حملت مداخلات فاعلين من مدينة داريا، خلال لقاء مع عضوين في مجلس الشعب، قائمة من المطالب المرتبطة بعمل المجلس في المرحلة المقبلة، تصدرتها مراجعة القوانين الموروثة من عهد النظام السابق، وإصدار تشريعات جديدة، ومراقبة السلطة التنفيذية، والعمل على العدالة الانتقالية واستقرار البلاد.
وفي مقابل التوقعات المرتفعة التي عبر عنها الحضور، تحدث عضوا مجلس الشعب فادي الحلبي وعدنان الخطيب عن حجم الملفات التشريعية المتراكمة، وآلية توزيعها على لجان المجلس، وحدود ما يمكن أن تحققه التشريعات خلال وقت قصير، مؤكدين أن أثر التعديلات القانونية لن يظهر بصورة فورية في حياة الناس.
جاء ذلك خلال لقاء حواري نظمته مؤسسة «فكر وبناء»، بالتعاون مع المركز الثقافي في داريا، مساء الخميس 30 من تموز، بعنوان «مجلس الشعب وأولويات المرحلة القادمة»، وأداره محمد رشدي الشربجي، بحضور نساء ورجال وفاعلين في المجتمع المحلي.
وبحسب الدعوة المعلنة، هدف اللقاء إلى فتح حوار حول أولويات المرحلة المقبلة ودور مجلس الشعب، وتعزيز التواصل بين ممثلي الشعب والمواطنين، بما يسهم في بناء شراكة بين المجتمع ومؤسساته.
وكان من المقرر أن يشارك في اللقاء أمين سر مجلس الشعب، مؤيد حبيب، لكنه اعتذر عن الحضور.
الرقابة والعدالة الانتقالية في صدارة المطالب
عكست مداخلات الحضور توقعات لا تقتصر على تعديل القوانين، بل تشمل إصدار تشريعات جديدة، ومراقبة أداء السلطة التنفيذية وتصحيح مسارها، والعمل على العدالة الانتقالية واستقرار البلاد.
وقال خليل الحواج، أحد المشاركين، لعنب بلدي، إن التوقعات المتعلقة بالحكومة ومجلس الشعب ارتفعت بعد «التحرير» واتساع هامش الحريات، خصوصًا بعد الانتظار الطويل لبدء المجلس عمله.
وأضاف أن الناس ينتظرون من مجلس الشعب الدفاع عن مصالحهم، ولا سيما مصالح الشرائح الواسعة، وتعديل القوانين وإصدار تشريعات جديدة، إلى جانب مراقبة السلطة التنفيذية وتقديم الملاحظات على أدائها.
وحول أثر اللقاء، قال الحواج إن عضوي المجلس أبديا تفاؤلًا انعكس على المشاركين، وقدما إجابات وصفها بالصريحة، إلى جانب معلومات عن آلية عمل المجلس وما يجري داخله، ما زاد تفاؤله بالدور الذي يمكن أن يؤديه.
أما شاكر المصري، أحد المشاركين، فقال لعنب بلدي إن مجلس الشعب يمثل ركنًا أساسيًا في بناء الدولة، إذ لا يمكن، بحسب رأيه، المضي في هذا المسار من دون أنظمة وقوانين وتشريعات ورقابة على السلطة التنفيذية.
وأضاف أن وجود المجلس خطوة أساسية، وأن العضوين حاولا توضيح رؤيتهما الحالية قدر الإمكان، رغم أن الرؤية ما تزال غير مكتملة والمرحلة صعبة.
ورأى المصري أن عضوي المجلس استمعا إلى أسئلة الحضور بصورة جيدة، وأجابا عنها بوضوح وشفافية قدر الإمكان.
بدوره، قال محمد أسامة عودة، أحد الحضور، لعنب بلدي إن الجلسة عرّفت المشاركين بجوانب من عمل البرلمان الجديد، بعد سنوات لم يكن فيها البرلمان يؤدي الدور المنتظر منه.
