أثار التوجه إلى تحويل مطار المزة العسكري إلى مطار مدني مخصص للطيران الخاص ورجال الأعمال مواقف متباينة بين أهالٍ في داريا، تراوحت بين الترحيب بإنهاء استخدامه العسكري وتوقع انعكاسات اقتصادية على المدينة، وبين مخاوف من تأثير المشروع على الأراضي وإمكانات البناء في المناطق المجاورة، ولا سيما منطقة الخليج.
وفي استطلاع رأي أجرته عنب بلدي، ربط مشاركون موقفهم من المشروع بحجم استفادة السكان المحيطين بالمطار منه، فيما اقترح آخرون الاستغناء عن وظيفته الجوية وتحويل الموقع إلى حديقة عامة تخدم دمشق وريفها.
وحضرت في إجابات عدد من المشاركين أيضًا ذاكرة الاعتقال والمخابرات الجوية المرتبطة بالمطار، سواء لدى مؤيدي تحويله إلى الاستخدام المدني أو المعترضين على المشروع.
وتعمل الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي على خطط لإعادة تصنيف مطار المزة للاستخدام المدني المحدود والمتخصص.
وقال رئيس دائرة الإعلام في الهيئة، مصطفى خير الله، لوكالة الأنباء السورية «سانا»، الخميس 3 من أيلول، إن المرحلة الحالية تشمل أعمالًا أولية لإزالة الركام وتجهيز بعض البنية التحتية المتعلقة بالملاحة الجوية، بالتوازي مع استكمال متطلبات التأهيل.
إنهاء الاستخدام العسكري أولًا
يقول أنور المصري إن تحويل المطار إلى الاستخدام المدني هو خطوة إيجابية، بالنظر إلى موقعه القريب من المناطق السكنية وامتداده باتجاه داريا، ويتوقع أن يسهم المشروع في تحسين أوضاع المنطقة، مفضلًا الاستخدام المدني على بقاء المطار عسكريًا.
ولا يغيب عن موقف المصري ما ارتبط بالمطار من معاناة بالنسبة إلى أهالي داريا، لكنه يرى أن هذه الذاكرة لا تمنعه من تأييد تحويل وظيفته.
ويتفق معه منار المنجد، أحد سكان منطقة الخليج، الذي يتوقع أن ينعكس المشروع إيجابًا على النشاط التجاري في داريا، ويأمل أن تعود منافعه على المدينة ودمشق معًا.
ولا يرى المنجد أن تأييد المشروع يعني نسيان ما ارتبط بالمطار والمخابرات الجوية من معاناة، معتبرًا أن ما جرى سيبقى حاضرًا في ذاكرة الأجيال حتى مع تغير وظيفة الموقع.
أما نور الدين شما، فيتوقع أن تمتد الفائدة المحتملة إلى داريا والمعضمية وكفرسوسة والمناطق المحيطة بالمطار، ولا يعتقد أن الإزعاج الناتج عن حركة الطيران سيطغى على المنافع التي يرجوها من المشروع، مرجحًا أن تكون إيجابياته أكبر من سلبياته.
الأرض والبناء يحددان الموقف
في المقابل، يربط عماد أبو الهوا قبوله بالمشروع بعدم إلحاق الضرر بالسكان أو التأثير في إمكانات البناء في داريا، وخصوصًا في أراضي منطقة الخليج القريبة من المطار.
ويقول إنه لا يعارض مشروعًا يخدم دمشق والمنطقة المحيطة بها، شريطة ألا تتحقق فائدته على حساب سكان داريا والمعضمية، مضيفًا: «إذا بيأثر لا، يلغوه أحسن».
ويخشى أبو الهوا أن تقتصر الاستفادة المباشرة من مطار مخصص للطيران الخاص ورجال الأعمال على شريحة محدودة، بينما يتحمل السكان المحيطون به آثار تشغيله والقيود التي قد تترتب عليه.
ويرى أن من يحتاجون إلى هذا النوع من الطيران يمكنهم استخدام موقع آخر إذا ثبت أن تشغيل المطار سيضر بشريحة واسعة من السكان.
