مع اقترابه من سن المئة، ما يزال الشيخ علي الشربجي حريصًا على استقلاليته في تفاصيل حياته اليومية، يخدم نفسه ما استطاع، ويعد قهوته، ويصر على إكرام ضيوفه بيده، ويواظب على صلة الرحم والسؤال عن أقاربه، ويتجنب الغضب وتجريح المخالفين أو الدخول في نقد أقرانه.
وخلف هذه التفاصيل ذاكرة تمتد إلى نحو تسعة عقود، تحتفظ بصورة داريا قبل أن تتسع شوارعها وتنتشر فيها الأبنية الحديثة، حين كانت بلدة تحيط بها الكروم والبساتين، وتقوم بيوتها من اللبن والطين، وينتقل أهلها إلى دمشق على الدواب وعدد محدود من الحافلات، ويتعلم أطفالها في «الكتاتيب» قبل انتشار المدارس الحكومية.
عبر سلسلة مقابلات أجرتها معه عنب بلدي في إسطنبول، يستعيد الشيخ علي الشربجي طفولته ونشأته وحياة داريا الاجتماعية والاقتصادية والدينية، بتفاصيل تبدأ من البيت والحارة والكتّاب والمسجد، وتمتد إلى زراعة العنب والطرق والمقاهي، إلى جانب مشاهد احتفظ بها من سنوات الانتداب الفرنسي والحرب العالمية الثانية وبدايات التعليم النظامي.
الجذور العائلية
ولد علي بن خالد الشربجي في الأول من كانون الثاني عام 1928 في داريا بريف دمشق، وتحديدًا في القسم الذي عُرف محليًا باسم «الشمالى».
والده خالد الشربجي، المعروف بـ«أبو علي»، ووالدته أنيسة الشربجي، ابنة عم والده، وكان علي الابن البكر في أسرة أنجبت عشرة أولاد، أربعة ذكور وست إناث.
وترتبط قصة القرابة بين والديه بجيل سبق مولده، فجده لأبيه علي الشربجي (أبو خالد)، وجده لأمه سعيد الشربجي (أبو محمد)، كانا شقيقين، وجُنّدا خلال الحرب العالمية الأولى في الجيش العثماني ضمن حملات الحشد العسكري، التي عُرفت شعبيًا في بلاد الشام باسم «السفربرلك».
ولم يعد الرجلان إلى داريا. وبحسب ما سمعه الشيخ علي لاحقًا من أخواله، توفي جده لأمه، سعيد، في المدينة المنورة، بينما بقي مصير جده لأبيه، علي، مجهولًا، ولم تعرف الأسرة حتى البلد الذي توفي فيه.
نشأ الشربجي في عائلة يصفها بأنها كانت ميسورة ماديًا قياسًا إلى أوضاع البلدة، وكان والده يعمل في الزراعة، وهي المهنة التي اعتمد عليها جزء واسع من أهالي داريا.
ويتذكر والده، وهو في سن الثلاثين أو الخامسة والثلاثين، مالكًا لأراض زراعية في مناطق مختلفة، منها أرض واسعة في «الشويحة»، حيث امتدت مساحات لآل الشربجي حتى قناة مسعودة، وأرض أخرى في منطقة «النباعات» باتجاه كفرسوسة والقدم.
ومن ذاكرة طفولته بقيت أسماء أصدقاء الحارة والرفاق الذين شاركوه الكتّاب ومجالس العلم والذكر والإنشاد، ومنهم نبيل نايلة وعبد الفتاح نايلة، وأبناء عائلة البسرك الذين كانوا من جيرانه، وعبد المجيد ناموس، إضافة إلى محمد الدلعين، الذي أصبح لاحقًا عم زوج ابنته «أبو حسام»، وكان يرافقه في حضور الحضرات والموالد الصوفية.