ووصف اللقاء بالشفاف، موضحًا أن مداخلته تناولت دور عضو مجلس الشعب داخل المجلس، وكيفية تواصل الناس معه ومناقشته، بما يمكّنه من نقل أصواتهم باعتباره ممثلًا لهم.
وأضاف أن أبرز ما ينتظره من المجلس هو العمل على العدالة الانتقالية واستقرار البلاد، وإصدار قوانين غير ظالمة، وتعديل القوانين الجائرة التي كانت مطبقة في عهد النظام السابق.

25 لجنة للعمل على القوانين
ردًا على سؤال حول الوقت اللازم للتخلص من القوانين والأنظمة الموروثة من عهد النظام السابق، قال عضو مجلس الشعب فادي الحلبي لعنب بلدي إن مشكلات وتغييرات كثيرة رُبطت خلال الأشهر الماضية بالمجلس، حتى من بعض العاملين في السلطة التنفيذية، رغم أن معالجة جزء منها لا تحتاج إلى تدخل السلطة التشريعية.
وأضاف أن السلطة التنفيذية تملك صلاحية إصدار قرارات يمكن من خلالها معالجة مشكلات عديدة تواجه الناس، بينما يتولى مجلس الشعب دراسة التشريعات الواقعة ضمن صلاحياته.
وقال الحلبي إن المجلس يواجه «كمًا هائلًا من القوانين»، ولن يدرسها بالتسلسل، بل ستعمل لجانه الـ25 بالتوازي على مشروعات القوانين التي ترسلها السلطة التنفيذية، وعلى المقترحات التشريعية المقدمة من أعضاء المجلس.
وأوضح أن أعضاء المجلس يأملون الوصول إلى تغيير ملموس يشعر به الناس في أسرع وقت، لكن القرارات التشريعية «ليست عصا سحرية»، ولا تنتج أثرًا فوريًا في حياة الناس.
وبحسب الحلبي، لا يقتصر التغيير المطلوب على تعديل مواد قانونية، بل يشمل ما وصفه بـ«عقل الدولة»، معتبرًا أن السلطة التشريعية تمثل «العقل الناظم» لها.
وقال إن المرحلة تحتاج إلى «ثورة تشريعية»، تليها مدة زمنية قبل أن تظهر نتائجها في الحياة اليومية، وفي الفضاء العام، وآليات إنتاج القرارات وعمل المؤسسات التنفيذية.
قوانين تعيق عمل الوزارات
قال عضو مجلس الشعب عدنان الخطيب لعنب بلدي إن ربط مشكلات كثيرة بالمجلس خلال الأشهر التسعة الماضية لا يعني تحميله ما يفوق طاقته، بل يعود إلى اصطدام السلطة التنفيذية، بعد تسلمها إدارة البلاد، بقوانين تعيق عمل بعض الوزارات وتؤثر في حياة الناس.
وأوضح أن ذلك لا يعني أن جميع القوانين القائمة فاسدة، إذ توجد قوانين جيدة، لكن بعض الوزارات واجهت مشكلات لم تكن تملك صلاحية حلها، وكان بعض الوزراء يقولون إن معالجتها تحتاج إلى مجلس الشعب.
ومع تأخر انعقاد المجلس، تراكمت الملفات التي ارتبط حلها ببدء عمله، وفق الخطيب، الذي رأى أن انطلاق عمل المجلس يفرض على أعضائه الاستنفار للقيام بالمهام الواقعة عليهم، من دون تحميل المؤسسة أكثر مما تستطيع.
وأكد أن المجلس بدأ عمله وأقر النظام الأساسي الناظم لعمله الداخلي، ومن المقرر تشكيل لجانه خلال الأسبوع المقبل.
وأضاف أن اللجان ستبدأ، فور تشكيلها، تلقي مشروعات القوانين التي أعدتها الوزارات والهيئات ومؤسسات الدولة، إلى جانب النظر في القوانين التي تحتاج إلى تعديل.
