وافقت أماني، وهو اسم مستعار لربة منزل في التاسعة والعشرين من عمرها، أكثر من مرة على إجراء مقابلة صحفية، لكنها كانت تتراجع عند تحويلها إلى مقابلة مصورة.
ولا يعود ترددها إلى الكاميرا نفسها، بل إلى ما قد يلي نشر الفيديو من تعليقات أو سخرية قد تطالها أو تمتد إلى عائلتها.
وتكشف تجارب نساء في داريا أن الخوف من الظهور أمام الكاميرا لا يرتبط دائمًا بالخجل أو ضعف الثقة بالنفس، بل أحيانًا بتوقع ردود فعل المجتمع على طريقة الكلام أو المظهر أو حتى مجرد ظهور المرأة في الفضاء العام.
وفي المقابل، ترى نساء خضن تجربة الظهور الإعلامي أن هذا الخوف يتراجع عندما تكون لدى المرأة رسالة تؤمن بها، وتحظى بدعم من محيطها، وتدرك أن الظهور قد يمنح مشروعها أو مبادرتها فرصة للوصول إلى جمهور أوسع.
حين تمتد التعليقات إلى العائلة
تفضل أماني الابتعاد عن المقابلات المصورة، سواء أجريت داخل داريا أو خارجها، خشية أن يتحول ظهورها إلى مادة للتعليقات في محيطها الاجتماعي.
وقالت لعنب بلدي إنها تخشى أن تسمع عبارات تقلل من شأنها أو تشكك في حقها بالتعبير عن رأيها، مؤكدة أن قلقها لا يقتصر على ما قد يوجه إليها، بل يمتد إلى احتمال إقحام أفراد عائلتها في التعليقات.
وأضافت أن بعض الأشخاص ينظرون بسلبية إلى ظهور المرأة أمام الكاميرا، وقد يحولون أي كلمة أو زلة لسان إلى مادة للسخرية، وهو ما يزيد توترها أثناء التصوير.
وتخشى أيضًا أن تتلعثم أو تستخدم كلمة بصورة غير مقصودة، ثم ينتشر المقطع على مواقع التواصل بطريقة ساخرة، من دون أن تعرف خلال التصوير إن كان الخطأ سيحذف في المونتاج أم سيبقى ضمن النسخة المنشورة.
لذلك، ترى أن رفض الظهور يبقى الخيار الأقل كلفة، حتى عندما تمتلك تجربة أو رأيًا ترغب في مشاركته.
الخوف يسبق المقابلة
واجهت سارة، وهو اسم مستعار لشابة في منتصف العشرينيات، الموقف ذاته، إذ رفضت أكثر من مرة المشاركة في لقاءات مصورة، رغم رغبتها في الحديث عن تجربتها.
وقالت لعنب بلدي إنها شاهدت أشخاصًا تعرضوا للسخرية بعد انتشار مقاطع مصورة لهم بسبب طريقة كلامهم أو مظهرهم، ما جعلها تتوقع مواجهة التجربة نفسها إذا ظهرت أمام الكاميرا.
وترى أن المشكلة لا تكمن في النقد بحد ذاته، بل في تحوله أحيانًا إلى استهزاء شخصي أو تعليقات تمتد إلى العائلة، وهو ما يجعل الامتناع عن الظهور أقل كلفة من خوض تجربة قد تسبب لها إحراجًا اجتماعيًا.
وأضافت أن هذا الخوف لا يقتصر على المقابلات الإعلامية، بل قد يمنع بعض الأشخاص من عرض مواهبهم أو المشاركة في أنشطة عامة، خشية التقليل من مهاراتهم أو التعامل معها باستهزاء.
المشاركة حق.. والخطأ جزء من التجربة
ترى التربوية والناشطة في حقوق المرأة ياسمين زيادة أن الخوف من الظهور والتعبير عن الرأي يتناقض مع قيم الحرية والكرامة التي نادى بها السوريون.
وقالت زيادة لعنب بلدي إن المرأة يجب ألا تخشى المشاركة أو ارتكاب الأخطاء، لأن الخطأ جزء طبيعي من التعلم والتجربة، كما هو الحال بالنسبة للرجل.
وأضافت أن الخوف الحقيقي ينبغي أن يقتصر على مخالفة المبادئ والقيم، لا على أحكام المجتمع أو تعليقاته، مؤكدة أن للمرأة الحق في التعبير عن رأيها وخوض العمل العام وتحمل مسؤولية قراراتها.
