افتتح في المركز الثقافي بمدينة داريا، الاثنين 11 أيار، “بازار أنامل الخير”، بمشاركة نساء من عائلات شهداء يعرضن منتجات يدوية مختلفة، في محاولة لتوسيع مصادر دخلهن وبناء مساحة دعم اجتماعي بعد فقدانهن المعيل خلال سنوات الحرب.
ويستمر البازار حتى الثلاثاء 12 أيار، من الساعة 11 صباحًا حتى الخامسة مساءً، ويضم أعمالًا من الريزن، وتنسيق الورود، والرسم، والخياطة، وصناعة الحلويات والزينة.
مبادرة من النساء
مدير المركز الثقافي في داريا، إبراهيم زعيتر، قال لعنب بلدي، إن إقامة البازار جاءت بناء على طلب تقدمت به النساء أنفسهن، مشيرًا إلى أن هذه ليست الفعالية الأولى من نوعها.
وأضاف أن المركز وفر للمشاركات الطاولات والكراسي وشاشة العرض والإضاءة والتجهيزات اللوجستية المتاحة، بهدف مساعدتهن على عرض أعمالهن بطريقة أفضل.
وبحسب زعيتر، توجد نية لإقامة أنشطة مشابهة لاحقًا، لكن مواعيدها لم تحدد بعد بانتظار التنسيق مع المنظمات والمشاركات، مؤكدًا أن المركز “مفتوح أمام أي مبادرة مجتمعية تخدم أهالي المنطقة”.
“لا نريد أن نحتاج أحدًا”
تقول أماني الحوراني، زوجة الشهيد محمود معضماني وأخت الشهيد محمد الحوراني، إن فكرة البازار بدأت مع مجموعة من النساء بعد توقف دعم كن يحصلن عليه ضمن منظمة تعنى بالمشاريع الصغيرة.
وكانت النساء يعملن من منازلهن دون مساحة مشتركة تتيح للناس رؤية المنتجات، قبل أن يتقدمن بطلب إلى المركز الثقافي لتنظيم بازار دوري.
وقالت أماني لعنب بلدي، “كل واحدة كانت تعمل وحدها في البيت، فقررنا أن نجتمع ونصنع مساحة لنا. اليوم أصبح البازار يقام بشكل شبه شهري، وهذه هي المرة الرابعة”.
وترى أماني أن أهمية البازار لا تقتصر على البيع المباشر، إذ يساعد المشاركات على التعرف إلى زبائن جدد، وتلقي طلبات لاحقة عبر البطاقات التعريفية أو المقاطع المصورة التي تنشر على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأضافت أن بعض المشاركات تعلمن الحرف من الصفر فقط ليتمكن من العمل، معتبرة أن الهدف الأساسي هو “الاعتماد على النفس وعدم انتظار المساعدة”.
مهنة من الغربة
على طاولة تضم قطعًا ملونة من الريزن، عرضت زبيدة جنح منتجات تعلمت صناعتها خلال وجودها في لبنان.
تقول زبيدة إنها بدأت تعلم الريزن بعد أن وجدت نفسها بلا عمل، فالتحقت بدورات تدريبية وحصلت على شهادة حرفية، ثم عادت لتعمل من منزلها وتعلم نساء أخريات.
ولا تنظر زبيدة إلى مشاركتها في البازار كفرصة للبيع فقط، بل كوسيلة لنقل الخبرة إلى نساء يحتجن إلى مصدر دخل.
وقالت لعنب بلدي، “هدفي الأساسي أن تتعلم النساء مهنة يعتمدن فيها على أنفسهن دون الحاجة لأحد”.
وتوضح أن تأمين المواد كان من أبرز الصعوبات، خصوصًا في البدايات، إذ كانت تضطر للذهاب إلى دمشق لجلب المستلزمات. كما بدأت بتصوير مراحل العمل لتوضح للناس حجم الوقت والجهد الذي تحتاجه كل قطعة.
الورد كعمل ودعم نفسي
أما أحلام الحو، زوجة الشهيد ربيع معضماني، فاختارت تنسيق الورود الطبيعية وورود الساتان.
تعلمت أحلام المهنة عبر الإنترنت، من خلال متابعة مقاطع تعليمية وتجربة العمل بنفسها حتى اكتسبت خبرة في تنسيق الباقات والهدايا.
تقول إن مشاركتها في البازار تهدف إلى تعريف الناس بعمل النساء داخل منازلهن، مضيفة أن “هذا العمل يحتاج وقتًا وفنًا وصبرًا، وكثير من الناس لا يرون ذلك”.
وتحلم أحلام بافتتاح محل خاص لتنسيق الورد والهدايا والحفلات وغرف الأعراس. وهي تعيش مع أطفالها الخمسة في منزل مستأجر، وتعمل أيضًا في بوفيه مدرسة لتغطية جزء من المصاريف.
وترى أن الورد منحها دعمًا نفسيًا، “عندما أتعب نفسيًا أعمل بالورد، أشعر أنه يريحني”.
الرسم والخياطة
شاركت إنعام مشمشتين، ابنة الشهيد علي مشمشتين، بلوحات فنية وجداريات طورت مهارتها فيها بنفسها.
تقول إنعام إنها تعرفت إلى مجموعة المشاركات عبر “واتساب”، وشعرت أن وجودها بينهن يحمل معنى خاصًا، لأن الرسم بالنسبة لها ليس هواية فقط، بل مساحة للتعبير والراحة النفسية.
وتذكر أنها شعرت بفرح كبير عندما باعت أول لوحة لها، رغم أن الاهتمام بالرسم في داريا لا يزال محدودًا مقارنة بالأعمال اليدوية الأخرى.
وفي زاوية أخرى، عرضت غيداء مشمشتين أعمال خياطة تنجزها مع والدتها داخل المنزل، بعد فقدان والدها وشقيقها.
تعمل غيداء ووالدتها على مكنات خياطة مستأجرة مقابل مبلغ بسيط، وتحاولان تأمين جزء من احتياجات الحياة اليومية، لكن ارتفاع أسعار الأقمشة وصعوبة نقلها يحدان من مردود العمل.
وقالت غيداء إن غياب المعيل يجعل تفاصيل العمل اليومية أكثر صعوبة، إذ تضطر أحيانًا إلى الذهاب وحدها لجلب القماش في الحر أو المطر، “وأشعر أنه لا يوجد كتف أستند عليه”.
دعم يتجاوز الشراء
لم يقتصر أثر البازار على المشاركات، إذ ترى الزائرة عواطف غباش أن أهمية الفعالية تكمن في منح النساء شعورًا بالإنجاز والقدرة على إعالة أنفسهن وعائلاتهن.
وقالت إنها لو امتلكت حرفة ووجدت فرصة مشابهة فلن تتردد في المشاركة، معتبرة أن ما تفعله النساء “شيء عظيم”.
لا يغير البازار في داريا واقع المشاركات دفعة واحدة، لكنه يمنحهن فرصة للظهور والعمل وبناء شبكة دعم. وبين طاولة ريزن وقطعة قماش وباقة ورد ولوحة مرسومة، تحاول نساء فقدن المعيل تحويل الحرفة إلى مورد صغير ومساحة لاستعادة الثقة.