لم تستطع سديل جوخة الوصول إلى منزل جدها في داريا بعد عودتها من لبنان، مع أنه المكان الوحيد الذي كانت تعرفه جيدًا قبل مغادرتها. فالدمار بدل شكل الحي ومعالمه، فيما يزيد غياب شاخصات الشوارع في داريا صعوبة الاهتداء إلى العناوين بعد سنوات من الغياب.
ولا يقتصر الارتباك على من غادروا البلاد، إذ يواجهه أيضًا من أقاموا سنوات خارج المدينة ثم عادوا إليها.
وتعتمد نساء تحدثن إلى عنب بلدي على سؤال المارة وتطبيقات الخرائط وسيارات الأجرة للوصول إلى وجهاتهن، لكن هذه البدائل قد تتعطل بسبب ضعف تغطية الاتصالات أو خلو بعض الشوارع من المارة، بينما تقول البلدية إن تركيب الشاخصات سيأتي بعد استكمال التزفيت وتنفيذ الأرصفة.
ذاكرة لا تقود إلى بيت الجد
انتقلت سديل، البالغة من العمر 18 عامًا، من داريا إلى لبنان بعد الحملة العسكرية على المدينة أثناء الثورة، ولم تكن تحتفظ في ذاكرتها عن المدينة إلا بمنزل جدها، وهو المكان الوحيد الذي كانت تعرفه جيدًا.
وعندما عادت إلى داريا، كان بيت الجد أول مكان أرادت الوصول إليه، لكنها لم تتمكن من العثور عليه أو حتى التعرف إلى الحي الذي يقع فيه.
تقول سديل إن الدمار غير شكل المنطقة، فلم تعد الأبنية والشوارع التي تتذكرها موجودة بالصورة نفسها، وعجزت عن ربط المشهد الحالي بما بقي في ذاكرتها.
تسكن سديل حاليًا في شارع الكورنيش، لكنها لا تتحرك بمفردها داخل المدينة، لأنها لا تعرف معظم شوارعها ولا تجد شاخصات أو معالم واضحة تستدل بها.
كما تغيرت، وفق ما تتذكره، أسماء بعض الجوامع التي كانت تعتمد عليها لمعرفة الاتجاهات.
ودفعها الخوف من أن تضل طريق العودة إلى تجنب الخروج وحدها، إذ لم تعد الذاكرة التي حملتها معها من المدينة كافية للتنقل فيها بعد عودتها.

الخرائط تتوقف بانقطاع الشبكة
غادرت فاطمة، البالغة من العمر 33 عامًا، داريا عام 2013، وعادت إليها حديثًا.
تقول فاطمة إن معرفتها بشوارع المدينة كانت محدودة حتى قبل مغادرتها، لأنها اعتادت التنقل برفقة أفراد أسرتها، ولم تكن مضطرة إلى حفظ أسماء الطرق وتفاصيلها.
بعد عودتها، أصبحت تفضل استخدام سيارات الأجرة العاملة عبر تطبيقات الهواتف الذكية، إذ يساعد نظام تحديد المواقع (GPS) السائق على الوصول إلى العنوان ويجنبها السؤال المتكرر عن الطريق.
وترى فاطمة أن سؤال المارة لا يقود دائمًا إلى المسار الصحيح، إذ يقدم بعضهم وصفًا غير دقيق أو يدل السائق على طريق أطول، ما يزيد الوقت والجهد اللازمين للوصول.
لكن الاعتماد على التطبيقات لم يكن كافيًا خلال توجهها إلى منطقة الفارس برفقة سائق من خارج داريا. ففي أثناء الرحلة، ضعفت تغطية شبكة الاتصالات وتوقفت خدمة تحديد المواقع، فطلب منها السائق وصف الطريق، لكنها لم تكن تعرفه لاعتمادها على التطبيق، واضطر إلى سؤال المارة حتى تمكن من متابعة السير.
واجهت نادية، البالغة من العمر 27 عامًا، موقفًا مشابهًا، رغم أنها لم تغادر سوريا. فقد أقامت في منطقة الجديدة قبل أن تعود إلى داريا، لتجد أن أسماء أماكن عدة تغيرت، وأن بعض الشوارع، ولا سيما في المناطق المدمرة، لم تعد تبدو كما عرفتها سابقًا.
وبحسب ما لاحظته، توجد شاخصات اسمية في شارعين فقط تعرفهما، هما شارع الرؤية الجديدة وكورنيش الشهداء، بينما تخلو بقية الطرق التي تسلكها من لوحات تساعدها على تحديد موقعها.
وكانت نادية تؤجل زيارة إحدى صديقاتها في منطقة البشير لأنها لا تعرف الطريق، قبل أن ترسل لها صديقتها الموقع عبر تطبيق “خرائط جوجل”.
وعندما وصلت إلى محيط الجامع الذي اتخذته علامة للوصول، انقطعت شبكة الاتصالات وتوقف التطبيق عن العمل.
كان الشارع شبه خال، فلم تجد من تسأله عن المنزل. وبعد البحث ومقارنة وصف صديقتها بالمنازل المحيطة، طرقت أحد الأبواب رغم عدم تأكدها من العنوان، لتكتشف أنها وصلت إلى المنزل الصحيح.
ورغم هذه التجربة، ترى نادية أن من عاشوا في داريا يستطيعون التعرف إلى جزء كبير من شوارعها، وتختصر ذلك بقولها: «يلي بتمو لسان ما بيضيع»، في إشارة إلى إمكانية الوصول عبر سؤال السكان.
لكن الصعوبة تزداد بالنسبة إلى القادمين من خارج المدينة، إذ تستشهد نادية بصديق والدها الذي جاء من صحنايا لزيارتهم، وظل يسأل المارة طوال الطريق حتى تمكن من الوصول إلى المنزل.
البلدية تربط الشاخصات بإنجاز الأرصفة
قال رئيس بلدية داريا، رائد عبيد، إن البلدية تنفذ حاليًا مشروعًا لتزفيت الشوارع على مراحل، متوقعًا الانتهاء منه خلال نحو 25 يومًا من تاريخ حديثه إلى عنب بلدي.
وأضاف أن المرحلة التالية ستشمل تنفيذ أرصفة في بعض الشوارع، وبعد إنجازها ستركب مجموعة من شاخصات الطرق.
وبرر عدم تركيبها حاليًا بأن الأرصفة توفر مكانًا مناسبًا لتثبيتها وتحميها من السقوط أو التخريب.
ولم يحدد عبيد عدد الشاخصات التي ستركب أو أسماء الشوارع المستهدفة أو موعد بدء تركيبها، إذ تظل الخطوة مرتبطة بإنجاز الأرصفة بعد انتهاء مشروع التزفيت.


