بدأت لجنة التنمية في مدينة داريا عملها بعد تشكيلها بقرار من مجلس المدينة، لتكون إطارًا يجمع ممثلين عن الجهات الرسمية وفعاليات من المجتمع المحلي، بهدف تنفيذ مشاريع تنموية بالشراكة بين البلدية والأهالي، في ظل محدودية الإمكانات الحكومية واتساع احتياجات المدينة بعد سنوات الحرب.
وتعمل اللجنة ضمن الإطار الذي تنظمه مديرية التنمية في ريف دمشق، وفق آليات رسمية لإدارة الأموال والإشراف على المشاريع، بينما تقدم نفسها بوصفها حلقة وصل بين المجتمع المحلي والبلدية، لا بديلًا عن الجهات المسؤولة عن الخدمات.
حلقة وصل بين المجتمع والبلدية
قال رئيس لجنة التنمية في داريا، حسين مطر، إن اللجنة انطلقت بوصفها “أداة تنموية فاعلة” تهدف إلى تمكين أفراد المجتمع ودفعهم إلى المشاركة في عمل جماعي يشمل مجالات مختلفة.
وأوضح مطر لعنب بلدي أن التنمية لا تقتصر على تنفيذ مشاريع خدمية، بل ترتبط أيضًا برفع مستوى الانتماء إلى المدينة، وإعادة بناء روح المشاركة والعمل الجماعي بعد سنوات أثرت في العلاقات الاجتماعية.
وأضاف أن اللقاءات وورشات العمل التي سبقت تشكيل اللجنة أظهرت رغبة لدى أبناء داريا في العمل المشترك، والمساهمة في النهوض بالمدينة في مجالات تنموية وزراعية وصناعية وخدمية.
ورأى أن إعادة تفعيل المشاركة المجتمعية يمكن أن تسهم في ترميم شبكة التواصل بين السكان، وتعزيز حضورهم في المبادرات العامة.
من جانبه، قال أمين سر اللجنة، مهند عليان، إن اللجنة تمثل حلقة وصل بين المجتمع المحلي والبلدية والإدارة المحلية ومديرية التنمية في ريف دمشق، وتهدف إلى تنظيم مساهمة المجتمع في إعادة تأهيل المدينة.
وأشار عليان لعنب بلدي إلى أن البلدية لا تستطيع وحدها تلبية جميع احتياجات المدينة، في وقت ما تزال فيه الدولة تواجه تحديات مالية خلال مرحلة إعادة البناء، ما يجعل إشراك المجتمع المحلي ضرورة لدعم المشاريع التي تحتاجها داريا.

صلاحيات وتنسيق رسمي
تعمل لجنة التنمية، بحسب عليان، بتنسيق دائم مع المجلس المحلي والمكتب التنفيذي، وتضم في عضويتها ممثلين عن الجهات الرسمية إلى جانب صناعيين وتجار ومهتمين بالشأن العام.
وأوضح أن هذا التشكيل يتيح دراسة المشاريع بالاستناد إلى احتياجات المدينة الفعلية وخطط الجهات الرسمية في الوقت نفسه، ويجنب تنفيذ مشاريع تتقاطع مع ما يعمل عليه المجلس المحلي.
وبحسب قرار التشكيل، يرأس اللجنة حسين مطر، وينوب عنه المهندس زهير الإمام، ويتولى مهند عليان أمانة السر، بينما سمي عماد عيروط محاسبًا للجنة، إلى جانب أعضاء آخرين من المجلس المحلي وفعاليات من المدينة.
وقال عليان إن اللجنة تمتلك صلاحية تنفيذ أي مشروع تنموي لا يتعارض مع مشاريع المجلس، سواء بصورة مباشرة أو بالتعاون مع المجلس المحلي أو متعهدين أو فرق تنفيذية أخرى.
وأشار إلى أن اللجنة الأساسية تضم ما بين 15 و20 عضوًا، إلا أن المشاركة لا تقتصر عليهم، إذ يبقى الباب مفتوحًا أمام أبناء المدينة للمساهمة في المشاريع عبر الدعم المالي أو العيني، أو تقديم الأفكار، أو العمل التطوعي، بصفتهم “شركاء في التنمية”.
ورأى عليان أن من أبرز نقاط القوة في اللجنة جمعها بين ممثلي الجهات الرسمية والمجتمع المحلي، لكنه أشار في المقابل إلى الحاجة لإشراك عدد أكبر من الشباب القادرين على تخصيص وقت لمتابعة المشاريع، والبحث عن التمويل، والتواصل مع الأهالي.
الطرق والكهرباء في مقدمة الأولويات
عقدت اللجنة حتى الآن أربعة اجتماعات، خصص الأول منها لتحديد صلاحياتها وقطاعات عملها، قبل الانتقال إلى مناقشة أولويات المرحلة الحالية، التي تتركز في الطرق والكهرباء والنظافة والتوعية المجتمعية.