وما يزال يتذكر جيرانه القريبين من منزل أسرته في الحارة المتصلة بشارع العباس، الشيخ نور الدين الحمدوني وشقيقه «أبو ديب» من الجيران المباشرين، وبيت عائلة محمود المقابل لهم في الشارع، وكان منزلًا كبيرًا له حوش واسع، إضافة إلى بيت عنتر العبار ذي البوابة الكبيرة.
خمسة مساجد وبلدة تحيط بها البساتين
غادر علي الشربجي داريا إلى دمشق وهو في التاسعة عشرة، ولذلك ترتبط معظم ذاكرته المباشرة عن عمران البلدة وحاراتها بالثلاثينيات والأربعينيات ومطلع الخمسينيات.
ومن الصور المبكرة التي ما تزال عالقة في ذاكرته مشهد «المدحلة» وهي تدحل الطريق القادم من جهة الخليج وكفرسوسة باتجاه داريا، وتصل في عملها إلى المقبرة المعروفة محليًا بـ«التربة» وبناء البلدية القديم، ويضع هذا المشهد في عام 1937.
ويتذكر أن المساجد الرئيسة التي عرفها في داريا خلال الثلاثينيات والأربعينيات كانت الجامع الكبير، وجامع المنبر، وجامع الخولاني، وجامع العباس، وجامع عمر بن الخطاب.
وكان الشيخ عبد المجيد الخطيب يتولى الخطابة في الجامع الكبير، ويخطب فيه أحيانًا الشيخ عبد اللطيف الأحمر، بينما كان الشيخ عبد المجيد العبار، والد رشيد ومحمد العبار، يخطب في جامع عمر بن الخطاب.
أما جامع العباس، فتولى الخطابة فيه الشيخ عباس محمود، ثم الشيخ نور الدين الحمدوني، في حين كان الشيخ حبيب الحلاق خطيبًا في جامع المنبر.
ويتذكر الشربجي جامع الخولاني مصلى صغيرًا، لكنه لا يحفظ اسم من كان يتولى خطبة الجمعة فيه.
البيت الداراني.. «الدك» و«المندلون»
يصف الشربجي بيوت داريا القديمة المبنية من اللبن والطين، ويقول إن بعض جدرانها كان يبنى بطريقة تسمى «الدك»، إذ تُدك مواد البناء يدويًا لتنتج جدرانًا سميكة تساعد على حفظ الدفء في الشتاء وتخفيف حرارة الصيف.
وكانت الدار التقليدية، كما بقيت في ذاكرته، تتألف عادة من غرفتين يتوسطهما ليوان، وإلى جانبه «بايكة»، وهي الجزء البراني من المنزل، بينما توجد في كل غرفة «عتبة» منخفضة عند المدخل.
أما «الكتبية» أو «الكتابي»، فهي رفوف مفتوحة مبنية داخل الجدار تستخدم لحفظ الأواني والأغراض، في حين كان «المندلون» نافذة علوية صغيرة فوق الباب، وكان موضعه يستخدم أحيانًا لحفظ الجوز أو البصل.
ولا يستعيد الشربجي هذه التفاصيل بوصفها مصطلحات معمارية مجردة، بل من خلال منزل أسرته نفسه، الذي كان يتألف من قسمين، قسم يطل على الطريق هو منزل والده، وقسم داخلي يدخل إليه عبر ممر ويعود إلى عمه عبد المجيد الحمدوني، شقيق والده من أمه.
وكانت أسرته تقيم في القسم المطل على الطريق، الذي ضم غرفتين يتوسطهما ليوان، وإلى جانبه «بايكة» وحوش خارجي يفصله عن القسم الداخلي جدار.
وكان البيت محاطًا بجدران من جهاته الأربع، ولا يدخل إليه إلا عبر باب واحد، بينما كانت «العتبة» داخل الغرف تنخفض عن مستوى أرض الدار بنحو نصف متر.
ويتذكر أن بعض بيوت داريا، رغم اعتمادها على اللبن والطين، كانت تحمل تفاصيل زخرفية جميلة، فسقف منزل والده كان مزينًا برسومات «الخيط العربي»، ونوافذه ذات طابع عربي تقليدي، تتألف من «مندلون» في الأعلى ونوافذ أصغر تحته.
