تراجع حضور الأعشاب الطبية في داريا كوسيلة علاج أولى، مع انحسار زراعتها في الحدائق المنزلية وتغير نمط الحياة، بينما اتسع اعتماد الأسر على الأطباء والأدوية عند تكرر المرض أو اشتداد الأعراض.
ولا يعني هذا التحول اختفاء الوصفات المنزلية تمامًا، إذ ما يزال بعض الأهالي يستخدمون الزهورات والعسل والزنجبيل لتخفيف أعراض بسيطة. غير أن فائدتها، وفق طبيب تحدث إلى عنب بلدي، تبقى داعمة ومحدودة، ولا تجعل منها بديلًا عن التشخيص والعلاج الطبي.
محاولات منزلية لا تكفي
تصف أميرة عليان، البالغة من العمر 26 عامًا، مناعة ابنتها ذات الأعوام الثلاثة بأنها ضعيفة، إذ لا تكاد الطفلة تتعافى من مرض حتى تظهر عليها أعراض جديدة، رغم محاولات والدتها الاهتمام بغذائها وتقليل الأطعمة الغنية بالسكريات.
تعتمد أميرة على الفواكه والخضراوات، لكنها تقول إن ابنتها لا تتقبل الطعام بسهولة. كما حاولت استخدام الزهورات وبعض المشروبات المنزلية، من دون أن تلاحظ تحسنًا كافيًا، ما دفعها إلى مراجعة الأطباء.
وخضعت الطفلة لاستئصال اللوزتين بعد إصابتها بالتهابات متكررة، إضافة إلى معاناتها من طفوحات جلدية، إلا أن المشكلات الصحية لم تنتهِ بشكل كامل.
وتخشى أميرة من كثرة استخدام الأدوية في هذا العمر، لذلك تحاول تقليل اللجوء إليها قدر الإمكان، مع الاستمرار في مراجعة الطبيب عندما تشتد الأعراض أو تتكرر.
كما تلاحظ تغيرًا في طعم بعض الخضراوات والفواكه وجودتها مقارنة بما تتذكره من السابق، وتربط ذلك، من خلال تجربتها الشخصية، بتغير أساليب الإنتاج والتخزين وظهور بعض المنتجات خارج مواسمها.
معرفة كانت تبدأ من الحديقة
قبل تراجع زراعتها في المنازل، كانت الأعشاب الطبية جزءًا من الحياة اليومية لعائلات في داريا، بحسب زهرة النكاش، البالغة من العمر 61 عامًا.
تقول زهرة إن حدائق المنازل كانت تضم نباتات مثل المليسة والبابونج والزعتر البري والميرمية وإكليل الجبل، التي استخدمها الأهالي في إعداد الطعام وتخفيف بعض الأعراض البسيطة.
وكانت معرفة استخدام هذه النباتات تنتقل بين أفراد العائلة، إذ يلجأ الأهالي إلى مغلي البابونج أو المليسة عند الشعور بآلام المعدة، بينما تدخل أعشاب أخرى في مشروبات تُقدم للنساء بعد الولادة.
وترى زهرة أن تغير نمط الحياة وتراجع الحدائق المنزلية قلّلا من حضور هذه المعرفة، بعدما كانت النبتة المزروعة قرب المنزل أول ما يلجأ إليه أفراد العائلة عند الإصابة بوعكة بسيطة.
كما تربط تراجع الثقة بالمنتجات الزراعية الحالية بالقلق من المواد المستخدمة في الزراعة ومصادر مياه الري، إلى جانب ما تركته سنوات الحرب من مخلفات في أراضي المدينة. وتبقى هذه المخاوف جزءًا من تجربة السكان وملاحظاتهم، من دون توفر بيانات في التقرير تحدد أثرها الصحي.

الأعشاب تخفف الأعراض ولا تعالج أسبابها
يقول الدكتور مازن الخطيب، اختصاصي طب الإسعاف والطوارئ، إن اعتماد الإنسان على النباتات والوصفات المتوارثة سبق ظهور الطب الحديث بآلاف السنين، وإن تطور الطب لم يلغِ الاستفادة من بعض النباتات والممارسات التقليدية.
ويوضح أن عددًا من الأدوية الحديثة طُور بعد دراسة مواد فعالة موجودة في الطبيعة، لكن ذلك لا يعني أن استخدام النباتات بصورتها المنزلية يعطي النتيجة نفسها، لأن الأدوية تعتمد على تركيزات وجرعات محددة خضعت للدراسة.
ويمكن لبعض الأعشاب والمواد الطبيعية، مثل البابونج والزعتر والعسل والزنجبيل، أن تساعد في تخفيف أعراض بسيطة مرتبطة بالسعال أو الزكام وآلام الحلق، وفق الخطيب، لكنها لا تعالج بالضرورة السبب المرضي.
ويضيف أن بعض حالات التهاب اللوزتين أو الصدر قد تحتاج إلى تشخيص وعلاج دوائي، بينما تتطلب حالات أخرى، مثل التهاب الزائدة الدودية، تدخلًا جراحيًا لا يمكن استبداله بالأعشاب.
ويحذر الخطيب من أن الاعتماد الكامل على الوصفات الشعبية قد يؤخر الوصول إلى العلاج المناسب، خصوصًا عندما تتفاقم الأعراض أو تستمر لفترة طويلة.
كما تختلف كمية المواد الفعالة من نبتة إلى أخرى، ولا يمكن ضبط تركيزها في الوصفات المحضرة منزليًا، ما يستدعي الحذر عند استخدامها، ولا سيما لدى المصابين بأمراض مزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب.
دور مختلف للصيدلية الخضراء
لم تختف الأعشاب الطبية من حياة أهالي داريا، لكنها فقدت موقعها السابق بوصفها علاجًا منزليًا أوليًا.
فالوصفات التي كانت تبدأ من حديقة البيت أصبحت تستخدم غالبًا لتخفيف أعراض بسيطة، بينما صار التشخيص الطبي ضروريًا عند تكرر المرض أو اشتداده.
وتكشف تجربة أميرة هذا التحول، إذ بقيت الزهورات جزءًا من محاولاتها المنزلية، لكنها لم تمنعها من مراجعة الطبيب عندما استمرت حالة ابنتها.
أما ذاكرة زهرة، فتوضح كيف تقلصت مساحة معرفة كانت ترتبط بالحديقة وتنتقل داخل العائلة، لتصبح اليوم خيارًا مساعدًا يحتاج بدوره إلى وعي بحدوده ومحاذير استخدامه.
