بعد أن كانت خدمات التوصيل في داريا تقتصر على طلبات محدودة قبل أعوام، توسع نشاطها تدريجيًا، حتى باتت بعض المكاتب تشغّل أكثر من 25 عاملًا وعاملة، بينما تستقبل مكاتب أخرى بين 40 و50 طلبًا في الأيام العادية.
ويعكس انتشار هذه الخدمة تغيرًا في طريقة حصول بعض السكان على احتياجاتهم اليومية، إذ أصبح التوصيل خيارًا يعتمد عليه بعضهم بصورة منتظمة، بينما يلجأ إليه آخرون عند الحاجة أو تعذر الخروج من المنزل أو في أوقات يصعب فيها التنقل.
وفي المقابل، وفرت مكاتب التوصيل فرص عمل لشبان من المدينة، يعتمد دخلهم على عدد الطلبات التي ينجزونها، في وقت توسعت فيه أنماط الطلب لتشمل احتياجات المنزل والوجبات الجاهزة وغيرها من المشتريات اليومية.
من طلبات معدودة إلى عشرات العاملين
يقول محمد خشفة، صاحب أحد مكاتب التوصيل في داريا، إن المكتب افتتح قبل نحو أربعة أعوام، وكانت الطلبات في بدايته محدودة، ولم يكن يستقبل سوى طلب أو طلبين يوميًا، وترتفع في أفضل الأحوال إلى خمسة طلبات.
ويضيف لعنب بلدي أن فكرة التوصيل لم تكن منتشرة بين سكان المدينة آنذاك، وكان كثيرون يفضلون شراء احتياجاتهم بأنفسهم، لكن الإقبال على الخدمة ازداد تدريجيًا مع مرور الوقت، حتى توسع العمل وارتفع عدد العاملين.
وبدأ المكتب بشخص واحد وموظفة، بينما يضم اليوم أكثر من 25 موظفًا وموظفة يستخدمون الدراجات النارية والهوائية ودراجات الشحن والسيارات، بحسب طبيعة الطلب والمسافة.
ويقدّر خشفة عدد مكاتب التوصيل العاملة في داريا بأكثر من ثمانية مكاتب، بعد أن أصبح هذا النشاط حاضرًا في مختلف أحياء المدينة.
أما أبو نضال زيادة، صاحب مكتب توصيل آخر، فيقول إنه بدأ العمل في المجال خلال أيلول 2025 بعد تجارب مهنية لم تحقق دخلًا مناسبًا، ويستقبل مكتبه حاليًا بين 40 و50 طلبًا في الأيام العادية، بعدما بدأ العمل بمفرده وأصبح يشغّل أربعة شبان.
وبحسب ما ذكره لعنب بلدي، تتغير طبيعة الطلبات خلال اليوم، إذ تتركز صباحًا على احتياجات المنزل، ثم ترتفع طلبات وجبات الغداء ظهرًا، قبل أن تنتقل مساءً إلى الوجبات السريعة وغيرها من الاحتياجات، ما يجعل وتيرة العمل تختلف باختلاف ساعات اليوم.
ويشير خشفة إلى أن الضغط يزداد يومي الخميس والجمعة مع ارتفاع طلب الوجبات الجاهزة خلال عطلة نهاية الأسبوع، بينما تبدأ أجرة التوصيل من عشرة آلاف ليرة سورية، وترتفع بحسب المسافة.
متى يلجأ السكان إلى التوصيل؟
تختلف طريقة استخدام سكان داريا لخدمات التوصيل، وفق مقابلات أجرتها عنب بلدي مع أربع سيدات، إذ لا تحل الخدمة محل التسوق المباشر بالنسبة إلى الجميع، وإنما تستخدم وفق ظروف كل أسرة واحتياجاتها.
وتقول أماني خليل إنها تعتمد على الخدمة بصورة منتظمة لأنها توفر الوقت ومشقة التنقل، خاصة أنها موظفة، كما أتاحت لها شراء احتياجات من محال أبعد لم تكن تقصدها سابقًا.
أما رغد خولاني، فلم تبدأ استخدام الخدمة إلا بعد إنجاب طفلتها، عندما أصبح الخروج من المنزل أكثر صعوبة، لكنها لا تعتمد عليها بصورة دائمة، بل تلجأ إليها عند استقبال الضيوف أو عندما يتعذر عليها الخروج.
وتستخدم رغد كمال خدمات التوصيل أساسًا خلال أيام الحر أو في ساعات الليل، بينما تعتمد ريم محمود عليها في معظم الأحيان بسبب سفر زوجها، مشيرة إلى أن الخدمة لم تغيّر طبيعة مشترياتها، وإنما غيّرت طريقة الحصول عليها.
دخل يرتبط بعدد الطلبات
وفرت خدمات التوصيل فرص عمل لشبان من المدينة، لكن الدخل لا يرتبط براتب ثابت، بل بعدد الطلبات المنجزة، ما يجعل حجم العمل اليومي عاملًا أساسيًا في تحديد العائد.
ويقول خشفة إن العاملين في مكتبه يحصلون على نسبة من أجرة كل طلب، ويستخدم كل منهم مركبته الخاصة ويتحمل تكاليف الوقود والصيانة.
ويقول حسن أبو شناق، وهو عامل توصيل، إن عمله يبدأ عند التاسعة والنصف صباحًا ويستمر حتى التاسعة مساءً، وينجز بين 15 و20 طلبًا في بعض الأيام، وقد يصل العدد إلى نحو 40 طلبًا في أيام الضغط.
ويضيف أن دخله الأسبوعي الصافي، بعد خصم تكاليف الوقود والصيانة، قد يتجاوز مليون ليرة سورية إذا استمر العمل بوتيرة مرتفعة طوال الأسبوع.
ويقول عامل آخر، فضل عدم ذكر اسمه، إن التوصيل يوفر له دخلًا إضافيًا إلى جانب عمله الأساسي، لكنه يواجه صعوبات مرتبطة بالمسافات وتكاليف التنقل، إلى جانب الحاجة إلى التنقل المستمر بين مناطق المدينة.
ويواجه العاملون أيضًا صعوبات مرتبطة بالعمل في مختلف الظروف الجوية، ورداءة بعض الطرق التي قد تؤدي إلى انسكاب الطعام أثناء نقله، إضافة إلى مشكلات الاتصالات التي تعيق التواصل مع الزبائن والمكاتب.
أما أصحاب المكاتب، فيرون أن التحدي الأكبر لم يعد استقطاب الزبائن، بل تنظيم العمل وتوزيع الطلبات وإدارة فرق التوصيل مع ازدياد عدد العاملين واتساع نطاق الخدمة داخل المدينة.