عاد سكان إلى الحارات الواقعة خلف كازية داريا الحديثة بين عامي 2020 و2021، لكن المنطقة ما تزال خارج شبكات الكهرباء النظامية والمياه والصرف الصحي، وتعتمد على طرق غير معبدة، في وقت شهدت فيه أحياء مجاورة تنفيذ مشاريع خدمية جزئية خلال السنوات الماضية.
ويقول سكان تحدثوا إلى عنب بلدي إن استمرار غياب هذه الخدمات أجبرهم على الاعتماد على حلول بديلة مرتفعة الكلفة، وأثر في ظروف السكن والعمل والتنقل، بينما تؤكد بلدية داريا أن محدودية الإمكانات تجعل الأولوية في المرحلة الحالية للأحياء الأعلى كثافة سكانية والشوارع الرئيسية.
وتظهر المعاينة الميدانية لعنب بلدي أن معظم الطرق داخل الحي ما تزال ترابية، فيما تعتمد منازل عدة على ألواح الطاقة الشمسية وخزانات وآبار سطحية، وتغيب عن أجزاء واسعة من المنطقة شبكات الخدمات الأساسية.
سنوات بلا كهرباء نظامية
لا تزال الحارات الواقعة خلف كازية داريا الحديثة خارج شبكة الكهرباء العامة، ما يدفع السكان إلى الاعتماد على الأمبير أو الطاقة الشمسية لتأمين احتياجاتهم اليومية.
ويقول سكان إن الاشتراك بالأمبير يتطلب دفع نحو 650 ألف ليرة سورية لتركيب الخط، ثم يحتسب الاستهلاك بسعر عشرة آلاف ليرة لكل كيلوواط للمنازل، و12 ألف ليرة للمحال التجارية، ما يشكل عبئًا إضافيًا على الأسر وأصحاب الأعمال.
أما الطاقة الشمسية، فأصبحت البديل الأكثر انتشارًا، لكنها تقتصر غالبًا على الإنارة وتشغيل بعض الأجهزة المنزلية، ولا تكفي لتغطية كامل احتياجات المنازل.
وقالت فاطمة لحام، من سكان الحي، لعنب بلدي إن أسرتها تعتمد على الطاقة الشمسية منذ انتقالها إلى المنطقة قبل نحو خمس سنوات، لكنها لا تستطيع تشغيل جميع الأجهزة الكهربائية في الوقت نفسه.
وأضافت أن البراد لا يعمل بصورة مستمرة، خصوصًا خلال ساعات المساء، ما يصعّب حفظ الطعام والمؤن.
ولا يقتصر أثر غياب الكهرباء على المنازل، بل يمتد إلى أصحاب الورش والمحال التجارية.
وقال ماجد لحام، صاحب ورشة نجارة في الحي، إنه يعتمد على الأمبير لتشغيل معدات الورشة، موضحًا أن كلفته أعلى من الكهرباء النظامية، ما يزيد نفقات العمل ويؤثر في مردوده.
مياه بالصهاريج والآبار
إلى جانب الكهرباء، يقول السكان إن شبكة المياه العامة لم تصل حتى الآن إلى الحارات الواقعة بعد السكة الحديدية خلف الكازية.
وبحسب سكان تواصلوا مع وحدة مياه داريا، فإنهم أبلغوا بأن تمديد الشبكة يواجه صعوبات تتعلق بمرور خط السكة الحديدية، بينما وصلت خطوط المياه إلى المنطقة الواقعة قبل السكة فقط.
وخلال السنوات الأولى من عودة الأهالي، اعتمدت معظم العائلات على شراء المياه عبر الصهاريج، التي تتراوح كلفة تعبئة عشرة براميل منها اليوم بين 80 و100 ألف ليرة سورية.
ومع استمرار غياب الشبكة، اتجه كثير من السكان إلى حفر آبار سطحية وتركيب غطاسات لتأمين المياه اللازمة للاستخدام المنزلي، مؤكدين أن هذه المياه لا تستخدم للشرب.
طرق ترابية وصرف غير مكتمل
لا تقتصر المشكلات على الكهرباء والمياه، إذ ما تزال معظم طرق الحي غير معبدة، فتتحول خلال الشتاء إلى مسارات طينية تعيق الحركة، بينما تصبح في الصيف مصدرًا دائمًا للغبار.
وقالت هدى قديمي، من سكان المنطقة، إن الدخول إلى الحي والخروج منه يصبح أكثر صعوبة خلال الأيام الماطرة، بينما تضطر العائلات إلى تنظيف منازلها أكثر من مرة يوميًا خلال الصيف بسبب الغبار.
