لا يزال اسم داريا حاضرًا في مهنة الموبيليا، فالمدينة عُرفت منذ سنوات طويلة بصناعة غرف النوم، وكانت مقصدًا لزبائن من محافظات سورية عدة.
لكن طريقة العمل داخل الورش تغيرت، مع تبدل الموديلات المطلوبة، ودخول المكنات الحديثة، وارتفاع كلفة التصنيع، ما انعكس على شكل غرف النوم التي يطلبها الزبائن اليوم.
ويقول النجار جابر صنديحة لعنب بلدي إن داريا “ليست كلمة صغيرة” في عالم الموبيليا، مضيفًا أن زبائن من محافظات عدة، بينها درعا والسويداء ودير الزور، كانوا يقصدون المدينة لشراء غرف النوم.
داريا وجهة لزبائن الموبيليا
يرى صنديحة أن شهرة داريا في صناعة الموبيليا تعود إلى كثرة العاملين في المهنة وخبرة ورشها، ولا سيما في غرف النوم.
ويقول، “ما في محافظة بسوريا إلا ما يجوا ياخدوا من داريا”، في إشارة إلى حضور المدينة في هذا السوق خلال السنوات الماضية.
وبالمقارنة مع سنوات سابقة، يتحدث صنديحة عن تحسن في ظروف العمل اليوم، خصوصًا في ما يتعلق بالكهرباء وتوفر بعض مستلزمات المهنة.
ويضيف أن الورش كانت تواجه سابقًا صعوبات في تأمين الخشب ومواد “البخ”، بينما أصبحت بعض هذه العقبات أخف في الفترة الحالية.
من الفكرة إلى المقاسات
لا تبدأ غرفة النوم من الخشب مباشرة، بل من الموديل الذي يختاره الزبون، والقياسات التي تناسب مساحة الغرفة وطبيعة القطع المطلوبة، من الخزانة والسرير والكومودينو إلى التسريحة أو القطع الإضافية.
في هذه المرحلة، يحدد النجار شكل الغرفة وحجمها ونوعية الخشب أو الألواح المستخدمة، قبل الانتقال إلى تفصيل القطع.
وكلما كان الموديل أكثر تعقيدًا، زادت الحاجة إلى دقة في القياس والتقسيم، لأن أي خطأ في البداية ينعكس على مراحل التجميع والدهان والتركيب لاحقًا.
ويقول صنديحة إن الزبون اليوم غالبًا ما يأتي بصورة من الإنترنت، ويطلب تنفيذها بأقرب شكل ممكن إلى الصورة، وهو ما يجعل مرحلة القياس وفهم التصميم أكثر أهمية من السابق.
تفصيل الخشب وتجهيز القطع
بعد الاتفاق على الموديل، تبدأ مرحلة إدخال الخشب أو الألواح إلى الورشة.
ويذكر صنديحة أن من المواد المستخدمة الخشب الألماني، إضافة إلى ألواح MDF التي تدخل في أجزاء من غرفة النوم بحسب التصميم المطلوب.
تمر القطع أولًا على مكنة “الفارة” لضبط السماكات وتسوية الأسطح، حتى تكون القطع متقاربة في القياس وجاهزة للتجميع، ثم تقص وفق المقاسات المحددة، سواء لأجزاء السرير أو واجهات الخزانة أو الأبواب أو القطع الداخلية.
ولا يقتصر العمل هنا على القص فقط، إذ يحتاج النجار إلى تحديد أماكن التعشيق والتثبيت، ومواضع المفصلات والسكك والأدراج، وأماكن الوصلات التي ستجمع القطع معًا.
وفي الأثاث اللوحي الحديث، تصبح دقة هذه المرحلة أساسية، لأنها تحدد جودة إغلاق الأبواب، واستقامة الأدراج، وثبات الغرفة بعد التركيب.
الـMDF والطَب والتقشيط
تأتي بعد ذلك مرحلة يصفها صنديحة بـ”الطَب”، وفيها يُقص الـMDF حسب الطلب والموديل المتفق عليه مع الزبون، ثم تستخدم مواد اللصق والغراء لتجهيز القطع وإعطائها الشكل المطلوب.
