تأخذ العودة إلى مدينة داريا في رمضان شكل زيارات قصيرة يقوم بها أبناء المدينة المقيمون في الخارج، ليعيشوا أجواء الشهر الفضيل بين أهلهم قبل العودة إلى أماكن إقامتهم.
بالنسبة لكثيرين، تمثل هذه الزيارات الأولى منذ أكثر من 14 عامًا، فرصة لاختبار علاقتهم بالمدينة من جديد واستعادة تفاصيل ارتبطت بالذاكرة والصوت والوجوه والبيوت القديمة.
مع اقتراب أذان المغرب، تتداخل أصوات المساجد في أحياء المدينة، وتزدحم الشوارع قبيل الإفطار، بينما يحمل بعض الزائرين شعورًا مزدوجًا بين الحنين والدهشة وهم يعاينون مدينة تغيرت ملامحها كثيرًا منذ مغادرتهم.
أذان أعاد أربعة عشر عامًا إلى الوراء
وأوضح طالب لعنب بلدي أن مغادرته المدينة سابقًا ارتبطت بالظروف الأمنية التي شهدتها داريا خلال السنوات الماضية، ما حال دون عودته طوال تلك الفترة.
ويصف طالب أول إفطار له هذا العام بأنه كان مختلفًا، إذ إن سماعه للذكر قبل أذان المغرب وبعده أعاده، بحسب تعبيره، إلى سنوات ما قبل الغياب.
ورغم أنه يسمع الأذان يوميًا في بلد إسلامي مثل تركيا، إلا أن له “نكهة مختلفة هنا”، وفق طالب، لأن ارتباطه بالمكان والذاكرة لا يتكرر، معتبرًا أن الصوت في داريا “لا يُسمع فقط، بل يُعاش”.
وأشار إلى أن أول ما حرص عليه خلال الزيارة كان لقاء إخوته وأقاربه، مؤكدًا أن لمة العائلة كانت أكثر ما افتقده خلال سنوات الغربة.
كما يرى أن إقبال الناس على المساجد في رمضان يمنح شعورًا بالراحة، ويعده مؤشرًا على أن المدينة تستعيد جزءًا من روحها.
ويضيف أنه كان يفتقد أداء الصلوات جماعة وسماع الذكر باللغة العربية، إضافة إلى حضور مجالس العلم، وهي أمور يراها متاحة في داريا بصورة أوسع مما اعتاده في مكان إقامته.
ويقارن طالب بين أجواء رمضان في داريا وتركيا، مشيرًا إلى أن الحياة هناك تميل إلى الطابع الفردي، حيث “كل إنسان بحاله”، بينما يشعر في داريا بدفء العائلة والمجتمع والطابع الروحي الواضح في المدينة.
ويرى أن الأجواء اليوم تمارس براحة أكبر مقارنة بسنوات سابقة كان يسودها الخوف والضغوط، مشيرًا إلى أن شعوره بالأمان، خصوصًا على أولاده، يجعله يفكر بجدية في العودة يومًا ما.
إلا أنه أوضح أنه لا يزال مرتبطًا بالتزامات عملية في تركيا، ما يجعله يكتفي حاليًا بزيارة مؤقتة يقضي خلالها بعض أيام رمضان قبل أن يعود إلى مكان إقامته.
“كأنك مقطوع من شجرة”.. زيارة أعادت الحنين
بدورها، تمكنت أم علاء (60 عامًا)، المقيمة في تركيا، من زيارة داريا هذا العام بعد 15 عامًا من الغياب.
وأوضحت لعنب بلدي أن مغادرتها المدينة سابقًا كانت نتيجة الظروف التي مرت بها داريا آنذاك، وأنها انتظرت سنوات حتى سنحت لها فرصة الزيارة.
وتشير إلى أن سماع الذكر في المساجد أعاد إليها مشاعر كانت تتمنى عيشها مجددًا، لذلك كان أداء صلاة الجمعة في المسجد أول ما حرصت عليه خلال الزيارة.
