بين أطلال حي “الخليج” في مدينة داريا، لم يبق من الاسم سوى ذكريات يرويها الأهالي عن منطقة كانت مئات المنازل والمزارع الخاصة، قبل أن تتحول إلى مساحة جرداء أُزيلت معالمها بالكامل، في سياق سياسات أمنية هدفت إلى تأمين مطار المزة العسكري المجاور.
وكان حي الخليج يضم قرابة 40 ألف نسمة ونحو 1000 منزل، وفق تقديرات الأهالي، إضافة إلى بساتين واسعة تمتد من مدخل داريا الغربي وصولًا إلى طريق المعضمية.
اليوم، لم يعد الحي موجودًا فعليًا على الخارطة السكنية، بعد عمليات هدم وتجريف واسعة طالت الأبنية والملكيات الخاصة، تحت ذرائع أمنية.
قيود تسبق عام 2011
وبحسب شهادات الأهالي، تعود جذور الحصار الأمني المفروض على الحي إلى ما قبل عام 2011، إذ فرضت المخابرات الجوية منذ تسعينيات القرن الماضي قيودًا مشددة على المنطقة المحيطة بالمطار.
ومع مرور الوقت، توسعت المنطقة العازلة المحيطة بحرم المطار من نطاقها القانوني المحدود إلى مساحة تُقدر بنحو خمسة كيلومترات مربعة.
ولم تقتصر القيود حينها على منع التوسع العمراني، بل شملت عرقلة إدخال الخدمات الأساسية، التي كانت تمر في كثير من الأحيان عبر أساليب غير رسمية، وفق روايات السكان.
من الحصار إلى الهدم الكامل
مع اندلاع الثورة السورية وما تبعها من عمليات عسكرية، انتقلت الإجراءات الأمنية من التضييق إلى الهدم الكلي.
وأكد أهالٍ أن المنطقة تعرضت لعمليات تجريف واسعة خلال فترة الحصار ما بين عامي 2013 و2016، شملت إزالة الأبنية وتسوية الأراضي، إلى جانب حفر خنادق وإقامة سواتر ترابية توغلت لأكثر من كيلومتر باتجاه شارع داريا العام (الكورنيش).
ويشير السكان إلى أن هذه الأعمال أدت إلى تغيير ملامح الحي جغرافيًا، وتحويله فعليًا إلى امتداد أمني وعسكري لمطار المزة العسكري.

صور أقمار صناعية لحي الخليج بداريا بين عامي 2013 و2023 (عنب بلدي- جوجل إيرث)
خسائر بلا أفق
في جولة بين الأنقاض، بعد سقوط نظام الأسد وبدء عودة النازحين والمهجرين إلى مدينتهم، يروي أصحاب أملاك قصص فقدان ممتلكاتهم التي كانت تضم منازل ومحالًا تجارية وطوابق سكنية.
وتُقدر الخسائر المادية بمليارات الليرات السورية، إلا أن الأهالي يرون أن الخسارة الأعمق تتمثل في طمس ذاكرة حي كامل، وتحويله إلى منطقة محرمة لا يُسمح لأصحابها بالتصرف بأراضيهم.
حي خارج الزمن
يقف حي الخليج اليوم بوصفه مثالًا صارخًا على التدمير الممنهج للملكيات الخاصة في ريف دمشق، فالدمار لم يعد نتيجة عوامل طبيعية أو تقادم عمراني، بل حصيلة قرارات سياسية وأمنية أدت إلى محو حي كامل من الخارطة السكنية.
وبينما تتواصل أعمال جرف الأنقاض وإعادة ترميم الأبنية المدمرة في داريا، يزور أصحاب البيوت المهدمة حيهم المدمر، في انتظار مسار عدالة انتقالية يعيد تثبيت الملكيات التي طُمست تحت ركام الحرب، ويعيد للحي اسمه ومكانه في ذاكرة داريا.
