افتتحت مؤسسة “فكر وبناء”، يوم الأربعاء 7 كانون الثاني الحالي، مركزًا ثقافيًا في مدينة داريا، حمل اسم الناشط السلمي الراحل يحيى شربجي.
ويضم المركز، الذي أقيم في منزل الأستاذ الشهيد عبد الأكرم السقا، أحد رموز الفكر التربوي في داريا، مكتبة عامة حملت اسم السقا تكريمًا له، وذلك في ذات القاعة التي كانت تحوي مكتبته الشخصية قبل أن تحرقها قوات النظام خلال الحرب.
تأتي هذه المبادرة إحياءً لمشروع فكري كان يحيى شربجي يحلم به قبل اعتقاله وإعدامه في سجن صيدنايا، إذ ينقل رفاقه الناجون من المعتقل أنه كثيرًا ما حدثهم عن رغبته في إنشاء مكتبة عامة و”دار للفكر”، بل ورسم في سجنه مخططًا تخيليًا لها.
كما ذكر أحد رفاقه في الزنزانة أن يحيى كان يتمنى لو يتحول منزله القريب من مدرسة النكاش في داريا إلى مكتبة عامة مفتوحة لأبناء المدينة، وهو ما يسعى المركز الثقافي الجديد إلى تحقيقه.
يحيى شربجي.. تلميذ المدرسة السلمية في داريا
يعد يحيى طه شربجي (1979–2013) من أبرز وجوه الحراك السلمي في داريا منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011.
وُلد في 21 كانون الثاني/يناير 1979 بداريا لعائلة معروفة، وانخرط في العمل المدني مبكرًا متأثرًا بأفكار أستاذه عبد الأكرم السقا والمفكر جودت سعيد.
في عام 2003 شارك مع مجموعة من شباب داريا في إطلاق مبادرات اجتماعية تؤكد ضرورة التغيير بدءًا من الفرد تحت شعار “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”، تمحورت حول مكافحة الرشوة وتنظيف شوارع المدينة ومقاطعة البضائع الأمريكية احتجاجًا على الغزو الأمريكي للعراق.
على إثر ذلك، اعتُقل يحيى مع رفاقه في 3 أيار 2003، وتعرض لمحاكمة ميدانية سرية حُكم عليه فيها بالسجن أربع سنوات، قضى منها حوالي سنتين قبل أن يفرج عنه.
مع اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، كان يحيى شربجي في طليعة ناشطي داريا السلميين، وحرص على الحفاظ على سلمية الحراك مهما تصاعد عنف النظام، وكان يردد مقولته الشهيرة: «أن أكون مقتولًا أفضل من أن أكون قاتلًا»، معبرًا عن إيمانه بأن التمسك بنهج اللاعنف هو السبيل لبناء سوريا الجديدة على أسس الحرية والكرامة بعيدًا عن منطق الثأر.
في أيلول 2011، اعتقل يحيى شربجي مع عدد من ناشطي داريا خلال كمين نصبته قوات فرع المخابرات الجوية، وكان برفقته الناشط غياث مطر، الذي سُلم جثمانه لأهله بعد أربعة أيام وعليه آثار تعذيب مميت، في حين بقي يحيى قيد الاعتقال مجهول المصير.
لاحقًا، وثقت شهادات معتقلين وتقارير حقوقية أن يحيى شربجي أُعدم في معتقل صيدنايا مطلع عام 2013. ولم تتلق عائلته تأكيدًا رسميًا بوفاته إلا في تموز 2018، حين أُبلغت بوجود اسمه وشقيقه معن شربجي (محمد) ضمن قوائم “المتوفين” في سجون النظام.
بهذا طويت صفحة حياة “رجل الورد” الذي واجه الاستبداد بابتسامة ووردة وموقف مبدئي راسخ بأن المعرفة والسلام أقوى من الرصاص.
لا ينظر ناشطو داريا إلى يحيى شربجي كرمز ثوري فحسب، بل كنتاج مباشر لمدرسة فكرية وتربوية ازدهرت في المدينة قبل الثورة. فقد تربى يحيى في حلقات مسجد أنس بن مالك بداريا على يد الأستاذ عبد الأكرم السقا منذ أواخر التسعينيات، وتأثر بفكره الناقد وإيمانه بقيم العدالة واللاعنف.
عبد الأكرم السقا.. الشيخ المعلّم
عبد الأكرم أمين السقا، هو أحد أبرز المربين والمفكرين في مدينة داريا، واسمًا مركزيًا في تشكيل الوعي الفكري والسلمي لدى جيل كامل من شبانها.
ولد السقا عام 1944 في داريا، وبرز كعالم دين ومفكر إسلامي مجدد، تبنى نهج اللاعنف الذي نظّر له المفكر جودت سعيد.
شغل منصب إمام وخطيب جامع “أنس بن مالك” بين عامي 1988 و2000، وأسس الجمعية الخيرية في داريا ومدرسة ثانوية شرعية فيها، كما أنشأ دارًا للطباعة والنشر لنشر الكتب الفكرية والدينية. وله عدد من المؤلفات في الفكر الإسلامي والتربوي، منها: “الصيام”، “لا يمسّه إلا المطهّرون”، “الدعوة إلى التغيير” وغيرها .
