في هذه الحلقة من “ذاكرة سورية”، التي سجلت في العام 2021، يأتي صوت منير كمون كصندوق قديم ممتلئ بتفاصيل مدينة كانت تعيش ببساطتها، وتخزن في يومياتها ما هو أكبر من الأحداث العامة: حياة الناس كما كانت، وكيف صُنع المعنى من الشقاء والعمل والخبز والتنور، ومن فرحٍ صغير يشبه “أسكة” تُباع بين المغرب والعشاء.
منير كمون، الذي قارب الثمانين، لا يقدم سيرة شخصية فقط، بل يقود المستمع إلى داريا كما عرفها، مدينة العمل المبكر والكدّ.
يتحدث عن طفولته حين كان في العاشرة يحمل “الأسكة” ويطوف تحت شمس الصيف، ويعود آخر النهار بليرة أو ليرة ونصف.
وفي رمضان، تتحول الحكاية إلى مشهد اجتماعي كامل: طفل يبيع مئة “أسكة” في ساعات قصيرة، وأم تعجز عن دفع ثمنها لطفلها، فيقايضها ببيضة، ثم يعود منير في آخر اليوم وقد جمع عشرين بيضة تساوي ليرة كاملة. هنا لا تبدو التجارة مجرد رزق، بل مرآة لفقر الناس، وذكاء الأطفال، وتضامن غير معلن كان يسد الفجوات.
ولأن الذاكرة لا تسير على خط واحد، ينتقل الرجل من سوق المدينة إلى “الكرم” ومواسم الخضار. يروي كيف كانت العائلة تعتمد على بيع البندورة والكوسا والصبّارة، وكيف كانت السلطات تمنع “البسطات” بحجة السياحة والمظهر العام، في مشهد يختلط فيه القهر بالكرامة، حين يترك الرجل سحاراته تُفرط في الشارع، لا لأنه لا يحب رزقه، بل لأنه شعر أن تعبه يهان.
حديث منير كمن لا توقف عند الفقر والعمل فقط. فمساره الشخصي يتسع لاحقًا إلى مساحة سوريا كلها، فيروي تجربته المهنية في معرض دمشق الدولي، بوصفه أحد العاملين والمؤسسين لأجنحة المعرض، وواحدًا ممن وضعوا “لمساتهم الفنية” على تفاصيله.
يتوقف عند مسرح المعرض تحديدًا، بوصفه ذاكرة ثقافية لا تقل أهمية عن مسارح دمشق الكبرى، ويستعيد أسماء نجوم غنوا عليه: فيروز، عبد الحليم حافظ، وديع الصافي، وغيرها من الفرق العالمية.
يصف كيف كانت تجهيزات المسرح تُعاد كل عام قبل الافتتاح، وكيف كان المعرض بالنسبة للسوريين مناسبة فخر وبهجة وشعور جماعي بأن البلاد “تفتح أبوابها” للعالم.
وفي مسار آخر من حياته، يحكي منير كمون عن سنواته في جامعة دمشق، بين كلية العلوم (قسم علم الحيوان) ثم الانتقال إلى كلية الصيدلة (قسم السموم وتأثير الأدوية). يذكر أساتذة وأسماء أكاديمية، ويستعيد تفاصيل العمل المخبري والتشريح تحت المجاهر، قبل أن تدفعه الظروف لاحقًا إلى ترك الوظيفة والاتجاه إلى العمل الحر، حيث يبني خبرته المهنية ومكتبه الذي استمر لعقود، وخرّج عشرات العاملين معه.
غير أنه يعود في نهاية الحلقة إلى داريا من جديد، ولكن من بوابة المطبخ والبيت. يتحدث بشغف عن خبز التنور، و”العصور بالزيتون”، و”الطمرة”، و”الدبس العنبي”، وعن فرن خاص لا يعرفه إلا أهل داريا، يُطمر تحت الأرض ويُسخّن بالحصى البحري، ثم تُدفن فيه الطمرة حتى الصباح.
يروي تفاصيل السهرات الشتوية حول المنقل، الجوز المشوي والزبيب والتين اليابس، وكيف كان البيت يكتفي بفرح بسيط بلا تلفزيون ولا كهرباء، في زمن كانت فيه السهرة تنتهي عند الثامنة… لكنها مليئة بالونس والدفء.
لا يكتفي منير كمون باستحضار الماضي بوصفه “أيامًا جميلة”، بل يعرضه كما هو: تعب وحرمان، لكن فيه كرامة وبساطة وتماسك اجتماعي.
إنها شهادة عن داريا التي يعرفها أهلها، داريا الكرم والعنب والتنور، وداريا التي تهجرت يومًا ولم يختفِ اسمها من القلب.
هذه ليست مجرد ذكريات رجل، إنها ذاكرة مدينة كاملة تُروى على لسان واحد من أبنائها.