وتصف لقاءها بوالدتها وابنتها بعد سنوات طويلة من الفراق بأنه أكثر ما أثر فيها خلال الزيارة، مؤكدة أن لمة العائلة كانت الغائب الأكبر في حياتها خلال سنوات إقامتها في تركيا.
وبحسب أم علاء، كان رمضان في الغربة يمر كأيام عادية دون الشعور بروحانيته، مضيفة أن العلاقات الاجتماعية هناك محدودة، إذ “ما في حدا فاضي لحدا”، وهو ما كان يترك لديها شعورًا أحيانًا “كأنك مقطوع من شجرة”.
وترى أن أداء صلاة التراويح في داريا يحمل رهبة وسكينة خاصة، بينما تعكس الشوارع في رمضان حضورًا اجتماعيًا وروحيًا مختلفًا عما اعتادته في مكان إقامتها.
إلا أن زيارتها لم تخل من صدمة، إذ فوجئت بحجم الدمار الذي طال منزلها، مؤكدة أنها لم تتخيل أن يكون الخراب بهذا الحجم رغم الصور التي كانت تراها.
وأوضحت أنها عادت إلى مكان إقامتها بعد انتهاء الزيارة لعدم توفر سكن يسمح لها بالبقاء فترة أطول، لكنها تأمل أن تتمكن من تكرار الزيارة مستقبلًا، وترى أن المدينة “تحاول أن تعود تدريجيًا وتحتاج إلى الوقت”.
وأضافت أنها لا تفكر حاليًا في الاستقرار بسبب عدم توفر سكن مناسب، لكنها تعتقد أن داريا “تتحسن تدريجيًا”.
بين الزيارة والاستقرار.. تحسن تدريجي
من جانبها، ترى مها زهرة (52 عامًا)، المقيمة في داريا، أن المدينة شهدت تحسنًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة مقارنة بالفترة التي سبقت عام 2022، بعدما كانت مدمرة بالكامل تقريبًا.
وتوضح لعنب بلدي أن عودة بعض الأهالي، حتى لو كانت على شكل زيارات قصيرة، أسهمت في تنشيط الحركة الاجتماعية خلال رمضان، إلى جانب افتتاح محال تجارية وزيادة أعمال البناء وإعادة الإعمار، ما رفع الطلب على اليد العاملة.
إلا أنها تشير إلى أن الأجور ما تزال منخفضة مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة، وأن أسعار العقارات والمحال التجارية ارتفعت نتيجة زيادة الطلب، ما يجعل الاستقرار الدائم صعبًا بالنسبة لكثيرين.
وتضيف أن واقع الكهرباء تحسن نسبيًا في بعض الأحياء، بينما ما تزال مناطق أخرى تعاني ضعف الخدمات الأساسية، بما في ذلك الاتصالات والمياه.
ورغم الحراك الاقتصادي النسبي، ترى زهرة أن جودة الخدمات ما تزال تمثل تحديًا رئيسيًا، مؤكدة أنها لا تنصح بالعودة النهائية حاليًا لمن لا يملك مصدر دخل واضحًا أو سكنًا جاهزًا.
وتقول إن أهل داريا “فالحين وين ما راحوا بيشتغلوا، فكيف ببلدهن”، لكنها ترى أن التعافي الكامل يحتاج إلى وقت واستقرار أكبر في الخدمات.
زيارات قصيرة.. وذاكرة لم تنقطع
بالنسبة لكثير من أبناء داريا، لم تكن زيارة رمضان هذا العام مجرد رحلة عائلية، بل تجربة أعادت اختبار العلاقة مع المدينة بعد سنوات طويلة من الغياب.
بين حنين أعادته أصوات الأذان، وصدمة خلفها الدمار، وواقع يتحسن تدريجيًا رغم التحديات، تتشكل صورة مدينة تستعيد أبناءها، ولو لأيام قليلة.
زيارات قصيرة قد تنتهي بعودة أصحابها إلى أماكن إقامتهم في الخارج، لكنها تترك أثرًا مزدوجًا، في ذاكرة الزائرين الذين استعادوا تفاصيل افتقدوها لسنوات، وفي مدينة تحاول إعادة بناء علاقتها بأبنائها خطوة خطوة، مع كل رمضان جديد.
