لم يكن نادي داريا، بالنسبة إلى كثير من شبان المدينة في السبعينيات والثمانينيات، مكانًا للعب فقط، بل جزءًا من حياتهم اليومية، ومن علاقاتهم، ومن صورة المدينة عن نفسها.
هناك لعبوا، وتعبوا، وسافروا، وخسروا، وصعدوا، واحتفظوا بحكايات بقيت معهم حتى اليوم.
بعد عقود على تلك السنوات، التقت عنب بلدي في داريا بمن بقي من لاعبي ذلك الجيل. بعض من كانوا معهم غادروا الحياة، وآخرون يعيشون اليوم خارج البلاد، لكن من بقي في المدينة ما زال يستعيد التفاصيل كما لو أنها حدثت أمس.
“كنا بيتًا واحدًا”
محمد رياض العبار، الذي انتسب إلى نادي داريا في موسم 1975-1976، يتحدث عن النادي كأنه يتحدث عن بيت قديم يعرف تفاصيله كلها.
لعب مع فئات الناشئين والشباب والرجال، وفي مركزي قلب الدفاع “ليبرو” والباك الأيسر، لكنه عندما يعود بذاكرته إلى تلك المرحلة، لا يبدأ من المراكز ولا من الخطط، بل من الجو العام داخل النادي.
يقول إن اللاعبين والمدربين كانوا يتعاملون كعائلة واحدة، ولم يكن هناك فرق بين أبناء العائلات في المدينة. بهذه العبارة يلخص تلك الفترة: “كنا بيتًا واحدًا”.
ومن المباريات التي بقيت عالقة في ذاكرته، مباراة نادي النبك، التي كان الفوز فيها يعني أن يصبح نادي داريا بطل محافظة ريف دمشق، وأن يشكل منتخب من لاعبي المحافظة. يومها، وصل ستة لاعبين من داريا إلى منتخب المحافظة.
ويقول العبار إن لعب الكرة لم يكن سهلًا عند الجميع في ذلك الوقت، فبعض الأهالي كانوا متشددين، إلى درجة أن أبناءهم كانوا يخفون ملابسهم الرياضية عند أصدقائهم، ويخرجون إلى الملعب من دون علم أهلهم.
جمهور يرافق الفريق أينما ذهب
إذا كان اللاعبون هم من صنعوا الفريق داخل الملعب، فإن جمهور داريا هو ما جعل المباريات، في ذاكرة هؤلاء، أكبر من مجرد 90 دقيقة.
الكابتن ديب غنوم، حارس المرمى السابق الذي انتسب إلى النادي سنة 1976 ومثل ريف دمشق ومنتخبات المدارس والأندية، يتذكر مباراة داريا مع نادي تشرين في كأس الجمهورية.
كان تشرين وقتها بطل الدوري، وفي الشوط الثاني دخل غنوم إلى المباراة، ويقول إنه قدم يومها مستوى لا ينساه.
لكن غنوم، مثل كثيرين غيره، حين يتحدث عن تلك السنوات، يعود سريعًا إلى الجمهور.
يقول إن أجواء المباريات كانت مليئة بالمحبة والوفاء للنادي، من اللاعبين ومن الناس معًا، ويصف جمهور داريا بأنه من أكبر جماهير ريف دمشق، لا لأنه كان يحضر فقط، بل لأنه كان يرافق الفريق إلى كل المحافظات تقريبًا.
ويستعيد غنوم واحدة من أكثر المباريات قسوة عليه، وكانت أمام نادي اليرموك في أيام رمضان. يقول إن المباراة شهدت ظلمًا تحكيميًا وطردًا لبعض لاعبي داريا، وعندما وصلت إلى ركلات الترجيح، تصدى لثلاث كرات، لكن الكرة كانت ترتطم بأسفل القائم وتدخل إلى المرمى.
عيسى قباني، الذي لعب في النادي منذ 1978 في مركزي سنتر هاف المتأخر والمتقدم، يروي الحكاية نفسها من زاوية أخرى.
يقول إن جمهور داريا كان يلحق بالفريق أينما لعب، سواء إلى حلب أو حماة أو داخل دمشق، لكن أجمل المباريات، بالنسبة إليه، كانت داخل داريا نفسها.