وضمت مرافق المنزل مرحاضًا وحمامًا منفصلين بجوار «البايكة»، لكن الاستحمام الأساسي كان يتم غالبًا في حمام البلدة.
كما احتوت أرض الدار على فرن من الحصى، وتنور، وقن للدجاج، وبيت للمونة.
وكان أفراد الأسرة جميعًا ينامون في غرفة واحدة، حتى بنى والده منزلًا جديدًا بالقرب من المنطقة التي عُرفت لاحقًا باسم «شريدي»، وانتقلت إليه الأسرة.
وضم المنزل الجديد خمس غرف وحمامًا وبيتًا للمونة، فيما رُصفت الأرض أمام الغرف بالحجارة للحماية من الوحل والطين خلال فصل الشتاء والأيام الماطرة.
حمام داريا.. كما بقي في ذاكرته
يستعيد الشيخ صورة حمام داريا القديم، ويتحدث عنه كأنه ما يزال يراه أمامه.
ويصف بناءه الداخلي بزاوية توضع فيها المناشف التي يستخدمها الخارجون من الحمام، تليها ساحة صغيرة في الوسط تضم حوضًا مائيًا، ثم مدخلًا يؤدي إلى غرفتين للاستحمام.
ولا يذكر على وجه الدقة مع من كان يذهب إليه في طفولته، هل مع والدته أم مع والده، لصغر سنه في تلك المرات، لكنه يتذكر أن الحمام كان يقع عند آخر البلدة وفق حدود العمران في ذلك الزمن، ويقصده الرجال والنساء للاستحمام.
وظل الحمام قائمًا لعقود قبل أن يُهدم في ثمانينيات القرن العشرين.
قناة مسعودة والنباعات وعين بين الصخور
وفي ذاكرته عن المياه تحضر قناة مسعودة ومنطقة «النباعات»، التي ارتبط اسمها بما عرف فيها من ينابيع، إضافة إلى عين ماء صغيرة يتذكرها بين الصخور في أرض تعرف باسم «عبيدي».
ويحدد الشربجي مكان الأرض بما يقارب المنطقة الواقعة حاليًا قرب شارع الكورنيش، وكان الوصول إليها من الطريق المؤدي إلى جامع عثمان بن عفان أو الثانوية الشرعية القديمة.
أما المطاحن، فيقتصر ما بقي منها في ذاكرته على «طاحونة اللوان»، إلى جانب طاحونة على طريق المعضمية- داريا لم يعد يتذكر اسم صاحبها، ومعصرة وطاحونة لآل العبار بالقرب من منزل الشيخ عبد اللطيف الأحمر في الطريق المؤدي إلى السلطانية.
«طريق الحديد» وحافلتان
يقول الشربجي إن «طريق الحديد» كان أول طريق في داريا رُصف بالحجارة، لكنه بقي من دون طبقة إسفلتية.
وكان التنقل بين داريا ودمشق يعتمد أساسًا على الدواب، فيما لا يحتفظ في ذاكرته من الحافلات في تلك المرحلة إلا باثنتين، إحداهما كان يشغلها رجل يعرف بـ«أبو الشحم»، والأخرى يشغلها «الحجي أمون».
وظل «طريق الحديد» حاضرًا في حياته بعد انتقاله إلى الدراسة في دمشق، إذ كان يسلكه عند عودته إلى داريا، ولا سيما أيام الجمعة.
المحفرة و«دكان عجم»
ويتذكر من طفولته أيضًا محفرة كبيرة بالقرب من جامع طه، كانت تمتلئ بمياه الأمطار خلال فصلي الشتاء والربيع، ولم تكن حوافها عميقة أو شديدة الانحدار.
كان بيت جده قريبًا منها، وكذلك بيت عبده الدلعين الذي كان يشرف على أحد أطرافها، في حين كان منزل شقيقه مصطفى الدلعين يقع على الطرف المقابل.