وقال عليان إن أول مشروع نفذته اللجنة كان إصلاح عدد من الطرق الرئيسية قبل عيد الأضحى، عبر معالجة الحفر بطريقة تعتمد على قص الجزء المتضرر من الطريق، وإعادة تأهيله بطبقات متتالية وصولًا إلى تعبيده، بدل الاكتفاء بالحلول الإسعافية السابقة التي كانت تعتمد على الردم بالتراب والبحص.
وأضاف أن المشروع لا يعني إعادة تأهيل جميع طرق المدينة، لكنه استهدف أكثر المواقع تضررًا، في ظل عدم قدرة الدولة أو المجتمع المحلي حاليًا على تمويل إعادة تأهيل شبكة الطرق بالكامل.
وتناقش اللجنة أيضًا مشروعًا لتحسين واقع شبكة الكهرباء، مع استمرار النقص في الكابلات والمحولات والبواطات نتيجة الأضرار التي لحقت بالشبكة، وما يدفع بعض السكان إلى تنفيذ توصيلات مباشرة قد تشكل خطرًا وتتسبب بأعطال متكررة.
كما تعمل اللجنة على تعزيز التوعية المجتمعية، وتشجيع السكان على المشاركة في الحفاظ على النظافة والمرافق العامة، بعد أن أظهرت تجارب سابقة ضعف الإقبال على بعض حملات النظافة، واضطرار القائمين عليها إلى الاستعانة بعمال بأجر يومي.
وأوضح عليان أن اللجنة لا تنظر إلى التنمية باعتبارها معالجة للمشكلات الخدمية فقط، بل تعمل أيضًا على دراسة مشاريع مستدامة يمكن أن توفر فرص عمل وتسهم في تحسين الواقع الاقتصادي للمدينة مستقبلًا.
أربع قنوات للتمويل
في ما يتعلق بتمويل المشاريع، قال عليان إن اللجنة تناقش أربع قنوات رئيسية، تبدأ بمساهمات أبناء المدينة بعد إعداد دراسة وجدوى مالية لكل مشروع، وتقسيم تكلفته إلى مساهمات صغيرة تتيح للراغبين المشاركة وفق إمكاناتهم.
وأوضح أن قيمة المساهمة قد تكون، على سبيل المثال، 50 أو 100 دولار، مع اعتماد آليات للمساءلة والشفافية المالية.
وتشمل مصادر التمويل أيضًا إعداد مقترحات مشاريع للتقدم بها إلى منظمات المجتمع المدني، وإنشاء منصة إلكترونية تتيح لأبناء داريا داخل سوريا وخارجها التبرع للمشاريع، إضافة إلى بحث إمكانية تحصيل بعض الرسوم بالتنسيق مع المجلس المحلي، ضمن الإطار القانوني المنظم لعمل اللجنة.
وأضاف عليان أن اللجنة لم تعتمد بعد آلية نهائية لاختيار المشاريع عندما يزداد عدد المقترحات، إذ تتركز الجهود حاليًا على الاحتياجات الأكثر إلحاحًا، على أن يجري لاحقًا اعتماد معايير مثل الجدوى أو التصويت داخل اللجنة عند المفاضلة بين المشاريع.
لجان أحياء وتقارير دورية
تعمل اللجنة، بحسب عليان، على دراسة آليات تتيح للسكان إيصال احتياجاتهم ومقترحاتهم، من بينها تشكيل لجان أحياء تمثل مختلف مناطق المدينة، إلى جانب التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعقد لقاءات مباشرة مع الأهالي.
وأضاف أن اللجنة اتفقت على تأجيل مؤتمر إطلاقها إلى ما بعد تنفيذ أول مشروع على الأرض، حتى يطلع السكان على نتائج عملية قبل الإعلان عن خططها المستقبلية.
وأكد عليان أن الشفافية ستكون من المبادئ الأساسية في عمل اللجنة، موضحًا أن غياب التواصل مع الأهالي كان من أبرز الانتقادات التي واجهت تجارب سابقة.
وقال إن اللجنة تعتزم نشر تقارير دورية توضح حجم التمويل الذي جمع، والمشاريع التي نفذت، والمبالغ التي صرفت، مع مراعاة أن معظم أعضائها يعملون بصورة تطوعية إلى جانب أعمالهم الأساسية.
وشدد عليان على أن اللجنة لا تقدم نفسها بوصفها بديلًا عن البلدية أو الجهة المسؤولة عن حل جميع مشكلات المدينة، وإنما كإطار يهدف إلى تنظيم جهود المجتمع المحلي، وتوجيهها نحو المشاريع التي يمكن تنفيذها بالشراكة مع الجهات الرسمية، وفق الإمكانات المتاحة.
وتراهن لجنة التنمية في داريا على تحويل مساهمات الأهالي والفعاليات المحلية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، في مدينة تحتاج إلى تدخلات خدمية واسعة، بينما يبقى نجاح التجربة مرتبطًا بقدرتها على بناء ثقة السكان، وضمان الشفافية، واختيار مشاريع تستجيب لأولويات الأحياء الأكثر حاجة.

