شبكات الدعم الاجتماعي في داريا.. العائلة لم تعد المصدر الوحيد للمساندة

امرأة تسير في أحد شوارع مدينة داريا - 27 حزيران 2026 (عنب بلدي - نداء كناكرية)

لم تعد شبكات الدعم الاجتماعي في داريا ترتبط دائمًا بالعائلة أو الجيران كما كانت في السابق، وفق شهادات نساء تحدثن لعنب بلدي عن تجارب مختلفة مع المرض والحاجة اليومية وتراجع التواصل.

وبينما ما تزال بعض روابط الدعم قائمة، تقول أخريات إن المساندة جاءت من جمعيات خيرية أو فاعلي خير أو جيران أو حتى غرباء، في وقت تراجع فيه حضور العائلة لدى بعضهن إلى اتصالات متباعدة أو مناسبات لا تكفي لمواجهة الشعور بالوحدة.

ولا يقتصر هذا التحول، بحسب الشهادات، على الدعم المادي، بل يشمل أيضًا السؤال والاطمئنان والمرافقة عند المرض، إذ ترى نساء أن الهجرة والضغوط المعيشية وتغير نمط الحياة انعكست على طبيعة العلاقات الاجتماعية ومصادر المساندة التي يعتمدن عليها عند الحاجة.

الدعم يأتي من خارج العائلة

تقول أم حسام عليان إنها وجدت نفسها، خلال مرض زوجها قبل وفاته، أمام أعباء تفوق قدرتها، إذ كان يعاني من الشلل ويحتاج إلى عمليات جراحية متكررة، بينما كانت تكاليف العلاج تتراكم مع الاحتياجات اليومية.

وتضيف لعنب بلدي أنها لم تتلق دعمًا يذكر من أهلها أو من أهل زوجها، رغم الظروف التي كانت تمر بها، ما دفعها إلى طلب المساعدة من جمعية خيرية أسهمت في تغطية نصف المبلغ المطلوب لإحدى العمليات.

وفي مراحل أخرى، اضطرت أم حسام إلى بيع مصاغها الذهبي لتأمين بعض الاحتياجات الأساسية، معتبرة أن ما عاشته كشف لها أن القرب العائلي لا يعني بالضرورة وجود سند عند الحاجة.

وتستعيد السيدة موقفًا لا تزال تتذكره، حين فوجئت بعد إحدى العمليات بأن تكاليف العلاج سددها فاعل خير مجهول قبل وصولها إلى صندوق المحاسبة.

تقول إن تلك الحادثة غيرت نظرتها إلى مصادر المساندة، إذ جاء الدعم في لحظة صعبة من شخص لا تعرفه، بينما غاب من كانت تتوقع منهم الوقوف إلى جانبها.

ولا ترى أم حسام أن التغير اقتصر على العائلة فقط، بل شمل علاقات الجيرة أيضًا، فبحسب وصفها، أصبح كثير من الناس منشغلين بشؤونهم الخاصة، وتراجعت الزيارات اليومية والسؤال المتبادل مقارنة بما كان عليه الحال قبل سنوات.

وترى أن وجود الأب والأم كان يشكل عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على ترابط العائلة، ومع غيابهما تضعف الصلة بين الإخوة والأقارب، حتى يصبح طلب الدعم، ولو كان معنويًا، أمرًا ثقيلًا على النفس.

العلاقات لم تختف لكنها ضاقت

في المقابل، لا ترى أم عماد لطيفة أن شبكات الدعم الاجتماعي اختفت بالكامل، لكنها تعتقد أنها أصبحت أضيق وأكثر ارتباطًا بطبيعة العلاقة بين الأشخاص.

تقول لعنب بلدي إنها ما تزال تلجأ إلى إخوتها عند الحاجة، كما تتلقى دعمًا من أبنائها المقيمين خارج سوريا، وتشير إلى أن ابن عمها ساعدها في الحصول على موعد قريب لإجراء قثطرة قلبية عندما احتاجت إلى ذلك.

وتؤكد أم عماد أنها تحرص بدورها على تقديم المساعدة لجيرانها وأقاربها كلما استطاعت، معتبرة أن استمرار هذه المبادرات الفردية ضروري حتى لا تنقطع العلاقات الاجتماعية بالكامل.

وتختصر موقفها بالقول: “إذا خليت خربت”، في إشارة إلى أن الخير والمساندة لا يزالان موجودين، وإن كانا أقل اتساعًا مما كانا عليه سابقًا.

وتستذكر أم عماد فترة ما قبل الحرب، حين كان بعض الجيران يتركون مفاتيح منازلهم لديها خلال سفرهم، في تعبير عن مستوى عال من الثقة بين سكان الحي.

