجلسة وفي مقدمة ما تنتظره معرفة مصير شقيقيها المعتقلين.
وقالت لعنب بلدي: “كنت حابة أعرف وين إخواتي”.
وبحسب نوال، كان أحد شقيقيها محتجزًا في سجن صيدنايا، وبعد سقوط النظام، توجه أبناؤه إلى السجن وانتظروا يومين أو ثلاثة، لكنهم لم يعثروا عليه.
أما شقيقها الآخر، فكان محتجزًا في فرع 215، ولا تزال العائلة تجهل مصيره.
ونوال نفسها ناجية من الاعتقال في الفرع ذاته. وقالت إنها اعتقلت للمرة الأولى بعد توقيفها في منطقة الرازي بالمزة، ثم نقلت إلى فرع 215، حيث بقيت قيد التحقيق نحو شهر ونصف قبل إطلاق سراحها.
واعتقلت مرة أخرى بعدما توجهت إلى المنطقة نفسها للقاء أحد أقارب زوجها وتسلم أغراض لأطفالها وعائلة زوجها، بحسب شهادتها.
وقالت إن كل شخص حضر الجلسة جاء حاملًا قصة و”همًا” خاصًا به، وإن ما تنتظره من هذه اللقاءات هو الوصول إلى نتائج تمنح العائلات إجابات عن ذويها المفقودين.
“كل الناس حكت وجعي”
تتقاطع مطالب المفقودين مع أشكال أخرى من جبر الضرر بالنسبة إلى أم حسن الكيراني، التي حضرت من العتيبة في الغوطة الشرقية.
أم حسن ناجية من الاعتقال، وزوجة معتقل، وأم لشهيد وأخت لشهيدين، كما أصيب أحد أبنائها خلال الحرب ودُمر منزل عائلتها بالكامل.
وقالت لعنب بلدي إنها لم تحتج إلى طرح مطلب منفصل خلال الجلسة، لأن تجارب المشاركين ومطالبهم عبرت عما عاشته أيضًا: “كل الناس حكت وجعي”.
وتحدثت عن 13 عامًا أمضتها في تربية أبنائها بعد فقدان والدهم، وكان أصغرهم في سن لم يكن قادرًا فيها على الكلام، بينما كان أكبرهم في الصف الثاني.
كما اعتقلت أم حسن ثلاث مرات، وقالت إن اعتقالها الأول كان عند مطار المزة، بتهمة إعطاء إحداثيات للجيش الحر، وقضت شهرًا في المعتقل، بينما أعادت الاعتقالات اللاحقة إليها الخوف الذي عاشته في تجربتها الأولى.
لكن أحد أكثر مطالبها إلحاحًا اليوم يتعلق بابنها المصاب، الذي فقد أطرافًا نتيجة إصابته خلال الحرب.
وقالت إنها لم تتمكن من تأمين طرف صناعي له، وإن مراجعاتها اصطدمت بكلفة تصل إلى 140 دولارًا، في حين لا يستطيع ابنها تحملها لعدم وجود عمل لديه.
وطالبت بإنشاء مراكز متخصصة لمصابي الحرب وتأمين الأطراف الصناعية والعلاج لهم، إلى جانب تعويض العائلات عن المنازل المدمرة ومساعدة من فقدوا أبناءهم أو أزواجهم.
واقترحت أيضًا تقديم رواتب أو قروض وتسهيلات معيشية للعائلات التي تحملت آثار الفقدان والاعتقال والإصابات خلال السنوات الماضية.
ما الذي سيأتي بعد الاستماع؟
جمعت الجلسة مطالب تتصل بمسارات مختلفة للعدالة الانتقالية، تبدأ من سؤال العائلات عن مصير المفقودين، وتمتد إلى التعويض عن الأضرار التي بقيت آثارها في حياة الناجين وعائلات الضحايا، سواء في التعليم أو السكن أو الإصابة وفقدان القدرة على العمل.
وفي المقابل، قال سيفو إن الهيئة بدأت العمل على مسارات المساءلة وكشف الحقيقة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي، وإن مشروع قانون العدالة الانتقالية سيحال إلى مجلس الشعب.
لكن الجلسة لم تخرج بمواعيد محددة لمعرفة مصير المفقودين الذين تحدثت عنهم العائلات، أو لتنفيذ مطالب جبر الضرر التي طرحتها المشاركات.