وعلى حافة المحفرة كان يمتد زقاق يتفرع إلى ممر يعرف باسم «دكان عجم»، وعلى جانبيه تتوزع بيوت العتر، وحامد العزب وسعيد العزب، ثم بيت حمدان، وبعده دار الشيخ نور الدين الحمدوني وشقيقه، قبل الوصول إلى بيت أسرة الشربجي.
الجامع الكبير وصانع الأحذية المسيحي
في محيط الجامع الكبير، يتذكر الشربجي بيت عبد العزيز الشربجي وعددًا من الأسر من آل الشربجي التي كانت تسكن خلف الجامع، بينها عائلة حمزة وعائلة «أبو عزات».
كما يتذكر صانع أحذية مسيحيًا يعرف بـ«أبو سليم»، كان يعمل في زقاق قريب من الجامع ويصنع الأحذية الجلدية يدويًا، وكان كثير من أهالي البلدة يقصدونه لتفصيل ما كانوا يسمونه في اللهجة المحلية «الصرامي».
ويصف مئذنة الجامع الكبير بأنها كانت عريضة وحجرية، وتشبه في نظره مئذنة الجامع الأموي في دمشق.
ويرتبط المكان في ذاكرته أيضًا بخطيبه الشيخ عبد المجيد الخطيب، وذكريات مع عمته وأقاربه، وبصورة حي سكني تحيط به البساتين والأشجار، في مشهد يختلف كثيرًا عما أصبحت عليه المنطقة لاحقًا.
«كراكوز وعواظ» في مقهى الحارة
قرب المحفرة عند جامع طه، كان هناك مقهى يتذكر الشربجي أنه كان يعرض أحيانًا ما يعرف بـ«كراكوز وعواظ».
ويتذكر أسلوب العرض البسيط، شمعة أو مصدر ضوء يوضع خلف قطعة قماش، وتحرك خلفها شخصيات الظل بالتزامن مع رواية القصص والحكايات.
ويروي حادثة من طفولته تأخر فيها في العودة إلى المنزل بعد انتهاء جلسة ذكر للشيخ محمد الهاشمي، لأنه بقي مع ابن خاله في المقهى، فعاقبه والده ووبخه.
ويقول إن المقاهي كانت تعد في نظر بعض الأهالي المحافظين أماكن يجتمع فيها الشباب الذين كانوا يصفونهم بـ«المطقطقين».
الحلاق.. مستوصف البلدة الصغير
ويتذكر بالقرب من المقهى دكانين ارتبطا بالحياة اليومية في البلدة، أحدهما لجزار، والآخر للحلاق «أبو عبدو».
ولم يقتصر عمل أبي عبدو على الحلاقة، بل كان يقوم أيضًا بختان الأطفال، الذي كان الأهالي يسمونه «التطهير»، ويعالج الجروح البسيطة، حتى إن الشربجي يصفه بأنه كان بمنزلة مستوصف صغير لأهالي داريا.
كما يتذكر وجود دكاكين تبيع السكر الأحمر وغيره من المواد الأساسية.
أما البلدية، فيقول إنه يتذكر وجودها في الموقع نفسه تقريبًا الذي ظل معروفًا في العقود التالية، لكن مبناها كان في ذلك الوقت مؤلفًا من طابق واحد.
الوجهاء والكنافة الأسبوعية
لا يحتفظ الشربجي بكثير من تفاصيل المجالس التي كان الوجهاء يعقدونها لحل النزاعات، ويوضح أن مغادرته داريا وهو في التاسعة عشرة جعل كثيرًا من هذه الممارسات اللاحقة خارج ذاكرته المباشرة.
لكنه يتذكر المكانة الاجتماعية والإصلاحية التي تمتع بها شيوخ المساجد، ويذكر من بينهم الشيخ عباس محمود، والشيخ عبد السلام الحلاق، والشيخ حبيب الحلاق، والشيخ عبد المجيد النجار.