وتحتاج هذه المرحلة إلى عناية في توزيع الغراء وضبط الضغط والالتصاق، لأن أي خلل قد يظهر لاحقًا على شكل انتفاخات أو فراغات أو ضعف في تماسك القطعة.
بعد “الطَب”، ينتقل العمل إلى التدميغ والتقشيط وتجهيز الحواف. والحواف في الموبيليا ليست تفصيلًا شكليًا فقط، إذ تؤثر في متانة القطعة ومظهرها، وتحمي أطراف الألواح من التلف والرطوبة والاحتكاك، خصوصًا في الأجزاء كثيرة الاستخدام مثل أبواب الخزائن والأدراج.
وفي الورش، قد تنفذ بعض هذه العمليات يدويًا أو عبر مكنات مخصصة، بحسب إمكانات الورشة ونوعية الغرفة المطلوبة.
CNC بدل الحفر اليدوي
من أبرز التغيرات التي يشير إليها صنديحة دخول مكنة الـCNC إلى العمل، إذ أصبحت تستخدم في حفر بعض تفاصيل الأبواب وتنفيذ الزخارف أو القصات المطلوبة، بدل الاعتماد الكامل على الحفر اليدوي كما كان سابقًا.
ويقول إن الحفار اليدوي كان يحتاج إلى وقت طويل لإنجاز تفاصيل غرفة النوم، بينما تستطيع مكنة الـCNC اختصار هذه المرحلة إلى ساعات أو يوم واحد في بعض الحالات، بحسب حجم الحفر وتعقيد التصميم.
لكن اختصار الوقت لا يعني أن العمل أصبح أبسط في كل مراحله، فالموديلات الحديثة تتطلب دقة أكبر في نقل التصميم من الصورة إلى التنفيذ، خاصة عندما يكون فيها خطوط منحنية أو فراغات أو زخارف متكررة أو مواد إضافية مثل البلكسي.
وبحسب صنديحة، فإن الحفر اليدوي “شبه انلغى” في كثير من الورش، ليس فقط بسبب دخول المكنات، بل لأن الموديلات التي يطلبها الزبائن اليوم لم تعد تعتمد على الحفر التقليدي كما في السابق.
التجميع قبل البخ
بعد الانتهاء من القص والحفر والتقشيط، تأتي مرحلة التجميع الأولي، وهي مرحلة تكشف دقة العمل في المراحل السابقة.
في هذه المرحلة، تُجمع القطع للتأكد من توافق القياسات، وثبات الوصلات، واستقامة الأبواب، وسلاسة حركة الأدراج، وتناسق الواجهات. وإذا ظهرت فروقات في القياس أو انحرافات في القص، يعالجها النجار قبل انتقال الغرفة إلى مرحلة البخ.
وتختلف طريقة التجميع بحسب نوع الغرفة وطريقة نقلها وتركيبها، فبعض القطع تجمع داخل الورشة قبل البخ، بينما يجهز بعضها الآخر على شكل أجزاء قابلة للفك والتركيب، خصوصًا إذا كانت الغرفة ستنقل إلى منزل الزبون وتركب في مساحة ضيقة أو طابق مرتفع.
وهنا يظهر أثر المكنات الحديثة في دقة القص والحفر، لكنها لا تلغي دور النجار في المراجعة والتعديل، لأن التنفيذ النهائي يحتاج إلى عين وخبرة، وليس إلى قص آلي فقط.
بعد التجميع، تنتقل غرفة النوم إلى مرحلة “البخ”، وهي من المراحل التي يقول صنديحة إن لها “شغلها وأصولها”.
وتبدأ هذه المرحلة عادة بتجهيز السطح، عبر المعجونة وسد المسامات والخدوش والفواصل، ثم الصنفرة للحصول على سطح أنعم قبل وضع طبقة الأساس.