وبالنسبة إلى يوسف مراد، لا يتعلق الاعتراض بالإزعاج أو طبيعة مستخدمي المطار فقط، بل بمصير أراضٍ يقول إن لعائلته نحو ثلاثة دونمات منها ضمن أراضي المطار.
ويقول مراد إن العائلة تلقت حديثًا عن احتمال تنظيم الأرض أو إعادتها لاحقًا، من دون أن تحصل على إجابة واضحة بشأن مصير ملكيتها، ويختصر حالة الغموض بقوله: «ما عم ناخذ كلام مضبوط».
ولهذا ينظر إلى تحويل المطار إلى الاستخدام المدني بسلبية، ويعتقد أن تشغيل مطار داخل منطقة تحيط بها تجمعات سكنية قد يسبب مشكلات للأهالي، إلى جانب تحفظه على تخصيصه للطيران الخاص وفئة محدودة من المستخدمين.
حديقة عامة بدل المطار
يقترح إحسان شريدي خيارًا مختلفًا كليًا، يتمثل في تحويل أرض المطار إلى حديقة عامة كبيرة، معتبرًا أن هذا الاستخدام قد يكون أكثر نفعًا للسكان من استمرار الموقع في أداء وظيفة جوية، سواء كانت عسكرية أم مدنية.
ويستند شريدي في مخاوفه إلى تجربة عاشها خارج سوريا، حيث لمس الإزعاج الذي يسببه إقلاع الطائرات وهبوطها للسكان المقيمين بالقرب من المطارات، ولذلك يرجح أن تكون الأضرار التي قد تلحق بالسكن المحيط أكبر من الفوائد التي سيحققها المشروع.
ويطرح إنشاء مدينة ألعاب ضمن البدائل الممكنة أيضًا، لكنه يفضل إنشاء حديقة عامة واسعة تكون متنفسًا لسكان دمشق وريفها.
ويشاركه أبو الهوا تفضيل هذا الخيار، إذ يرى أن تحويل المساحة إلى متنزه يتيح الاستفادة منها لشريحة أوسع من السكان، بدل أن يقتصر استخدامها على المسافرين عبر الطيران الخاص.
ولدى شريدي سبب آخر لتفضيل تغيير وظيفة المكان كليًا، يتعلق بالصورة التي يحملها المطار في ذاكرة السكان؛ إذ يرى أن استمرار استخدامه للطيران سيبقي هذه الصلة حاضرة، حتى لو تغيرت صفته من عسكرية إلى مدنية، ويقول: «رح تضل كلمة مطار ورح تضل كلمة طيران».
ذاكرة الاعتقال تدخل في تقييم المشروع
لا تنفصل مواقف بعض أهالي داريا من مستقبل المطار عن ذاكرة السنوات الماضية وما ارتبط بالموقع والمخابرات الجوية.
ويأمل خالد وهبي أن يحمل الاستخدام المدني للمطار منفعة للسكان، لكنه يقر بصعوبة تجاوز ما عاشته عائلات فقدت أبناء أو آباء أو إخوة، ويرى في الوقت نفسه أن بقاء الألم لا يعني توقف الحياة أو عدم العمل على تطوير البلد.
أما يوسف مراد، فيعبر عن انزعاجه من فكرة استقبال المطار مستخدمين جددًا بعد ما يقول إنه شهد من انتهاكات، ويرى أن عائلات المعتقلين والمفقودين ستجد صعوبة خاصة في التعامل مع التحول الجديد للمكان.
وعندما سُئل عن احتمال أن يؤدي تغيير استخدام الموقع إلى زوال أدلة مرتبطة بما جرى فيه، لم يجزم بذلك، لكنه أبدى خشيته من إمكانية حدوثه مع مرور الوقت، مؤكدًا أن «الأسى ما بينتسى».
ويرتبط موقف مراد بتجربة عائلية مباشرة، إذ يقول إن المخابرات الجوية اعتقلت شقيقه عام 2012، ومنذ ذلك الحين لم تتلق الأسرة أي معلومات عن مصيره.