وكان والده يشارك في سهرة أسبوعية تجمع عددًا من وجهاء البلدة، بينهم الشيخ عبد المجيد العبار.
وفي ذاكرته، كانت تلك اللقاءات تجمع بين الأحاديث الاجتماعية وإعداد الكنافة بالقشطة والسمن العربي، وتعكس جانبًا من الألفة والعلاقات التي جمعت رجال البلدة.
ويذكر آل العبار بوصفهم من الأسر ذات المكانة الاجتماعية، وكان بعض الناس يرجعون إليهم في شؤونهم، ويربط جانبًا من هذه المكانة بحظوة كانت لدى بعض أفراد العائلة عند مسؤولين في الدولة العثمانية.
العروس تصل على الفرس
ومن العادات الاجتماعية القديمة المرتبطة بالأعراس، يتذكر الشربجي أن العروس كانت تزف إلى منزل زوجها على ظهر فرس، مرتدية ملابس ساترة تخفيها عن الأنظار.
وفي المقابل، كان أهل العريس يرسلون الطعام إلى منزل العروس في صوانٍ كبيرة يحملها الرجال على رؤوسهم.
وبعد أن أصبح شيخًا وفقيهًا، كان الشربجي يفتي أقاربه بجواز التسلية والغناء في الأفراح، ما دام خاليًا من الكلام الفاحش وكشف العورات وارتكاب المحرمات، ويرى أن الغناء المباح في مناسبة الفرح لا يتعارض مع أحكام الشريعة.
العنب.. عصب اقتصاد داريا
يصف الشربجي العنب بأنه كان من أهم أعمدة اقتصاد داريا، ومصدر دخل رئيسيًا لكثير من أسرها الزراعية.
وفي نحو العاشرة من عمره، كان يرافق والده على عربة يجرها حصان تسمى «طنبر»، محملة بالعنب في طريقها من داريا إلى أسواق دمشق، ومنها سوق الهال.
ولم تكن داريا، بحسب ما يتذكر، المصدر الوحيد للعنب الذي يصل إلى السوق، إذ كانت كروم دوما أيضًا تورد إليه، وكان عنبها الأحمر معروفًا، فيما تميزت داريا بتعدد أصنافها.
ومن الأصناف التي يحفظها «البلدي»، وهو صنف يميل إلى الصفرة عند اكتمال نضجه، و«الزيني» الذي يشبه البلدي في شكله الطولي ولونه، لكن حباته أنحف وغير مضلعة، ويصفه بأنه أشد حلاوة من البلدي وغيره.
كما عرفت داريا بالعنب «الحلواني»، الأحمر ذي الحبات الكروية الكبيرة، و«الزيني الأحمر»، والعنب الأسود المعروف باسم «الإفرنجي»، وهو صنف مبكر النضج يتميز بطعم يميل إلى الحموضة.
ويتذكر الشربجي أن بائعي العنب لم يكونوا يعرضونه في صناديق منذ البداية، بل كانوا يرتبون القطوف بطريقة هندسية تسمى «الكعكات» أو «الفردات».
تُرص العناقيد في طبقات دائرية متدرجة، ويقدر قطر الطبقة بنحو 65 سنتيمترًا، فيما يصل ارتفاع «الفردة» إلى نحو نصف متر.
ولاحقًا تغيرت طرق التعبئة، وبدأ بعض التجار يزودون المزارعين بصناديق خشبية (سحاحير)، يوضع العنب فيها على طبقتين ثم تغلق استعدادًا للنقل.
معرض العنب
ومن المحطات التي بقيت في ذاكرته من حياة داريا الزراعية معرض للعنب أقيم قبل الجلاء، ويرجح الشربجي أنه كان عام 1945.
ويضع موقعه في أرض تعرف باسم «دوكمة»، أو المنطقة التي عرفت لاحقًا باسم «المعلم»، عند بداية الخليج على طريق داريا- كفرسوسة.
