أوقفت بلدية داريا، الأحد 8 آذار، التعاملات العقارية في منطقة تمتد من مقام النبي حزقيل مرورًا بحي الشعيرية باتجاه جامع الأنصار في المدينة، في خطوة قالت إنها تأتي ضمن إجراءات مرتبطة بدراسة مخطط تنظيمي جديد لمعالجة مشكلات عمرانية وملكية في أحياء تعرضت لدمار واسع خلال سنوات الحرب.
وتأتي هذه الخطوة في سياق محاولة تنظيم مناطق تضررت بشكل كبير خلال الحملة العسكرية على المدينة، إذ كشفت عودة السكان تدريجيًا خلال السنوات الماضية عن تحديات تنظيمية تتعلق بضابطة البناء وصغر مساحة عدد من العقارات، إضافة إلى تعدد الملكيات نتيجة انتقالها بين الورثة أو بيعها عبر عقود ووكالات خلال سنوات النزوح، وفق ما أوضحه رئيس بلدية داريا رائد عبيد لعنب بلدي.
مناطق مدمرة ومشكلات تنظيمية
تشمل المناطق التي يجري العمل على دراستها المنطقة المجاورة لمقام النبي حزقيل الممتدة حتى شارع الوحدة، وهي منطقة تعرضت لدمار شبه كامل خلال الحملة العسكرية التي شهدتها المدينة بين عامي 2012 و2016.
وأدى حجم الدمار في هذه المنطقة إلى اختفاء جزء كبير من الأبنية القديمة، ما يجعل إعادة البناء فيها مرتبطة بإعادة تنظيم عمراني أوسع وليس مجرد إعادة إعمار كل عقار على حدة.
أما المنطقة الواقعة خلفها، والمعروفة باسم حي الشعيرية، فتواجه مشكلات تنظيمية تتعلق بصغر مساحة العقارات وضيق الشوارع وتعدد الملكيات ضمن العقار الواحد، وهو ما يجعل كثيرًا من العقارات غير مطابق لشروط ضابطة البناء المعتمدة حاليًا، بحسب عبيد.
ويرى أن البناء وفق الوضع الحالي قد يؤدي إلى ظهور أبنية صغيرة وغير منظمة، ما يدفع البلدية إلى دراسة تعديل المخطط التنظيمي بما يتوافق مع نظام الإدارة المحلية المعمول به.
توحيد الملكيات وتنظيم المنطقة
تبلغ مساحة المنطقة التي يجري العمل على دراستها نحو 120 ألف متر مربع، وتقوم الفكرة الأساسية للمشروع على التعامل معها كأنها عقار واحد بعد حل الملكيات وتحويلها إلى أسهم مشتركة بين أصحابها.
وبموجب هذا التصور، تخصص أجزاء من المساحة للطرق والخدمات العامة، فيما تدخل المساحة المتبقية ضمن ضابطة بناء جديدة تسمح بإقامة أبنية منظمة مع الحفاظ على نسب البناء، بحيث يحصل كل صاحب ملك على حصته وفق ملكيته الأصلية ضمن المخطط الجديد.
ويهدف هذا الإجراء إلى تنظيم المنطقة دون الإضرار بحقوق المالكين ومنع استمرار البناء العشوائي في المناطق المدمرة، خاصة أن كثيرًا من الأبنية في المنطقة تعرضت لدمار كامل، في حين لا يتمكن عدد من الأهالي من إعادة البناء بسبب الظروف المعيشية الصعبة، وفق رئيس البلدية.
معالجة مشكلة الطرق
تشمل دراسة تنظيم المنطقة جانبًا يتعلق بالبنية المرورية داخل المدينة، إذ تعتمد داريا حاليًا بشكل رئيسي على شارع الثورة الممتد من ساحة الترب حتى طريق صحنايا.
ولا يوجد في المدينة طريق رئيسي موازٍ يسمح بحركة مرور باتجاه معاكس، وهو ما يسبب ضغطًا مروريًا في بعض الأوقات.
وقد يتيح تنظيم المنطقة فتح شوارع جديدة داخل الحي وربطها بشارع الوحدة، الأمر الذي يمكن أن يسهم في تحسين الحركة المرورية داخل المدينة، بحسب عبيد.
تجربة أولى لتنظيم مناطق مدمرة
ينظر إلى المشروع باعتباره تجربة أولى لتنظيم مناطق مدمرة في داريا، مع إمكانية تطبيق الفكرة لاحقًا في مناطق أخرى أصغر داخل المدينة قد تبلغ مساحتها نحو 15 ألف متر مربع أو تشمل عدة كتل عمرانية.
