مبادرة مجانية في داريا لتعليم الأطفال ذوي الإعاقة وصعوبات التعلم

مبادرة مجانية لتعليم الأطفال في المركز الثقافي بداريا - 20 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي - نغم لحام)

عادت ابنة أم نضال، البالغة من العمر 16 عامًا ولديها متلازمة داون، إلى تعلم الحروف بعد انقطاع استمر خمس سنوات عن الدورات التعليمية، بعدما وجدت والدتها فرصة لإلحاقها بمبادرة مجانية في المركز الثقافي بمدينة داريا.

كانت الفتاة قد التحقت سابقًا بمدرسة تعتمد نظام الدمج، وشاركت في دورات تعليمية خلال إقامة أسرتها في الكسوة، لكن عودتها إلى داريا ترافقت مع توقفها عن التعليم، بسبب عدم عثور الأسرة على مركز مناسب لاحتياجاتها.

وتقول أم نضال لعنب بلدي إنها لاحظت بدء ابنتها بتهجئة الحروف بعد التحاقها بالمبادرة، التي تشرف عليها مدربة صعوبات التعلم هبة العبار، وتستقبل أكثر من 50 طفلًا، بينهم أطفال ذوو إعاقة، وآخرون يواجهون صعوبات في القراءة والكتابة أو انقطعوا عن المدرسة.

وتوفر المبادرة جلسات تعليمية مجانية تراعي مستوى كل طفل وقدراته، في وقت تتحدث فيه أسر عن صعوبة العثور على مراكز مناسبة في داريا، وارتفاع تكاليف المراكز المتاحة خارج المدينة وأجور الوصول إليها.

خمس سنوات بعيدًا عن التعليم

بدأت ابنة أم نضال تلقي التعليم منذ طفولتها، والتحقت بمدرسة ضمن نظام الدمج لمدة أربع سنوات، ووصلت إلى الصف الرابع، مع حاجتها إلى عامين دراسيين في بعض الصفوف، بحسب والدتها.

وتوضح أم نضال أن ابنتها كانت تتعلم بعض المعلومات شفهيًا، لكنها لم تتمكن من اكتساب مهارات القراءة والكتابة بالمستوى الذي كانت الأسرة تأمله.

وخلال إقامة العائلة في الكسوة، شاركت الفتاة في دورات تعليمية لدى الهلال الأحمر، قبل أن تتوقف عنها بعد عودة الأسرة إلى داريا.

واستمر انقطاعها نحو خمس سنوات، إذ لم تتمكن والدتها من العثور على مركز يناسب احتياجاتها التعليمية.

وتقول أم نضال إنها تعرفت إلى المبادرة من خلال إعلان، فسارعت إلى تسجيل ابنتها فيها، ولاحظت أنها بدأت تهجئة الحروف بعد حضور الجلسات.

وتتابع الأم تدريب ابنتها في المنزل على نطق الحروف، لكنها تشير إلى استمرار صعوبات في التواصل والتعلم، إلى جانب مواقف تواجهها الفتاة في التعامل مع بعض الأطفال.

أكثر من 50 طفلًا في سبعة صفوف

قالت هبة العبار، مدربة صعوبات التعلم والمشرفة على المبادرة، لعنب بلدي، إنها توقعت عند بدء التسجيل استقبال ما بين سبعة وعشرة أطفال، لكن العدد تجاوز 50 طفلًا.

ودفعها الإقبال إلى توزيع المشاركين على سبعة صفوف، إلى جانب تخصيص جلسات فردية لبعض الأطفال الذين يحتاجون إلى متابعة إضافية.

وتوضح العبار أن توزيع الأطفال لا يعتمد على أعمارهم أو طبيعة الصعوبات التي يواجهونها وحدها، وإنما على مستوى استيعابهم والمهارات التعليمية التي يمتلكونها.

وتقيم مستوى كل طفل قبل إلحاقه بالمجموعة المناسبة، ثم تتابع تقدمه وتعيد توزيعه عند الحاجة.

وتُعقد الجلسات ثلاث مرات أسبوعيًا، وتستمر الجلسة نحو ساعة أو أكثر، بحسب حاجة الأطفال والأنشطة المقدمة.

وتشير العبار إلى أن وجود تشخيص سابق لدى الطفل لا يغني عن تقييم مستواه التعليمي، لأن الهدف هو تحديد المهارات التي يمتلكها، وما يحتاج إلى تعلمه، والطريقة المناسبة لمساعدته.