شارك والده خالد الشربجي في المعرض، وكانت له مساحة عرض بعرض مترين تقريبًا، وضع فيها قطوفًا من العنب «الحلواني»، بينها عنقود يزيد طوله على 30 سنتيمترًا ويحمل حبات كبيرة وممتازة.
ويقول الشربجي إن والده حصل على جائزة في ذلك المعرض.
من الكُتّاب إلى المدرسة الحكومية
بدأ علي الشربجي التعليم وهو في الخامسة أو السادسة من عمره، نحو عامي 1933 و1934، عندما أرسله والده مع ابن خاله أمين الشربجي إلى كُتّاب الشيخ عبد اللطيف الأحمر، الذي كان منزله في بداية «زقاق الصخرة».
ويتذكر من تقاليد الكتّاب احتفالًا يسمى «النشيدة»، يقام عند ختم الطالب جزءًا من القرآن، فيسير الأطفال في حارات البلدة وهم ينشدون.
وكانت زوجة الشيخ عبد اللطيف تساعد أحيانًا في متابعة الأطفال والتسميع لهم عند غياب زوجها.
وفي الوقت نفسه، كان هناك شيخ كُتّاب آخر اسمه عبد القادر الأحمر، خصص غرفة أو جزءًا من منزله لاستقبال الطلاب، وكان بيته قريبًا من بيت العبار في الطريق المؤدي إلى زقاق الصخرة.
كما يتذكر رجلًا اسمه طالب حلمي، كانت لديه «مقرأة» صغيرة يعلم فيها الأطفال.
وينفي الشربجي أن يكون الشيخ عبد اللطيف الأحمر يستخدم الضرب أو العصا مع تلاميذه، ويقول إن أجره كان بسيطًا ويختلف وفق قدرة كل أسرة، وكان موضوع الأجر يدار بين الشيخ وآباء الأطفال من دون تدخل التلاميذ.
أول مدرسة حكومية في داريا
وفي عام 1935، بحسب ذاكرة الشربجي، افتتحت أول مدرسة حكومية نظامية في داريا بالقرب من بيت عائلة الخطيب، وعرفت لاحقًا باسم «مدرسة الخطيب».
ويتذكر أن افتتاحها قوبل برفض من عدد كبير من الأهالي، الذين نظروا بريبة إلى المدارس الحكومية في ظل الانتداب الفرنسي، حتى إن بعضهم اعتبر دخولها غير جائز شرعًا.
ويقول إن الصف الأول والوحيد فيها بقي من دون العدد اللازم من الطلاب، ما دفع رئيس مخفر الدرك إلى القيام بجولات على كتاتيب المشايخ لجمع الأطفال منها وإرسالهم إلى المدرسة.
وكان علي واحدًا ممن أخذهم عناصر الدرك من كُتّاب الشيخ عبد اللطيف الأحمر إلى المدرسة الجديدة.
ويتذكر أن ابنة رئيس المخفر كانت الفتاة الوحيدة في المدرسة كلها آنذاك.
ومن المعلمين الذين بقيت أسماؤهم في ذاكرته الأستاذ عبد الرؤوف في السنة الأولى، والأستاذ حمزة في الثانية، لكنه لا يتذكر اسمي عائلتيهما.
كما يتذكر طريقًا صغيرًا يصل من منزل الخطيب إلى باب المدرسة، ومقابله دكان للحلاقة نسي اسم صاحبه.
درس في المدرسة حتى الصف الثالث الابتدائي، ثم تركها عام 1937 ليعاون والده في الزراعة، ولم يكمل الصفين الرابع والخامس.
غرفة صغيرة وقبر مختلف عليه
وبجوار المدرسة، يتذكر غرفة صغيرة فيها «طاقة»، أي نافذة صغيرة، كان يوضع فيها ضوء أو شمعة، وكان الناس يقولون إن داخل الغرفة قبرًا لا يظهر من الخارج.
