يواجه سكان في مدينة داريا صعوبات في إثبات ملكيات عقارية فقدوا وثائقها خلال سنوات الحرب والنزوح، خصوصًا في حالات البيع غير المسجل رسميًا، أو العقارات المشتراة بموجب وكالات وعقود ابتدائية لم تثبت في السجل العقاري.
وتتركز المشكلة في الملكيات التي لم تنقل رسميًا إلى “الطابو”، أو التي ترتبط بعقود ووكالات فقدت لاحقًا، ما يضع أصحابها أمام مسارات قانونية وإدارية طويلة، خاصة في المناطق ذات الملكيات المشتركة أو غير المفرزة.
وتقول اللجنة المحلية الخاصة بمنطقة الخليج بداريا إن هناك نحو 250 حالة ملكية غير مثبتة في المنطقة وحدها، لكنها تؤكد أن اللجنة الحالية لا تملك صلاحية تثبيت الملكيات بشكل نهائي.
وكالات مفقودة وحقوق معلقة
يروي أبو حسام حيدر لعنب بلدي أن والده اشترى منزلًا في داريا من المالك الأساسي بموجب وكالة، على أن تنقل الملكية رسميًا لاحقًا، لكن عملية “الفراغ” لم تكتمل قبل اندلاع الحرب، واضطرت العائلة إلى مغادرة المدينة دون اصطحاب الأوراق التي تثبت الملكية.
وعند محاولته لاحقًا استخراج قيد عقاري، أُبلغ بأن الملف الأساسي للعقار تضرر بعد احتراق مبنى “الطابو”، ثم طلب منه التواصل مع المالكين الأصليين لإتمام نقل الملكية.
لكن هؤلاء المالكين توفوا، وفق أبو حسام، بينما رفض بعض الورثة إتمام البيع إلا بعد دفع قيمة جديدة للعقار.
ولا تقتصر مشكلة أبو حسام على المنزل، إذ يقول إنه يملك أيضًا قطعة أرض على طريق “الفصول الأربعة”، لكنها تواجه المصير نفسه بسبب عدم امتلاكه وثائق تثبت ملكيته لها.
وفي منطقة الخليج، يواجه أبو نضال مشكلة مشابهة، إذ يمتلك منزلًا بموجب وكالة فقدها خلال سنوات النزوح، وعند محاولته تسجيل الملكية طلب منه تقديم وثائق داعمة، بينها فاتورة كهرباء وقيد عقاري، لكنه لا يملك الوثيقة الأساسية التي تثبت عملية الشراء.
شراء غير مكتمل وورثة خارج الوصول
تقول باسمة إنها تمتلك عقارًا قرب المشفى الوطني في داريا بموجب “طابو” نظامي، لكنها اشترت لاحقًا قطعة أرض مجاورة بموجب وكالة بقيت في المدينة أثناء النزوح وفقدت لاحقًا.
ومع غياب الوكالة، عادت الأرض إلى مالكها الأصلي الذي توفي لاحقًا، لتنتقل إلى ورثته المقيمين خارج سوريا، بينما لا تستطيع باسمة الوصول إليهم أو استكمال إجراءات تثبيت حقها.
أما أسامة، البالغ من العمر 33 عامًا، فيقول إنه كان خارج سوريا عندما كان قاصرًا، وعند عودته اكتشف أن اسمه غير مسجل ضمن ملكيات تعود إلى ميراث والدته المتوفاة.
وبعد استخراج قيد عقاري، لم يجد أسامة اسمه ضمن المالكين، ويسعى الآن لمعرفة المسار القانوني الذي يمكن أن يتيح له إثبات حقه في الإرث.
وتظهر هذه الحالات أن المشكلة لا تتعلق بنوع واحد من الملكيات، بل تشمل وكالات مفقودة، وعقودًا غير مثبتة، وورثة غير متاحين، وحقوق ميراث لم تسجل في وقتها.
الشيوع يزيد التعقيد
المحامي حسن البلشة قال لعنب بلدي إن الملكيات المسجلة في السجل العقاري يمكن الرجوع إليها ومعرفة أصحابها، بينما تصبح المشكلة أكثر تعقيدًا في الأبنية أو الأراضي المبنية على الشيوع.
وأوضح أن بعض المشترين اشتروا من متعهدين، في حين قد لا يكون المتعهد نفسه مالكًا كاملًا، أو قد تكون ملكيته غير مثبتة، ما يفرض أولًا إثبات ملكية البائع، ثم إثبات انتقال الحق إلى المشتري.
وبحسب البلشة، قد تدخل هذه الحالات في إجراءات طويلة تمتد لسنوات، وربما لا تصل إلى نتيجة واضحة، لذلك يلجأ كثيرون إلى التسويات الودية مع المالك الأصلي أو ورثته، باعتبارها أسرع من القضاء عندما لا تتوفر وثائق كافية.
ما الذي يمكن أن يثبت الملكية؟
أوضح البلشة أن القانون المدني يحدد وسائل الإثبات، مثل الكتابة والشهادة والقرائن والإقرار واليمين والخبرة، لكن كل حالة تدرس بشكل منفصل، ولا يمكن تعميم حل واحد على جميع الملفات.
وفي حال فقدان العقد بسبب ظروف قاهرة، مثل الحرب أو النزوح، قد يقبل القضاء الاستناد إلى الشهادة أو القرائن كاستثناء، لكن ذلك يبقى خاضعًا لتقدير القاضي، ولا يشكل ضمانة ثابتة.