وأشار طه لحام، أحد سكان الحي، إلى أن وعورة الطريق تزيد صعوبة تنقل الأطفال إلى المدارس، خصوصًا خلال فصل الشتاء.
ويرى السكان أن تأخر معالجة شبكة الصرف الصحي يعد أحد أسباب استمرار هذا الواقع، إذ يقولون إن الشبكة تعرضت لأضرار خلال سنوات الحرب، بينما تعاني أجزاء منها من انسدادات وكسور متكررة.
وأضاف لحام أن المشكلة لا تقتصر على انسداد الأنابيب، موضحًا أنه خلال أعمال ترميم منزل شقيقه لم يعثر على شبكة صرف واضحة، ما اضطر الأسرة إلى إنشاء جورة فنية وتصريف المياه باتجاه البساتين، وهو حل لجأت إليه عائلات أخرى أيضًا.
ويقول السكان إن هذا الواقع تسبب بظهور روائح كريهة في بعض المواقع، كما حال دون استكمال أعمال تزفيت الشوارع.
شكاوى ووعود بلا تنفيذ
يؤكد السكان الذين تحدثوا لعنب بلدي أنهم راجعوا بلدية داريا أكثر من مرة للمطالبة بإصلاح شبكة الصرف الصحي وإيصال المياه إلى المنطقة.
وأضافوا أنهم قدموا قبل نحو عامين عريضة للمطالبة بتمديد شبكة المياه، كما تقدموا خلال شهر رمضان الماضي بشكوى تتعلق بالصرف الصحي، وتلقوا وعودًا بمتابعة الملف بعد عطلة العيد، إلا أنهم يقولون إنهم لم يلمسوا أي تغيير حتى الآن.
ويرى السكان أن بقاء المنطقة مأهولة منذ سنوات من دون خدمات أساسية يزيد كلفة السكن فيها، ويجعلهم أمام حلول فردية مؤقتة، من الطاقة الشمسية والأمبير، إلى الصهاريج والآبار والجور الفنية.
البلدية: الصرف يحتاج إلى إعادة تنفيذ
رئيس بلدية داريا، رائد عبيد، قال لعنب بلدي إن مشكلة الصرف الصحي في المنطقة لا ترتبط فقط بتضرر الأنابيب وتكسرها خلال سنوات الحرب، بل أيضًا بطريقة تنفيذ الشبكة.
وأوضح عبيد أن جزءًا من الشبكة تمد تمديده بعكس ميول الأرض، إذ يتجه التصريف نحو داريا بدلًا من الأشرفية، في حين يفترض أن يتصل بالخط الواصل من العلالي باتجاه السبينة، ما يجعل إصلاحها يتطلب إعادة تنفيذ جزء كبير من الشبكة، وليس الاكتفاء بأعمال صيانة.
وأضاف أن البلدية نفذت سابقًا جزءًا من أعمال الصرف الصحي في المنطقة، ولم يتبق سوى نحو 150 مترًا لتخديم كامل الحي، إلا أن استكمالها بالشكل الحالي سيبقي المشكلة قائمة.
ولذلك، بحسب عبيد، يتطلب الحل إعادة تنفيذ نحو 600 متر من خطوط الصرف الصحي وفق المسار الصحيح، وهو مشروع يحتاج إلى إمكانات مالية غير متوفرة حاليًا.
وأوضح أن أعمال تزفيت الشوارع لن تبدأ قبل الانتهاء من معالجة الصرف الصحي، مشيرًا إلى أن البلدية تركز في المرحلة الحالية على الشوارع الرئيسية والأحياء الأعلى كثافة سكانية بسبب محدودية الموارد.
مشاريع كهرباء بلا موعد محدد
فيما يتعلق بالكهرباء، قال عبيد إن هناك مشروعين في منطقتي مشتل الزعرور ورياض الأسود، من المتوقع أن يساهما في تغذية المنطقة بالكهرباء مستقبلًا، دون أن يحدد جدولًا زمنيًا لتنفيذهما.
أما بشأن المياه، فقال رئيس البلدية إنه لا يملك معلومات عن وجود مشكلة في شبكة المياه داخل المنطقة، في حين يؤكد سكان أن اعتمادهم على الآبار والصهاريج مستمر بسبب عدم وصول الشبكة إلى أجزاء من الحي.
وبين اعتماد السكان على حلول فردية مرتفعة الكلفة، وحديث البلدية عن محدودية الإمكانات وأولوية الأحياء الأكثر كثافة، تبقى الحارات الواقعة خلف كازية داريا الحديثة بانتظار إدراجها في مراحل التأهيل المقبلة.