ويربط الشربجي الموقع بالمكان الذي أقيم عليه لاحقًا ما عرف باسم «مقام سكينة»، لكنه ينقل في الوقت نفسه رواية أخرى كان يسمعها من بعض أهالي داريا، تقول إن المدفونة في المكان امرأة من عائلة لطيفة.
جامع العباس والطريق إلى التصوف
بعد ترك المدرسة الرسمية، ازداد ارتباط علي بالمساجد بتشجيع من والده، وكان جامع العباس الأقرب إلى منزل الأسرة.
وكان من جيرانهم الشيخ نور الدين الحمدوني وشقيقه «أبو ديب»، إضافة إلى بيت الشيخ عباس محمود المقابل لهم مباشرة، وكان منزلًا كبيرًا ذا صحن واسع.
ويتذكر الشربجي أن الشيخ عباس محمود توفي لاحقًا بعد حادث احتراق أصاب يديه، فتولى نور الدين الحمدوني الإمامة والخطابة في جامع العباس من بعده.
بدأ علي حضور صلاة الجمعة مع والده في نحو السابعة، وتأثر بالجو الروحي والتربوي المحيط بالشيخ الحمدوني.
وكان الحمدوني قد أخذ الطريقة الشاذلية عن الشيخ محمد الهاشمي في دمشق، ويواظب على الذهاب إلى الشام يوم الجمعة لحضور «الحضرة الصوفية»، وكان خالد الشربجي يصاحبه أحيانًا ويأخذ معه ابنه علي وهو دون الثامنة.
ومع مرور الوقت، توثقت صلة الأسرة بالشيخ الهاشمي وتلاميذه، وكان تلميذه الشيخ تيسير المخزومي «أبو جودت» يتردد إلى داريا، وينزل ضيفًا في منزل خالد الشربجي، ويلقي الدروس العلمية والدعوية في جامع العباس.
كما انتظمت مجالس الذكر والحضرات والأناشيد الدينية، التي كان يحيي بعضها المنشد «أبو جميل البسرك»، وكان علي يحضرها برفقة محمد الدلعين.
جماعة أخرى و«توّر»
ويتذكر الشربجي أيضًا جماعة دينية ذات طابع صوفي كان مركزها في جامع عمر بن الخطاب، ويرجح أنها كانت تتبع إحدى الطرق الصوفية.
ويذكر من الأسر المرتبطة بها بيت جمال الدين وبيت تقالة، وكان خاله مصطفى الشربجي، المعروف بـ«أبو خليل»، من المنتسبين إليها.
ويقول إن خاله حضر عشرة أيام عند الشيخ علي الدقر، ثم عاد إلى داريا، فصار الناس يطلقون عليه لقب «الشيخ»، وكان يشارك مع الجماعة في مجالس الذكر.
وحضر علي أحد هذه المجالس وهو في نحو الخامسة عشرة، وشاهد بعض المشاركين يدخلون في حالة وجد شديدة خلال الذكر حتى يبدوا وكأنهم غابوا عن المحيط.
وكان أهالي داريا يطلقون على هذه الحالة في لهجتهم تعبير «توّر»، أي أخذه الحال أثناء الذكر.
جنود في منزل الأسرة
تحمل ذاكرة البيت نفسه صورًا من سنوات الانتداب والحرب العالمية الثانية.
يتذكر الشربجي جنودًا يعملون ضمن القوات الفرنسية يدخلون داريا، وكان بينهم مغاربة وشركس، ثم يوزع بعضهم على منازل الأهالي.
وفي بيت أسرته، أودع جنود شركس خيولهم في منزل عمه، واتخذوا القسم الخارجي من البيت مقرًا لإقامتهم، فيما احتمت الأسرة في القسم الداخلي خلف الجدار وهي تشعر بالخوف.
وخلال تلك الأحداث، غادرت الأسرة داريا إلى دمشق، وأقامت في حي «الشربيشات» لدى عائلة «الجبان»، التي خصصت لهم ملحقًا، وبقوا هناك نحو شهر.