وتضم المبادرة أطفالًا لديهم متلازمة داون أو تأخر في النمو أو صعوبات في التواصل، إلى جانب أطفال انقطعوا عن المدرسة أو وصلوا إلى صفوف متقدمة من دون إتقان القراءة والكتابة.

وتؤكد العبار أن عملها يقتصر على التعليم ومتابعة المهارات، ولا يشمل تشخيص الحالات الطبية أو النفسية.

أطفال في صفوف متقدمة يعودون إلى الحروف

تقول العبار إن بعض الأطفال الذين تستقبلهم المبادرة وصلوا إلى مراحل دراسية متقدمة، لكنهم لا يستطيعون قراءة الكلمات أو كتابتها، ما يستدعي العودة معهم إلى تعلم الحروف وأصواتها.

وتعتمد في تعليمهم على تقسيم المهارات إلى خطوات صغيرة، وتكرار التدريبات وفق قدرة كل طفل على الاستيعاب، بدلًا من إلزام جميع المشاركين بالبرنامج نفسه.

وتوضح أن بعض الأطفال بدأوا التعرف إلى أصوات الحروف بعد أن واجهوا صعوبة في تعلمها، بينما تحسن تفاعل آخرين مع الأنشطة التعليمية.

وسبق للعبار أن نفذت المبادرة في جمعية خيرية، حيث أشرفت على 16 صفًا، لم يتجاوز عدد الأطفال في الواحد منها سبعة.

وشملت الدورات السابقة تعليم القراءة والكتابة، ومساعدة أطفال منقطعين عن الدراسة على العودة إليها، إلى جانب تعليم أطفال ذوي إعاقة.

وبحسب العبار، عاد الأطفال الذين شاركوا في صف إعادة الدمج خلال عملها السابق إلى المدارس بعد انتهاء الدورة.

وتأمل أن يتمكن بعض الأطفال الذين تتابعهم حاليًا من اكتساب المهارات اللازمة للاستعداد لامتحانات الصف التاسع.

وانتقلت العبار لاحقًا إلى المركز الثقافي في داريا، بعد خلاف بشأن تحويل الدورات في الجمعية إلى دورات مأجورة، وفق روايتها، إذ أرادت الاستمرار في تقديم التعليم مجانًا.

تكاليف المراكز تعيق تعليم الأطفال

تواجه بعض الأسر صعوبة في تأمين تعليم يناسب احتياجات أطفالها، سواء بسبب ارتفاع رسوم المراكز أو كلفة الانتقال إليها خارج داريا.

وقالت وردة يحيى لعنب بلدي إن ابنتها تواجه صعوبات في النطق والفهم، وإن لديها ضمورًا في الدماغ حدث خلال الحمل، بحسب ما ترويه الأم.

والتحقت الطفلة بالمدرسة ووصلت إلى الصف الثاني، قبل أن تُبلغ المدرسة والدتها بأن المكان غير مناسب لها.

وبدأت وردة البحث عن مركز يساعد ابنتها على التعلم، لكنها وجدت أن التكاليف تتجاوز قدرة الأسرة المالية.

وتقول إنها سألت عن مركز في دمشق، وأُبلغت بأن كلفته تقارب 50 ألف ليرة سورية جديدة، وعن مركز آخر في صحنايا تبلغ رسومه نحو سبعة آلاف ليرة جديدة شهريًا، من دون احتساب أجور النقل.

كما استفسرت عن روضة في داريا، لم تتأكد من اسمها، وعلمت أن كلفة الالتحاق بها تقارب 50 ألف ليرة جديدة.

وشاركت ابنتها لاحقًا في ثلاث دورات مع هبة العبار.

وتقول وردة إنها بدأت تلاحظ تحسنًا خلال الشهر الثاني، عندما تمكنت الطفلة من تهجئة الكلمات من دون مساعدة مباشرة منها.

وترى أن مجانية المبادرة أتاحت لابنتها متابعة التعلم، بعدما عجزت الأسرة عن تحمل تكاليف المراكز التي استفسرت عنها.

وتشير العبار بدورها إلى أن كلفة الجلسة لدى اختصاصي أو معالج قد تتراوح بين ألف و1500 ليرة سورية جديدة.

وتضيف أن بعض الأهالي أخبروها بأن جلسة في مركز مدعوم بمنطقة كفرسوسة تبلغ نحو 250 ليرة جديدة، لكن أجور النقل من داريا ترفع الكلفة الإجمالية إلى نحو 500 ليرة للجلسة الواحدة.