وسيعمل المجلس، بحسب الخطيب، على عقد ورشات ولقاءات وإعداد دراسات للوصول إلى قوانين أو تعديلات تتصل باحتياجات الناس والقضايا التي تهمهم.
وأشار إلى وجود رغبة واستعداد للعمل بين أعضاء المجلس، معتبرًا أن إنجاز النظام الأساسي في نصف المدة المتاحة مؤشر إيجابي على المبادرة إلى معالجة الملفات المتراكمة.

بين التوقعات والأدوات المتاحة
جاء حديث الحلبي عن حدود الأدوات المتاحة ردًا على تعليق أحد الحضور، قال فيه إنه كان خائفًا قبل اللقاء وأصبح أكثر خوفًا خلاله، متسائلًا عن الطريقة التي سيطمئن بها أعضاء المجلس الناس.
وقال الحلبي لعنب بلدي إن دور أعضاء المجلس ليس طمأنة الناس أو تخويفهم، بل نقل الواقع كما هو، والبحث في الوقت نفسه عن أدوات تقوي عملهم.
وأضاف أن المجلس مؤسسة شرعية تعمل في مرحلة تأسيسية من تاريخ سوريا، وأن الطموح هو بناء مؤسسة برلمانية قوية وحرة ومستقلة، مع مراعاة خصوصية المرحلة والمخاوف والتحديات المرتبطة بها.
وأوضح أن أعضاء المجلس يحاولون الموازنة بين رؤيتهم وما يأملون الوصول إليه، وبين واقعية الأدوات المتاحة لهم.
وبحسب الحلبي، دخل أعضاء المجلس بتوقعات مرتفعة، خصوصًا أن بينهم أشخاصًا آمنوا بالثورة وعملوا من أجلها خلال الأعوام الـ15 الماضية ويطمحون إلى حلول جذرية، لكن قدرتهم على تحقيق ذلك ترتبط بالأدوات المتاحة، بدءًا من القضايا المتعلقة بالإعلان الدستوري، وصولًا إلى الإجراءات التي ينظمها النظام الداخلي.
ورأى أن النقاشات مع الناس تساعد أعضاء المجلس على إدارة التوقعات بواقعية، بعيدًا عن آمال يصعب الوصول إليها، وفي الوقت نفسه عن واقعية لا تسهم في بناء شيء.
وأكد ضرورة بقاء أعضاء المجلس قريبين من الناس لبناء شرعية حقيقية من خلال التواصل معهم، إلى جانب ما وصفها بالشرعية الثورية المستندة إلى الإعلان الدستوري و«مؤتمر النصر».
لقاءات أكثر انتظامًا
وصف الحلبي داريا بأنها واحدة من كبرى «أيقونات الثورة»، معتبرًا أن لقاء أعضاء مجلس الشعب بفاعلين في مجتمعها المحلي، والحديث عن البرلمان ونظامه الداخلي وآليات عمله، يندرج ضمن ممارسة الحريات وفتح المجال للكلام في الحيز المدني.
وأكد لعنب بلدي ضرورة الدفاع عن هذا النوع من اللقاءات، داعيًا في الوقت نفسه إلى تنظيم التواصل بين أعضاء المجلس والمجتمع بصورة أكثر انتظامًا.
وقال إن اللقاء مع المجتمع يمثل غاية بحد ذاته، كما يشكل وسيلة لفهم احتياجات الناس بصورة أعمق وأكثر وضوحًا، بما يساعد أعضاء المجلس على التعبير عنها والدفاع عنها تحت قبة البرلمان.
ولم تقتصر النقاشات على عرض أولويات مجلس الشعب، إذ تحول اللقاء أيضًا إلى مساحة لشرح صلاحياته وآليات عمله، والاستماع إلى أولويات الحضور وتساؤلاتهم بشأن المرحلة المقبلة.