ويتذكر الشربجي القوات الإنجليزية في جهة الكسوة، والفرنسية في جهة جبل قاسيون.
وتتقاطع هذه الذكريات مع أحداث حملة سوريا ولبنان عام 1941، التي بدأت في 8 حزيران باجتياح قوات بريطانية ومن الكومنولث و«فرنسا الحرة» الأراضي الخاضعة لحكومة فيشي، وشهدت معارك على محور الكسوة ثم دمشق، التي دخلتها قوات الحلفاء في 21 حزيران.
وفي حادثة أخرى من تلك الفترة، كان الشربجي يسير مع والده عبر البساتين في طريقهما إلى دمشق حين اعترضهما جنود مغاربة يخدمون ضمن القوات الفرنسية، وأخذوا يسألون عن وجود القوات الإنجليزية في المنطقة.
«فخري بيك.. طل علينا من الشبيك»
في مطلع الأربعينيات، عندما كان علي الشربجي في نحو الثالثة عشرة، خرج في تظاهرة شعبية من داريا مشيًا عبر «طريق الحديد» باتجاه القنوات.
ويتذكر عنتر العبار في مقدمة التظاهرة، ويذكره بوصفه عضوًا في الكتلة الوطنية.
ووصل المتظاهرون إلى منزل فخري البارودي، أحد أبرز وجوه الحركة الوطنية السورية، وهناك التقوا، وفق ما بقي في ذاكرته، بتظاهرة أخرى قادمة من لبنان.
ولا يزال يحفظ هتافًا كان يردده المتظاهرون: «فخري بيك فخري بيك.. طل علينا من الشبيك».
كما بقي في ذاكرته هتاف ساخر موجه ضد تاج الدين الحسني: «شيخ تاج يا بومة، يا بو اللفة المبرومة، عطينا شعرة من ذقنك لنخيط هالبيتونة».
ويربط الشربجي هذا الهتاف بموقف المشاركين المعارض لتاج الدين الحسني وما رأوه من مهادنته للفرنسيين، في مقابل والده المحدث بدر الدين الحسني، الذي يصفه الشربجي بأنه كان مناهضًا للوجود الفرنسي.
كما يروي أن بدر الدين الحسني عارض محاولة فرنسية لتحويل التكية السليمانية إلى متحف، ودخلها مع طلابه لمنع ذلك.
ليرة واحدة من الجيش البريطاني
ومن ذكريات تلك الحقبة تجربة عمل لم تستمر إلا يومًا واحدًا.
اصطحبه ابن خال والده فارس العبار، المعروف بـ«أبو بكري» أو «الحج بكري»، مع عدد من أبناء داريا إلى منطقة سهل القابون للمشاركة في أعمال بسيطة كان الجيش البريطاني ينفذها هناك.
وقضى الطفل يومه في نقل الحجارة منذ السادسة صباحًا حتى الخامسة مساء.
وعند انتهاء العمل، أعطاه المسؤول ليرة سورية واحدة أجرًا لليوم، ثم قال للمترجم، مشيرًا إلى صغر سنه وضعف بنيته: «بكرا لا يجي».
ويتذكر الشربجي أيضًا خليل بصلة وفارس شريدي من أبناء داريا الذين ارتبط اسماهما في ذاكرته بالمشاركة في مقاومة الاحتلال الفرنسي.
عند عام 1947 تنتهي تقريبًا المرحلة الأولى من حياة علي الشربجي. كان قد ترك المدرسة منذ عشر سنوات وعمل في الأرض مع والده، لكنه ظل قريبًا من المسجد ومجالس العلم.
وفي التاسعة عشرة، جاء الشيخ تيسير المخزومي إلى والده باقتراح سيغير مسار حياته: أن يرسل ابنه إلى دمشق للدراسة الشرعية في «معهد التوجيه الإسلامي».
ومن هناك تبدأ المرحلة الثانية من سيرته.