وتستند هذه الأرقام إلى إفادات الأهالي والمدربة، ولا تمثل مسحًا شاملًا لرسوم المراكز المتخصصة.

البحث عن مركز مناسب

واجهت منى الأمير صعوبة مشابهة بعد عودتها مع أسرتها من مصر إلى داريا قبل نحو عام، عقب إقامة استمرت 13 عامًا.

وتقول لعنب بلدي إن ابنتها، البالغة ثماني سنوات ولديها متلازمة داون، لم تتمكن من الالتحاق بمركز متخصص بسبب ارتفاع التكاليف.

واعتمدت الأسرة على تعليم الطفلة في المنزل، إلى أن تعرفت منى إلى المبادرة من خلال فيسبوك وسجلت ابنتها فيها.

وحضرت الطفلة الجلسات لمدة شهر، بمعدل ثلاثة أيام أسبوعيًا، ولساعة صباحًا في كل مرة.

وتقول والدتها إنها لاحظت تحسنًا في نطق الحروف خلال هذه الفترة، مشيرة إلى أن ابنتها تحب الذهاب إلى المدرسة، وترغب في تعلم ما تتعلمه شقيقاتها.

وسائل تعليمية بسيطة وجلسات فردية

تعتمد العبار على وسائل تعليمية متنوعة لمساعدة الأطفال على فهم المعلومات وتثبيتها، بينها مواد مطبوعة وأدوات تصنع بعضها بنفسها.

وتستخدم أنشطة عملية وأدوات بسيطة، منها أكواب مقصوصة تُوظف في التدريبات، إلى جانب تكرار الأنشطة وفق مستوى كل طفل.

ومع زيادة عدد المشاركين وتفاوت احتياجاتهم، تحدثت العبار عن حاجتها إلى وسائل إضافية لتنويع الجلسات.

وتقول إنها تمكنت لاحقًا من تأمين الأدوات التعليمية، وتلقت تبرعات مخصصة لدعم الأنشطة.

ولا تقتصر المتابعة على الجلسات الجماعية، إذ يحتاج بعض الأطفال إلى تدريب فردي على مهارات محددة.

لكن ارتفاع عدد المشاركين يجعل تخصيص وقت كافٍ لكل طفل أمرًا صعبًا، بحسب العبار.

ولهذا، تساعدها متدربة في تقديم جلسات فردية قصيرة، تستمر نحو 20 دقيقة، وفق احتياجات الأطفال والإمكانات المتاحة.

وتوضح العبار أنها لا تحدد مدة موحدة لاكتساب المهارات، لأن تقدم الأطفال يختلف تبعًا لقدراتهم ومستوياتهم التعليمية واستجابتهم للتدريب.

تحفظات على الدمج ومتابعة مع الأهالي

إلى جانب الصعوبات التعليمية، تواجه المبادرة تحفظات من بعض الأهالي على وجود أطفال لديهم متلازمة داون ضمن مجموعات تضم أطفالًا آخرين.

وتقول العبار إنها تعتمد على مستوى الاستيعاب والمهارات في توزيع الأطفال، وليس على وجود إعاقة أو تشخيص معين وحده.

وتؤكد أهمية التعامل مع كل طفل وفق قدراته واحتياجاته، وتجنب الأوصاف التي تنتقص من الأطفال أو تختزلهم في حالتهم الصحية.

وترى أن توعية الأسر ضرورية لتقبل اختلاف احتياجات الأطفال وفهم أساليب التعامل معهم.

وتواصل العبار متابعة بعض المشاركين خارج أوقات الجلسات، من خلال التواصل مع أهاليهم عبر واتساب وإرسال تدريبات منزلية تساعد على تثبيت المهارات التي تعلموها.

وتوضح أن استجابة الطفل للمدربة قد تختلف عن استجابته لأفراد أسرته، ما يستدعي إرشاد الأهل إلى طرق التدريب المناسبة في المنزل.

كما تشير إلى حاجة بعض الأسر إلى توجيه متخصص يساعدها على التعامل مع الصعوبات التي يواجهها أطفالها، إلى جانب الدعم التعليمي.

مقالات ذات صلة

وزيرتا الشؤون الاجتماعية السورية واللبنانية تلتقيان أهالي داريا وتستمعان إلى مطالبهم

بعد حملة جمع الكلاب الشاردة في داريا.. مطالب بتكرارها وتوسيع المناطق المستهدفة

سيدات الريف.. بازار في داريا يفتح مساحة لمشاريع منزلية وحرفية