ويذكر قباني مباريات داريا ضد نادي الكسوة، بوصفها من أكثر المواجهات جذبًا للجمهور، ويقول إن ثلاثة أرباع داريا كانت تخرج يومها إلى الملعب.
أما المباراة التي لا ينساها خارج داريا، فكانت أمام نادي الوحدة في ملعب العباسيين بدمشق، حين امتلأت أجزاء واسعة من المدرجات بأهالي داريا الذين ذهبوا لتشجيع الفريق.
الصعود إلى الثانية
دخل محمد كامل نادي داريا في أوائل الثمانينيات، ولعب في خط الوسط وفي معظم المراكز، باستثناء حراسة المرمى.
بقي في النادي حتى سنة 1994، أي نحو 15 سنة، تنقل خلالها بين الأشبال والناشئين والشباب والرجال.
يقول إن المدربين كانوا يكلفونه كثيرًا بالمهام الصعبة، مثل مراقبة لاعب دولي في الفريق الخصم، لكن ما بقي في ذاكرته أكثر من أي شيء آخر هو المباريات ضد نادي الكسوة، فلم تكن مباريات عادية، بل مواجهات مرتبطة مباشرة بحلم الصعود إلى الدرجة الثانية.
وبالنسبة إليه، فإن الصعود إلى الدرجة الثانية، الذي حققه جيله، كان حلمًا عمل له الجيل الذي سبقه طويلًا، قبل أن يتحقق في زمنهم نتيجة تكامل واضح بين الإدارة والمدربين واللاعبين، كما يقول.
غسان دباس يستعيد الفترة نفسها من مدخل مختلف.
بدأ اللعب في النادي وهو طفل، تقريبًا في العاشرة من عمره، وشارك في تجمع رياضي في درعا.
ويشرح أن نظام الصعود في ذلك الوقت كان يقوم على جمع نقاط فرق الأشبال والناشئين والشباب والرجال معًا، لا على نتائج فريق الرجال وحده، وهو ما جعل النادي كله يتحرك كمنظومة واحدة.
ومن المواقف التي بقيت معه، استغراب الحكم مروان عرفات وجوده في الملعب في إحدى المباريات عندما رأى تاريخ ميلاده.
أما اللحظة التي لا ينساها في الملعب، فكانت مباراة أمام نادي تدمر في حمص، على ملعب حمص البلدي، في طريق التأهل إلى الدرجة الثانية.
يقول إنه تلقى كرة من الجهة اليمنى، فقفز وسددها إلى الزاوية، ثم وجد زملاءه فوقه يصرخون: “هدف.. هدف”. وهذه، بالنسبة إليه، من اللحظات التي لا تمحى.
الكرة ليست نتائج فقط
بعض ما بقي في ذاكرة اللاعبين لا علاقة له بالصعود أو الخسارة بقدر ما يتعلق بتفاصيل صغيرة، لكنها بقيت حاضرة.
شفيق ماجد معضماني، الذي انتسب إلى النادي سنة 1978، لعب في مركز الباك اليمين، وأحيانًا الباك الشمال.
ومن المباريات التي يتذكرها، مواجهة مع نادي تشرين سنة 1984، حين كان هو وعيسى قباني في خط الدفاع بمواجهة اللاعب الصاعد حينها عبد القادر الكردغلي. راوغهما الأخير، وبعد مروره منهما بدأ كل واحد منهما يلوم الآخر على عدم قطع الكرة.
ويستعيد أيضًا واقعة أخرى من مباراة أمام نادي النبك لا تخلو من الطرافة، حين أُعطي اللاعبون “حبوبًا” على أساس أنها منشط. يقول معضماني إن النتيجة كانت عكسية تمامًا: “توقفنا ولم نعد قادرين على الركض”.
أما عيسى قباني، فيتذكر مباراة أمام نادي بانياس في يوم ماطر، بقيت في ذهنه رغم أن داريا خسرها 6-4. خرج اللاعبون يومها جميعًا غارقين بالماء.
ويتذكرها اليوم على أنها من أجمل المباريات، لأنها كانت مختلفة وممتعة على نحو لا يتكرر كثيرًا.
