لم يكن خروج أم محمد (40 عامًا) إلى العمل في أحد محال مدينة داريا قرارًا اتخذته بحثًا عن نشاط يشغل وقتها. فبعد مرض زوجها، وفقدان أحد أبنائها في معتقلات النظام السوري السابق، ومواصلة ابنها الآخر دراسته الجامعية، وجدت نفسها مضطرة للمشاركة في تأمين احتياجات أسرتها.
تبدأ يومها منذ ساعات الصباح، متنقلة بين مسؤوليات المنزل والعمل، في محاولة للحفاظ على دخل يساعد أسرتها على مواجهة أعباء المعيشة.
وتقول إن التجربة غيرت نظرتها إلى العمل، وجعلتها تؤمن بأن امتلاك المرأة مصدر دخل لم يعد ترفًا أو خيارًا إضافيًا، بل ضرورة قد تفرضها الظروف في أي وقت.
ولم تعد قصة أم محمد استثناءً في داريا، فبحسب نساء التقتهن عنب بلدي، دفعت حالات الطلاق وفقدان المعيل وارتفاع تكاليف المعيشة عددًا متزايدًا من النساء إلى سوق العمل، في وقت أصبحت فيه نظرة المجتمع إلى عمل المرأة أكثر تقبلًا مقارنة بسنوات سابقة.
لكن هذا التحول لم ينعكس بالضرورة على مستوى الدخل، إذ ما تزال معظم فرص العمل المتاحة توفر أجورًا محدودة، لا تواكب ارتفاع تكاليف المعيشة.
الحاجة قبل الاختيار
تقول أم محمد إن الاعتماد الكامل على شخص واحد في إعالة الأسرة لم يعد خيارًا آمنًا، فالحياة قد تتغير فجأة، وقد تجد المرأة نفسها مسؤولة عن إعالة أسرتها أو المشاركة في ذلك.
وترى أن كثيرًا من النساء والفتيات في داريا لا يعملن بدافع الترف أو لمجرد الخروج من المنزل، وإنما لتغطية احتياجات فرضها الواقع الاقتصادي.
وتشير إلى فتيات يعملن لتسديد أقساط دراستهن، وأخريات يساهمن في مصروف الأسرة، معتبرة أن الحاجة أصبحت الدافع الأول لدخول مزيد من النساء إلى سوق العمل.
إلى جانبها في المحل، تعمل أم هاني (37 عامًا)، وهي منفصلة عن زوجها وتعيش مع والديها.
وتقول إن عمل المرأة كان يواجه في السابق رفضًا اجتماعيًا أكبر، حين كان كثيرون يحصرون دورها داخل المنزل، لكن السنوات الأخيرة دفعت كثيرًا من العائلات إلى إعادة النظر في هذا الموقف.
وتستعيد تجربة امرأة غاب زوجها ست سنوات، فاضطرت إلى إعالة أسرتها بنفسها، وكانت تجمع ملابس المطاعم لغسلها وكيّها ثم تعيدها مقابل أجر تؤمن به احتياجات أطفالها.
وترى أم هاني أن دوافع النساء إلى العمل تختلف، فمنهن من خرجت بعد الطلاق أو فقدان المعيل، ومنهن من دفعتها الظروف الاقتصادية، بينما تسعى أخريات إلى امتلاك مصدر دخل يمنحهن قدرًا من الاستقلال.
وتضيف أن تغير نظرة المجتمع لم يلغِ الصعوبات، لكنه جعل عمل المرأة أكثر قبولًا مما كان عليه في السابق.
عمل لا يغطي جميع النفقات
لم يكن العمل بالنسبة إلى غفران بلشة (27 عامًا) خطوة نحو الاستقلال بقدر ما كان استجابة لواقع فرض نفسه عليها، فمنذ انفصالها، أصبحت مسؤولة عن إعالة نفسها وأطفالها الثلاثة.
وتقول إن العمل منحها شعورًا أكبر بالاعتماد على النفس، لكنه لم ينه الضغوط المالية، إذ لا يكفي الدخل الذي تحصل عليه لتغطية احتياجات الأسرة مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة.
وتضيف أن المجتمع أصبح أكثر تقبلًا لعمل المرأة، إلا أن هذا التغير لم يرافقه تغير مماثل في توزيع المسؤوليات داخل الأسرة، إذ ما تزال كثير من النساء يجمعن بين العمل خارج المنزل ورعاية الأطفال وإدارة شؤون البيت.
وتتفق أم هاني مع ذلك، معتبرة أن معظم فرص العمل المتاحة توفر دخلًا يساعد في تغطية جزء من النفقات، لكنه لا يكفي لإعالة أسرة كاملة.
وترى أن هذا الواقع دفع بعض النساء إلى الاتجاه نحو المشاريع المنزلية، سواء في إعداد المنتجات الغذائية أو الصناعات اليدوية أو غيرها من الأعمال التي يمكن ممارستها من المنزل.
وسبق أن رصدت عنب بلدي في تقارير سابقة تزايد هذه المشاريع في داريا، إذ قالت سيدات إنها بدأت بدافع الحاجة، قبل أن تتحول إلى مصدر دخل إضافي، رغم أن عائدها بقي محدودًا وغير ثابت.
قبول اجتماعي لا يلغي مسؤولية الرجل
لا يعكس حديث الرجال الذين التقتهم عنب بلدي اعتراضًا على عمل المرأة بحد ذاته، بقدر ما يكشف استمرار النقاش حول حدود هذا العمل، ومن يتحمل مسؤولية إعالة الأسرة.
ويرى أبو مالك عجم أن امتلاك المرأة مصدر دخل أو مشروعًا خاصًا يمنحها قدرًا من الأمان إذا واجهت ظروفًا طارئة، لكنه يرفض أن يتحول عملها إلى مبرر لتخلي الرجل عن مسؤوليته في إعالة الأسرة.
ويتفق معه أنس عجم، الذي يقول إن مشاركة المرأة في سوق العمل أصبحت أمرًا طبيعيًا، لكنها لا تعني انتقال مسؤولية الإنفاق إليها، فالعلاقة داخل الأسرة يجب أن تقوم على التعاون لا على نقل الأعباء من طرف إلى آخر.
أما أم محمد، فتقول إنها لم تكن تتخيل يومًا أنها ستضطر إلى العمل لإعالة أسرتها.
وتضيف أن التجربة علمتها أن القدرة على العمل ليست مرتبطة بمرحلة عمرية أو ظرف معين، بل هي مهارة قد تحتاج إليها المرأة في أي وقت، لأن الحياة لا تسير دائمًا كما يخطط لها الإنسان.