وفي هذه الحالات تعمل البلدية على معالجة ملف الملكيات عبر تشكيل لجنتين قضائيتين، الأولى تعنى بتثبيت الملكيات وتحديد أصحاب الحقوق في العقارات، فيما تتولى الثانية النظر في النزاعات وإصدار الأحكام في الحالات المرتبطة بتعدد الورثة أو بعمليات البيع التي جرت عبر عقود أو وكالات.
وتهدف هذه الإجراءات إلى تثبيت الملكيات بشكل قانوني وضمان حصول كل صاحب ملك على حقه بقرار قضائي واضح، وفق ما ذكره رئيس البلدية.
وكانت البلدية عرضت فكرة المشروع على محافظ ريف دمشق عامر الشيخ بحضور إدارة المنطقة، ولقي المقترح ترحيبًا وتشجيعًا على الإسراع في دراسته وتنفيذه.
تنظيم تدريجي للمدينة
تعتمد الفكرة على مقاربة عمرانية تعرف في بعض التجارب باسم “النهضة العمرانية بطريقة الوخز”، وهي تقوم على تطوير مناطق محددة داخل المدينة بشكل تدريجي بدل إعادة تنظيمها بالكامل دفعة واحدة.
وبموجب هذا الأسلوب يجري العمل على تنظيم منطقة معينة ثم الانتقال إلى منطقة أخرى لاحقًا، وهو ما يشبه “وخز الإبر”، وهي فكرة طرحت خلال ورشة عمل نظمتها منظمة “بُنى التنموية” في المركز الثقافي بمدينة داريا.
ويرى القائمون على المشروع أن هذا النهج قد يكون أكثر واقعية في المدن التي شهدت دمارًا واسعًا، خاصة عندما تتجاور الأبنية المدمرة مع أبنية أعيد بناؤها خلال السنوات الأخيرة.
وتستعد بلدية داريا لعقد اجتماع للإعلان عن المخطط التنظيمي المقترح قبل طرحه رسميًا للاعتراضات.
ويتيح القانون عرض المخطط التنظيمي لمدة شهر كامل لتلقي الملاحظات والاعتراضات من الأهالي، بحيث يمكن للسكان تقديم اعتراضاتهم في حال وجود مشكلات تتعلق بضابطة البناء أو عرض الشوارع أو توزيع الملكيات، قبل رفع المخطط إلى اللجنة الإقليمية لدراسة التعديلات الممكنة.
إعادة تقييم مواقع الخدمات
كما تدرس البلدية إعادة تقييم بعض المواقع التي كانت ملحوظة سابقًا لإقامة مرافق خدمية مثل المدارس والحدائق، إذ إن بعضها حدد منذ عام 1985 دون تنفيذ.
وبسبب التأخر الطويل في تنفيذ هذه المشاريع تحولت بعض الأراضي الملحوظة للخدمات إلى مناطق سكنية أو أقيمت عليها أبنية خلال السنوات الماضية.
وبحسب عبيد، تبحث البلدية صيغًا لتنفيذ هذه المشاريع قد تشمل الشراكة مع أصحاب العقارات أو المستثمرين لإقامة مرافق خدمية مثل المدارس أو المراكز الصحية مقابل منح تراخيص بناء ضمن المخطط الجديد.
وقد يعتمد التنظيم الجديد في بعض المناطق نسبة بناء تقارب 40% من مساحة الأرض مقابل تخصيص مساحات للخدمات العامة والمساحات الخضراء.
حدود المنطقة المشمولة بالدراسة
وبين عبيد أن المنطقة التي يجري العمل على دراستها تبدأ من زاوية الحديقة عند مقام النبي حزقيل حتى شارع الوحدة، مع الإبقاء على بعض الأبنية القائمة.
كما تمتد المنطقة عبر حارة الشعيرية باتجاه جامع الأنصار، ما يفسر قرار إيقاف التعاملات العقارية في هذا النطاق لحين الانتهاء من دراسة المخطط التنظيمي المقترح.
ويأتي القرار في إطار محاولات معالجة التحديات العمرانية التي برزت بعد عودة السكان إلى داريا، في ظل وجود مناطق مدمرة بالكامل وأخرى شهدت عمليات بناء متفرقة خلال السنوات الماضية.
وترى البلدية أن تنظيم هذه المناطق بشكل تدريجي قد يشكل خطوة أولى نحو إعادة إعمار المدينة بصورة أكثر انتظامًا، بما يوازن بين حماية حقوق المالكين ومعالجة المشكلات التنظيمية المتراكمة وتحسين البنية العمرانية والخدمية في الأحياء المتضررة.


محيط مقام النبي حزقيل في مدينة داريا بريف دمشق، إحدى المناطق المشمولة بدراسة المخطط التنظيمي الجديد – 9 آذار 2026 (عنب بلدي-سعيد خشفة)