ولا يقتصر البخ على إعطاء اللون النهائي، إذ تؤثر جودة التحضير في نعومة السطح وثبات اللون وظهور العيوب أو اختفائها. لذلك قد تحتاج القطعة إلى أكثر من مرحلة صنفرة ومعالجة قبل الوصول إلى الطبقة النهائية.
ويقول صنديحة إن مرحلة البخ تمر بالمعجونة والأساس ثم الدهان، وهي مرحلة لا تقل أهمية عن النجارة، لأن أي ضعف في التحضير قد يظهر على الواجهة النهائية للغرفة، حتى لو كان العمل الخشبي متقنًا.
الزبون يأتي بصورة من الإنترنت
تغيرت موديلات غرف النوم اليوم مقارنة بما كان مطلوبًا سابقًا، بحسب صنديحة، إذ لم تعد الورش تعتمد على النماذج الكلاسيكية وحدها.
ويقول إن الزبون أصبح يأتي بصورة من الإنترنت، ويطلب تنفيذها كما هي، ما يفرض على النجار دقة أكبر في متابعة التفاصيل.
ويضيف أن العمل اليوم صار أصعب من ناحية الموديلات، لأن التصاميم الحديثة تتضمن “حركات” وتفاصيل أكثر، إضافة إلى استخدام مواد مثل البلكسي، التي تمنح الغرفة شكلًا أجمل لكنها تحتاج إلى إتقان في التنفيذ.
وبحسب صنديحة، فإن الموديلات الحالية تختلف كثيرًا عن القديمة، إذ كان الحفر اليدوي حاضرًا أكثر في السابق، بينما تراجع هذا النمط اليوم مع تغير الأذواق ودخول المكنات.
سرعة أكثر.. لكن ليست دائمًا
كان تنفيذ غرفة النوم في الماضي يحتاج إلى وقت أطول، ولا سيما عندما تتضمن أعمال حفر يدوي.
ويقول صنديحة إن الحفار اليدوي كان يحتاج إلى وقت طويل لإنجاز تفاصيل الغرفة، بينما أصبحت مكنة الـCNC تختصر هذه المرحلة، إذ يمكن تنفيذ بعض أعمال الحفر خلال ساعات أو يوم واحد.
ومع ذلك، لا يعني دخول المكنات أن كل الغرف تنجز بسرعة، إذ يوضح أن غرفة النوم “التي عليها القيمة” قد تحتاج شهرين أو ثلاثة، بحسب الموديل وحجم التفاصيل المطلوبة.
فالوقت لا يرتبط بالحفر وحده، بل بنوعية الخشب، وعدد القطع، والتجميع، والتقشيط، ومراحل الدهان، والتعديلات التي قد يطلبها الزبون قبل التسليم.
“القلعة” لم تعد مطلوبة
كان يقال سابقًا عن بعض غرف النوم إنها “قلعة”، في إشارة إلى حجمها وثقلها وكثرة تفاصيلها، لكن هذا النمط تراجع اليوم، بحسب صنديحة.
ويقول إن تنفيذ غرفة نوم بالمواصفات القديمة نفسها يحتاج اليوم إلى كلفة مرتفعة، لذلك تتجه الورش غالبًا إلى تنفيذ غرف بمستوى متوسط يناسب قدرة السوق والزبائن.
ولا ينفي صنديحة وجود الإتقان في العمل الحالي، لكنه يرى أن ارتفاع الأسعار غير خيارات الزبائن، فبدل الغرف الثقيلة والمليئة بالتفاصيل، بات كثيرون يطلبون غرفًا أبسط وأقل كلفة.
ويربط هذا التحول بتبدل كلفة المواد والعمل، إذ يشير إلى أن تنفيذ غرفة “ممتازة” يحتاج اليوم إلى مبلغ أعلى بكثير من الغرف المتوسطة التي يطلبها معظم الزبائن.
وبحسب صنديحة، ما يزال اسم داريا مرتبطًا بصناعة الموبيليا، لكن المهنة تغيرت في أدواتها وموديلاتها وكلفتها.