ومن القرائن التي قد تدعم الدعوى، وفق البلشة، فواتير الكهرباء أو المياه، أو صور عن وكالات قديمة، أو شهادات الجيران، أو أي وثيقة تثبت الحيازة أو الاستخدام.
وأشار إلى أن القاضي لا يحكم بعلمه الشخصي، بل بناء على الأدلة المقدمة أمامه، ما يجعل جمع الوثائق والقرائن خطوة أساسية قبل التوجه إلى القضاء.
وفي حالة القاصر الذي فقد حقًا من الميراث، أوضح البلشة أن بيع ملك القاصر يحتاج إلى إذن من القاضي الشرعي، وفي حال غياب هذا الإذن قد تكون هناك مخالفة قانونية تحتاج إلى دراسة ملف الملكية كاملًا عبر محامٍ مختص.
لجنة تمهيدية وصلاحيات محدودة
قال نائب رئيس لجنة الخليج في داريا، زهير الإمام، لعنب بلدي، إن عمل اللجنة يقوم على دراسة الملكيات من خلال الطلبات المقدمة من الأهالي، وتشمل قيودًا عقارية صادرة عن المصالح العقارية “الطابو”، بينما قدم أشخاص لا يملكون قيودًا عقارية عقودًا ابتدائية، أو وكالات بيع لأسهم، أو قرارات قضائية.
وأوضح الإمام أن تثبيت الملكيات لا يدخل ضمن صلاحيات لجنة الخليج الحالية، مشيرًا إلى أن اللجنة طلبت تشكيل لجنة جديدة من محافظة ريف دمشق، تضم مندوبًا عن المصالح العقارية ومندوبًا عن المحافظة، إلى جانب أعضاء من اللجنة، على أن تباشر عملها قريبًا.
وبحسب الإمام، توجد نحو 250 حالة ملكية غير مثبتة في منطقة الخليج، تتنوع بين ملكيات فقد أصحابها وثائقهم، ووكالات، وعقود، وقرارات قضائية غير مثبتة.
وأشار إلى أن نتائج عمل اللجنة الحالية تمهيدية فقط، وليست معتمدة قانونيًا بشكل نهائي، مرجحًا فتح باب الاعتراض لاحقًا ودراسة الاعتراضات من جديد.
ولا يوجد جدول زمني محدد لإنهاء حصر الملكيات، وفق الإمام، بسبب ارتباط العمل بتفرغ أعضاء اللجان ومديرية المصالح العقارية، موضحًا أن العمل قد يحتاج إلى نحو شهرين من تاريخ تشكيل اللجنة الجديدة، التي يتوقع أن تصدر خلال عشرة أيام.
الوثائق المسجلة لا مشكلة فيها
حول حالات احتراق ملفات “الطابو”، قال الإمام إن العقارات المسجلة في المصالح العقارية لا توجد مشكلة في إثباتها، لأن أسماء أصحابها موجودة في السجل العقاري.
أما الحالات التي فقد أصحابها وكالات أو عقودًا، فيطلب منهم تقديم طلبات وذكر أسماء الجيران للاستماع إلى شهاداتهم والتحقق منها.
وأضاف أن الآلية النهائية التي ستعتمد في هذه الحالات ستكون من صلاحيات اللجنة الجديدة، وهي التي ستحدد طريقة التعامل مع الوثائق المفقودة والشهادات والقرائن.
وأكد الإمام عدم وجود سجلات عقارية مفقودة لدى السجل العقاري، موضحًا أن المشكلة تتعلق أساسًا بضياع الوكالات والعقود وملفات المحاكم بعد احتراق السجلات، وهو ما يجعل معالجتها صعبة.
ولفت إلى أن وجود صور عن الوكالات قد يساعد في دراستها، مضيفًا أن اللجنة ستبذل جهدها لإيجاد حلول ممكنة.
أتمتة “الطابو” تحتاج وقتًا
فيما يخص إطلاق آلية مبسطة لتثبيت الملكيات، قال الإمام إن العمل جارٍ على أتمتة “الطابو”، لكن هذا الإجراء يحتاج إلى وقت طويل قد يتجاوز عامًا.
وأكد أن الملف لا يخص البلدية مباشرة، وأن أي ملكية مسجلة في “الطابو” تنعكس على سجلات البلدية.
وأضاف أن البلدية تسعى للتعاون مع الأهالي الذين فقدوا وكالاتهم أو عقودهم لإيجاد حلول، مشيرًا إلى أنها أعلنت عدة مرات ودعت أصحاب الحقوق إلى تقديم ما لديهم من وثائق أو أدلة أو طلبات، على أن تتولى لجنة الخليج الجديدة دراسة هذه الملفات.
أما حالات البيع المتكرر أو النزاعات بين الورثة، فأوضح الإمام أنها لا تدخل ضمن اختصاص اللجنة، مبينًا أن بعض الملكيات لا تزال مسجلة باسم المورّث، وقد تظهر النزاعات عند توزيع الأسهم على الورثة.
وبينما لا يعني فقدان الوثائق بالضرورة ضياع الحق، فإنه ينقل أصحاب الملكيات إلى مسار أطول وأكثر تعقيدًا، بانتظار تشكيل لجنة جديدة تحدد آلية التعامل مع الطلبات والاعتراضات، في حين تبقى النزاعات المرتبطة بالورثة والبيع المتكرر خارج صلاحيات اللجنة الحالية