رغم أن عبد الأكرم السقا لم يكن ناشطًا سياسيًا بمعناه التقليدي، فقد اضطلع بدور محوري في تهيئة بيئة فكرية أثمرت شخصيات بارزة في العمل السلمي بداريا.
عُرف بأسلوبه التربوي المميز الذي يعتمد الحوار والتفكير النقدي وربط التعليم بالقيم الإنسانية، بعيدًا عن التلقين وفرض الوصاية الفكرية. وتفيد شهادات طلابه بأنه كان يعتبر المسجد والفصل الدراسي نقطة انطلاق فحسب، فيحثهم على توسيع مداركهم خارجها.
تميز منهجه بعدة ركائز أساسية: القراءة الحرة والنقاش المفتوح، التطوع وخدمة المجتمع، وربط التعليم بالحياة العامة.
دفع نشاط السقا التربوي والمجتمعي ثمنه مبكرًا، فقد تعرض لمضايقات واعتقالات عدة قبل الثورة، فاعتُقل عام 2000 لمدة شهرين بسبب رفضه امتداح حافظ الأسد في خطبه الدينية، ثم في أيار 2003 اعتُقل مجددًا مع أكثر من عشرين شابًا من طلابه، منهم يحيى شربجي، إثر تنظيمهم حملات ضد الرشوة والتدخين ومظاهرات صامتة احتجاجًا على العزو الأمريكي للعراق.
وعلى الرغم من هذه الضغوط، ظل السقا ثابتًا على منهجه الإصلاحي، ومع اندلاع احتجاجات 2011 ساند الحراك الشعبي وشارك تلاميذه مظاهراتهم السلمية في داريا، مؤكدًا على شعار “بناء الإنسان أولاً” قبل أي تغيير سياسي.
داهمت قوات الأمن منزله واعتقلته في 15 تموز 2011، ضمن حملة استهدفت قيادات الصف الأول في العمل السلمي بالمدينة، واقتيد إلى مكان مجهول لتنقطع أخباره لسنوات، إلى أن اكتشفت عائلته عبر السجلات المدنية أنه قضى تحت التعذيب عام 2014 في معتقل صيدنايا.
شكل نبأ استشهاده صدمة وحزنًا كبيرًا في داريا عند تأكيده سنة 2024، إذ فقدت المدينة “المعلّم” الذي صنع وعي جيلها السلمي.
اختيار المكان.. دلالة تتجاوز الجغرافيا
اختيار منزل عبد الأكرم السقا مقرًا لمركز “يحيى شربجي” الثقافي يحمل دلالة رمزية عميقة تتجاوز البعد الجغرافي.
يصف القائمون على المشروع هذه الخطوة بأنها “استمرار طبيعي” لمسار فكري بدأ قبل عقود، فالمكان يربط بين إرث السقا التربوي الذي بُث في أرجاء هذا المنزل على مدار سنوات، وبين المشروع الثقافي الذي حلم به يحيى شربجي وسعى إليه.
إنها بمثابة حلقة وصل بين مرب علّم جيلًا كيف يفكر ويؤمن بقيمة المعرفة، وبين تلميذ تتلمذ في مدرسته وآمن بأن المعرفة طريق للحرية.
يقول المشرفون على المركز إن الهدف من الموقع ليس مجرد تكريم اسمين، بل خلق تواصل حي بين فكر السقا وفكر شربجي كحلقات في سلسلة واحدة، أساسها بناء الإنسان قبل أي تغيير سياسي أو عمراني. وهكذا، فإن افتتاح المركز في بيت عبد الأكرم السقا يُكسب المشروع عمقًا معنويًا إلى جانب دوره الثقافي.
مساحة آمنة للتعافي المجتمعي
يطمح القائمون على مركز يحيى شربجي الثقافي إلى جعله مساحة آمنة للقراءة وتبادل الأفكار، في مدينة عانت طويلًا من القمع وتقييد الحريات، فبعد ما يقارب 15 عامًا من الحرب والتهجير، تشعر داريا بالحاجة إلى متنفس ثقافي يساعد المجتمع على التعافي واستعادة عافيته الفكرية.
من المخطط تنظيم جلسات قراءة دورية تستضيف قراءً من مختلف الأعمار لتشجيع المطالعة الجماعية والنقاش حول الكتب. كما سيقيم المركز ندوات فكرية يشارك فيها كتّاب ومثقفون لمناقشة قضايا فكرية واجتماعية تهم أهالي المدينة. وستُقام أيضًا فعاليات ثقافية وفنية متنوعة، من معارض للصور واللوحات، إلى عروض أفلام ونقاشات عامة، بهدف إعادة الحياة الثقافية إلى داريا وجعل المركز نقطة لقاء تجمع السكان حول الاهتمامات المشتركة.
إضافة إلى ذلك، سيتبنى المركز مبادرات مجتمعية تُعنى بدعم التعافي النفسي والاجتماعي لدى فئات تأثرت بالحرب، من خلال ورشات دعم نفسي وأنشطة ترفيهية وتعليمية للأطفال والشباب. كل ذلك ضمن بيئة مفتوحة وآمنة يشعر فيها أبناء داريا بحرية التعبير والتواصل، بعيدًا عن أجواء الخوف التي عاشوها لسنوات.