وتقول إن هذه العلاقة ما زالت مستمرة مع عدد منهم حتى اليوم، رغم تغير الظروف وتراجع التواصل اليومي، ما يعني بالنسبة لها أن العلاقات التي بنيت على الثقة يمكن أن تستمر، لكنها تحتاج إلى من يحافظ عليها.

مساعدة عند الحاجة.. وغياب في الأيام العادية

أما أم فادي، فتقول إنها ما زالت تبادر إلى مساعدة جيرانها، سواء في مرافقتهم إلى المشفى أو قضاء بعض احتياجاتهم اليومية، لكنها ترى أن العلاقات الاجتماعية أصبحت أكثر محدودية مما كانت عليه سابقًا.

وتضيف لعنب بلدي أنها حاولت في فترات سابقة الحفاظ على علاقات واسعة مع محيطها، لكنها شعرت بأن بعض هذه العلاقات كانت تقوم على تلقي المساعدة من طرف واحد، من دون سؤال أو مبادرة مقابلة.

ومع الوقت، قللت أم فادي دائرة تواصلها، بعد أن لاحظت، بحسب قولها، أن بعض الأشخاص لا يتواصلون معها إلا عند الحاجة، بينما يغيب السؤال في الظروف العادية.

وتقول إنها لم تعد تسعى إلى توسيع علاقاتها كما في السابق، ليس لأنها ترفض مساعدة الآخرين، بل لأنها أصبحت أكثر انتباهًا إلى العلاقات التي تستنزفها من دون أن تمنحها شعورًا حقيقيًا بالمساندة.

ورغم ذلك، تستذكر مواقف تلقت فيها مساعدة من أشخاص لا تعرفهم، من بينهم من أوصلها إلى المستوصف ورفض أي مقابل، مكتفيًا بطلب الدعاء.

وتعتبر أم فادي أن مثل هذه المواقف تؤكد أن المبادرة الفردية ما تزال حاضرة لدى بعض الناس، حتى إن تراجع التواصل اليومي بين الأقارب والجيران.

السؤال لوحده دعم

بالنسبة لأم خلدون كساح، فإن أكثر ما تغير في العلاقات العائلية ليس غياب الدعم المادي، بل تراجع السؤال نفسه.

تقول لعنب بلدي إنها لا تنتظر مساعدة مالية من إخوتها داخل سوريا أو خارجها، لكنها كانت تتمنى تلقي اتصال أو رسالة للاطمئنان عليها، خصوصًا في الأعياد والمناسبات.

وتضيف أنها أرسلت لهم معايدات في الأعياد، لكنها لم تتلق ردًا، وهو ما ترك لديها شعورًا بالخذلان، ليس بسبب الحاجة إلى المال، بل بسبب غياب الاهتمام البسيط.

وترى أم خلدون أن وسائل التواصل أصبحت متاحة أكثر من أي وقت مضى، لكن توفرها لم يمنع انقطاع علاقات عائلية كثيرة، إذ لم تعد الرسائل والاتصالات تستخدم دائمًا للحفاظ على الصلة.

وتوضح أن تواصلها مع محيطها الاجتماعي أصبح محدودًا، لكنها تحاول المحافظة على الحد الأدنى من العلاقة عبر الرسائل القصيرة أو عبارات التهنئة، إيمانًا منها بأن التواصل البسيط قد يمنع انقطاع العلاقات بالكامل.

وبالنسبة لها، لم يعد الدعم يعني المساعدة المادية فقط، فقد يكون اتصالًا قصيرًا، أو سؤالًا في وقت المرض، أو رسالة تؤكد أن الإنسان لم يصبح خارج ذاكرة أقاربه.

مصادر الدعم تغيرت

تكشف الشهادات الأربع عن تجارب مختلفة، لكنها تلتقي عند فكرة واحدة، وهي أن شبكات الدعم الاجتماعي في داريا لم تختف، لكنها لم تعد تعمل بالطريقة نفسها.

فبين من وجدت المساندة لدى جمعية خيرية أو فاعل خير، ومن ما زالت تعتمد على أفراد من العائلة والجيران، ومن صارت تحدد علاقاتها وفق التجربة، ومن ترى أن السؤال أصبح نادرًا، تبدو مصادر الدعم أقل ارتباطًا بالقرابة وحدها.

ولا تعني هذه الشهادات أن العائلة أو الجيرة خرجتا من دائرة المساندة، لكنها تشير إلى أن الدعم أصبح أقل تلقائية، وأكثر اعتمادًا على مبادرات فردية وعلاقات حافظ أصحابها على استمراريتها رغم تغير الظروف.

مقالات ذات صلة

«الديراني لحق الدبور».. أمثال وحكايات من ذاكرة الجدات في داريا

«بتستر صاحبها».. راتب الحافي يتحدث عن تربية الأبقار في داريا

المفاضلة تفتح باب الاختيار.. طالبات في داريا يتحدثن عن دور أسرهن في رغباتهن