وترى زيادة أن كثيرًا من النساء يحملن أنفسهن عبء نظرة الآخرين، رغم أن من يوجه الانتقاد أو السخرية لن يكون حاضرًا لمساندتهن عند مواجهة الصعوبات، داعية إلى عدم ربط القرارات برضا المجتمع، بل بما يحقق التطور الشخصي ويحفظ الكرامة.
كما تؤكد أن مواجهة التنمر تبدأ من المجتمع نفسه، عبر احترام حق النساء في الظهور والتعبير، وتربية الذكور والإناث على أن الكفاءة هي معيار التقييم، بعيدًا عن الصور النمطية.
الكاميرا فرصة
تقدم المتطوعة في قسم دعم المرأة وحماية الطفل وصاحبة مشروع للأعمال اليدوية شفاء درغام تجربة مختلفة.
وقالت لعنب بلدي إنها شعرت بالخجل والتردد خلال أول مقابلة تلفزيونية أجرتها عام 2021 أثناء تطوعها في جمعية تعنى بكفالة الأيتام، لكنها قررت خوض التجربة لإيمانها بأهمية التعريف بالعمل التطوعي.
وأضافت أن المبادرات المجتمعية تحتاج إلى الإعلام ووسائل التواصل للوصول إلى الناس، وأن إحجام صاحبات المشاريع عن الظهور قد يبقي أعمالهن غير معروفة.
وتستذكر تجربة أخرى خلال تدريب فتيات على الأشغال اليدوية وإعادة التدوير وصناعة الإكسسوارات، إذ ترددت قبل إجراء مقابلة عن المشروع، لكنها فضلت المحاولة على التراجع بسبب الخوف.
وترى أن مواجهة الكاميرا تصبح أسهل عندما تكون المرأة مقتنعة بما تقدمه، وقادرة على الشعور بالفخر به أمام نفسها وعائلتها.
عملها مشروع.. وظهورها محل انتقاد
تفرق درغام بين احترام المجتمع والخضوع لأحكامه، معتبرة أن المرأة التي تتحدث عن عمل أو مشروع يخدم المجتمع لا ينبغي أن تشعر بالذنب أو تتراجع خوفًا من الانتقاد.
وتشير إلى أن الرجل غالبًا ما ينظر إلى ظهوره الإعلامي بوصفه أمرًا طبيعيًا، بينما تواجه المرأة تساؤلات وانتقادات حتى عندما يقتصر حديثها على التعريف بعملها.
وتستشهد بفعالية للحرف اليدوية والتراث، رفضت خلالها بعض المشاركات إجراء مقابلات مصورة، بعدما تعرضت نساء شاركن سابقًا لانتقادات من أقارب وجيران، رغم أن حديثهن اقتصر على التعريف بأعمالهن.
وتدعو النساء، ولا سيما من يتحملن إعالة أسرهن، إلى التعريف بمشاريعهن وتجاربهن، ومواصلة التعليم وتطوير قدراتهن، وعدم الاستسلام للخوف من كلام الناس.
التنمر يبدأ قبل نشر الفيديو
توضح الأخصائية النفسية مرح صبح أن التنمر لا يقتصر على الإساءة المباشرة، بل قد يبدأ أثره قبل وقوعه، عندما يدفع الخوف منه أشخاصًا إلى الانسحاب من المشاركة أو التعبير.
وقالت لعنب بلدي إن المتنمر يسعى غالبًا إلى التقليل من قيمة الشخص أو إحراجه أمام الآخرين، لذلك فإن الدخول في جدال طويل معه قد يمنحه المساحة التي يبحث عنها.
وتنصح بوضع حدود واضحة، واستخدام عبارات مباشرة، مثل: «هذا الأسلوب لا يناسبني»، أو «لا أجد هذا الأمر مضحكًا»، دون الانجرار إلى نقاش يزيد مساحة الاستفزاز.
وأضافت أن الأشخاص يختلفون في تأثرهم بالتنمر تبعًا لثقتهم بأنفسهم ومدى اعتمادهم على تقييم الآخرين، مؤكدة أن التعامل مع التنمر مهارة يمكن تعلمها، إلى جانب أهمية طلب الدعم وعدم مواجهة الإساءة بصورة منفردة.
وتشير التجارب التي رصدتها عنب بلدي إلى أن الخوف من السخرية قد يكون كافيًا لمنع بعض النساء من الظهور أمام الكاميرا، حتى قبل أن يتعرضن لأي إساءة فعلية.
وفي المقابل، تظهر تجارب نساء أخريات أن الرسالة الواضحة، والثقة بالنفس، والدعم الاجتماعي، يمكن أن تجعل الكاميرا وسيلة لإيصال المبادرات والقصص، بدل أن تكون سببًا للهروب منها.