تسديدة في رأس الحكم
نزار دباس، الذي لعب في النادي ضمن الفئات الأربع منذ 1970 تقريبًا حتى 1984، قبل أن تبعده إصابة غضروف وتمزق أربطة عن الملاعب، يروي واحدة من أشهر الطرائف في ذاكرته.
يقول إنه كان مختصًا بتسديد الضربات المباشرة وركلات الجزاء، وكان المدرب الراحل مؤيد حمودة قد قال له مرة إن الضربة المباشرة لا تحتاج دائمًا إلى انتظار صافرة الحكم.
وفي مباراة على ملعب تشرين، صادف أن مدرجاته كانت مليئة بالجماهير القادمين لمشاهدة مباراة أخرى، حصل فريق داريا على ضربة مباشرة على خط الـ16.
تذكر نزار نصيحة المدرب، رجع إلى الوراء، وسدد بكل ما عنده من قوة، لكن بدل أن تذهب الكرة إلى الشباك، ذهبت مباشرة إلى رأس الحكم، الذي سقط على الأرض، ثم نهض وركض خلفه يشتمه وسط ضحك الجمهور واللاعبين.
لكن نزار لا يروي الطرائف فقط. ففي كلامه أيضًا مرارة واضحة تجاه ما يعتبره ظلمًا طال لاعبي الريف.
يقول إن هناك مواهب كثيرة في داريا والمعضمية ومناطق الريف الأخرى لم تأخذ فرصتها، بينما تمكن آخرون من الوصول إلى أندية دمشق والمنتخب، مثل نزار محروس وفجر إبراهيم.
وبالنسبة إليه، فإن “لاعب الريف مهضوم حقه” رياضيًا، وهي جملة تتكرر، بصيغ مختلفة، في كثير من الأحاديث عن تلك المرحلة.
الحكم أيضًا لديه ذكرياته
محمد ظافر عليان لا يستعيد ذاكرة النادي من موقع اللاعب، بل من موقع الحكم.
بدأ التحكيم عام 1987، واستمر حتى نحو 2002، وكان من الحكام المعروفين في ريف دمشق، كما كان مرشحًا على اللائحة الدولية بين 1996 و2002، لكنه لم يحصل على الشارة الدولية.
ومن بين ما يتذكره، مباراة في دورة أحياء شعبية عام 1988، كان محمد رياض العبار ينتظر بعدها مباراة لفريقه.
سمع عليان صوتًا من جهة اللاعبين خارج الملعب، فظن أن العبار شتمه، فتوجه إليه مباشرة وأشهر البطاقة الحمراء في وجهه وحرمه من اللعب، رغم محاولات العبار تهدئته وشرح الموقف.
ويستعيد أيضًا مباراة جمعت قدامى لاعبي داريا مع الفنانين والصحفيين، حين أشهر بطاقة حمراء، على سبيل الدعابة، في وجه حارس داريا بعد احتكاك مع المذيع الراحل وجيه شويكي.
وفي نظر عليان، كانت داريا واحدة من أعمدة كرة القدم في ريف دمشق، إلى جانب جرمانا وحرستا والكسوة ودوما والنبك، ثم معضمية الشام لاحقًا، معبرًا عن أمله بأن يعود النادي إلى تلك المكانة من جديد.
ما الذي بقي؟
في هذه الشهادات، لا يظهر نادي داريا القديم فريقًا فقط، بل جزءًا من حياة المدينة في تلك الفترة.
كان اللاعب يذهب من البستان إلى المباراة، وكان الجمهور يقضي يومه كله في الملعب، وكانت المباريات الكبيرة تستخرج المدينة إلى المدرجات، وكان السفر مع الفريق جزءًا من حياة كثير من المشجعين.
اللاعبون الذين التقتهم عنب بلدي لا يتحدثون عن الماضي بوصفه زمنًا مثاليًا، لكنهم يتفقون تقريبًا على شيء واحد: النادي كان حاضرًا في حياة داريا على نحو مختلف.
كانت له مكانته، وكانت له جماهيره، وكانت له مبارياته التي تحفظها المدينة كما تحفظ وجوه من لعبوا فيها.

